خريطة الميساب حيث تدور كافة أحداث الرواية  حلّ فصل الخريف على منطقة آحايان ككل سنة، يحمل في طياته رياحًا عاصفة هائجة وبردًا شديدًا قارصًا، لكن هذه المرة لم يحمل معه أمطاره الطوفانية المعتادة، بل اكتفى ببعض من زخاتها تاركا الفلاحين في حيرة من أمرهم وترقب دائم للسماء، تتلوا شفاههم أدعية للخالق علّه يرحمهم ويحميهم من جفاف قد يقع قريبا. كان عصر ذلك اليوم عاصفا كعادته، الرياح تلاعبت بكل ما هو هش ضعيف فهشمته واقتلعته من جذوره. وسط هذه الفوضى الطبيعية جلست ̎ أريناس ̎ قارئة العشيرة والبلد على مكتبها منهكة وقد ظهرت ٲسفل عينيها زرقة عميقة تنمي عن حقيقة قضائها لليال طوال دون ٲن يغمض لها جفن، وسط كومة المخطوطات والكتب المبعثرة أمامها. لوهلة شعرت ببعض الأسى لأنها مَنَعت الجميع من الدخول عليها في غرفة عملها إلى أن تنتهي من ترجمة المخطوط الذي تضعه بين يديها، حتى خطاطها ̎ أمالو̎ ابن العشر سنوات منعته من الدخول وأرسلته لبيت أهله ليحظى ببعض الراحة . زفرت بتعب وهي تضع رأسها على سطح المكتب الخشبي – الذي تشبع برائحة عصارة الصنوبر- مسندة إياه على ٲطراف يديها التي غطتهما أكمام ثوبها الأزرق الفضفاضة والتي مُلئت بزخارف ونقوش من خيوط ذهبية، لوهلة شعرت بأنّ قواها قد خارت بالكامل وأنها ستستسلم وسط الأجواء المعتمة من حولها للنوم، لكن سرعان ما عصفت الريح لتلعب بدفتيّ النافذة الخشبيتين بالخارج معلنة عن حضورها القوي، فما كان من الشابة المغلوب عن أمرها إلا أن قامت من مكانها تمسك بأطراف ثوبها الحريري المزركش الذي تدلى على الأرضية الخشبية والذي ملئت أطرافه هي الأخرى بزخارف ذهبية بديعة -زخارف ستجدها في نفس الحزام الذهبي الثقيل الذي رُبط حول خصرها النحيف - لتفتح دفة النافذة الزجاجية وتغلق دفتيه الخشبيتين الخارجيتين، فعمّ الهدوء والظلام أركان الغرفة الصغيرة يتخلله من حين ﻵخر صوت حسيس النار على الموقد بزاويتها. بخطى بطيئة متثاقلة قامت الشابة بحمل شمعة من درج مكتبها واقتربت من الموقد الدافئ لتشعلها ثم توجهت نحو فانوسها الزجاجي على الطاولة أمامها لينير لها ظلمة العصر التي حلّت عليها، معلنة عن استمرارها في عملها بدل الرضوخ لسلطان النوم. وسط ذلك السكون المريح، كانت ̎أريناس̎ قد غاصت مجددا في الكلمات التي لم تجد لها أي معنى، والتي أعجزتها نوعا ما وخذلت قدرتها المميزة على قراءة هذه اللغة القديمة العتيقة...لغة القِمم. ثم عادت لتحمل قلمها المصنوع من قصب لتغمره في الحبر ثم تشمر عن ساعديها لتشرع في رسم تلك الرموز الغريبة التي لم يكن أحد في البلد كلها قادرا على قراءتها غيرها، ثم فكرت في عمق إذا كانت الكلمات المبهمة بالنسبة لها في المخطوط القديم -والتي كان منبعها آثار وأضرحة قديمة كغيرها من المخطوطات - تشبه ٳلى حد بعيد تلك التي خطتها على مسودتها. ووسط تركيزها العميق ذاك، إذ بأحدهم يطرق باب الغرفة وينادي عليها، محطما سكون المكان وهدوءه بعنف قوي. لقد أخبرت الجميع بأنها بحاجة للتركيز عدة أيام على عملها ولا تحتاج لقدوم أي شخص، لكن من الصوت الرجولي النشيط علمت بأن هذا الشخص بالذات سيدهس على رغباتها وقوانينها بسهولة دون أن يَردع ويَخضع لها أو حتى دون أن يهتم بما طلبته منه. - عليك الرحيل لا أزال أعمل. - إن لم تفتح الباب سأحطمه. زفرت ̎ أريناس̎ بغضب ويأس وهي تعلم بأنّ هذ الشاب سيقوم بتحطيم الباب بسهولة ودون أن يَطلب أي إذن، وبالمقابل لن يحصل على أي عقاب. قامت من مكانها مجددا متكاسلة تجر ذيل ثوبها الحريري بخطى بطيئة حتى وصلت ٳلى الباب ففتحته لتطل بملل على الطارق. - هل أمي تسأل عني ؟ همهم الشاب عظيم البنية الذي يقف بالخارج ثم قال׃ وهو يمسك بدفة الباب ويدفع بأريناس نحو الداخل: - ليست أمك من تسأل عنك فقط بل العالم كله، الأرض، السماء، النهر العظيم، الغابة العظيمة. تجاوزها مسرعا نحو المكتب ليحمل إحدى المخطوطات الأسطورية ويحملق فيها وكأنه الشيء الوحيد الذي كان يسعى إليه منذ البداية لزيارته المفاجئة، كان يعبث بلحية ذقنه المشذبة الحمراء ومن الواضح بأنه لم يفقه شيئا مما كتب، لكنه شعر ببعض من الفخر والعزة وهو يرى ابنة أخيه قد اختيرت لتكون قارئا بعد مئة عام من اختيار آخر قارئ في الميساب كلها. - دع الوثيقة يا ̎ إيفر̎، لا يسمح لأحد بلمسها غير المنقبين والباحثين. - دعيني أعيش لحظات العزة هذه براحة البال يا ابنة أخي. تركته لحاله عائدة إلى مقعدها الخشبي وهي تعلم بأن هذا الشاب الذي يصغرها بثلاث سنوات سيقوم بما يريد متى ٲراد دون استشارتها ٲو حتى طلب اﻹذن منها، فهو مدلل العائلة وكبيرها وهو أكثر فرد فيها يمثل عنفوانها، تهورها وطيشها المجنون. حدقت في ملابسه الصوفية التي تلطخت بالدماء ثم قالت له: - هل كنت في غزوة صيد؟ أجابها بحماس وهو يعيد الوثيقة للطاولة وكأنه كان ينتظر هذا السؤال: - ليست غزوة ... لقد ذهبت بمفردي هذه المّرة... لن تصدق ما حصل؟ حاول أن يرتب بضع خصيلات من شعره الأحمر المتطايرة من ذيل الحصان القصير الذي ربط خلفه منتظرا السؤال الموالي بشغف. - حسنا ما الذي حصل؟ اعتلت وجهه ابتسامة سعادة حاول أن يخفيها بملامحه الجادة التي لم تكن تلائمه في نظر̎ أريناس̎، ممّا جعلها تبتسم بلطف وهي تستمع لحكايته البطولية حول أطراف غابات الجبل العظيم حيث واجه بعضا من الخنازير البرّية الهائجة وكافح لقتلها، كل هذا وهو يسعى خلف غزال كبير كانت الذئاب نفسها تسعى له. والكثير من الأحداث الأخرى، ومن حين ﻵخر يشير بيديه إلى حزام الصوف حول خصره الذي غطت الدماء معظمه أو إلى بدلته الجلدية التي تعرضت لخدوش، ثم يمدّ يده ليخرج خنجره من غمده، ليريها الطريقة البطولية التي دافع فيها عن نفسه، وطبعا هو لم يقصّر فقد كان طوال ثرثرته المفرطة يمدح نفسه بطريقة غير مباشرة . - يسعدني أنّك عدت سالما. - عليكِ أن تأتي معي لمنزل خالتي فقد أعدوا وليمة من لحم الغزال هناك . حدقت ̎ أريناس̎ في ̎ إيفر̎ باندهاش: - اعتقدت بأنّك ستكرم والدتك به أولا. تلعثم قليلا في كلامه وهو يحك شعر رأسه الأحمر جاعلا بضعا من شعراته تفلت مجددا من رباطها. - لقد وعدت خالتي قبل أمي بهذا، ووعد الحر دين عليه كما تعلمين. ليدب قلق مشوب بالخجل داخله وهو يدرك بأنه لم يفكر في والدته أولا قبل خالته، ما يعني في قرارات نفسه بأنه ابن عاق، وقد كان التفكير في هذا لوحده يطعن كرامته وشهامته، لكن سرعان ما وجد لنفسه عذرا بأنّ صرامة والدته وقوانينها التي كادت تُحَرِم رحلات صيده العزيزة على قلبه والتي يعتبر قطعها كقطع شرايين حياته لربما واحدة من أسباب نسيانها، ولربما لطف ولين خالته جعلها تحتل مكانة الأم الحقيقية لديه فهو قد أغدق بالمدح بالأشعار كلما عاد لبيتها من رحلة صيد من رحلاته المضنية وشعر في حضرتها بأنه رجل لا طفل صغير مثلما تراه أمه في عينيها رغم بلوغه سن التاسعة عشر. شرع يغير الموضوع قائلا: على أية حال ارتدي عباءتك وقومي نذهب قبل أن يخفت ضوء النهار ويحلّ الليل علينا. - لكني ما أزال مشغولة كما ترى . ذاق ذرعا بحججها الواهية كما يراها هو، فسحبها من معصمها بقبضته القوية وهو يقول ساخرا: - أنظري لوجهك...الموت يدنو منك يوما بعد يوم وأنت تستمرين في أفعالك المجنونة هذه. - أولا دع يدي فهذا مؤلم. ترك معصمها وجمع كلتا يديه إلى صدره ثم قال باستغراب: - لم أشد يدي حتى لتشعري بالألم، أنظري لنفسك الآن، لربما علينا أن نربط كيس قمح فيك لكيلا تطير بك الرياح إذا خرجنا. تنهدت ̎ أريناس ̎ مستسلمة وتوجهت نحو عباءتها السوداء المطرزة المعلقة على الجدار، ثم تلمست تطريزها الذهبي البديع كما تفعل دائما قبل أن ترتديها، في حين حدق بها عمّها بنوع من السعادة والفخر، فلقد أخرجها من جحرها أخيرا ولا بد من أنه سيحصل على مديح لا مثيل له من خالته. أسدلت ̎ أريناس ̎ قلنسوتها الكبيرة على رأسها وأعلنت عن خروجها للخدم عند الباب الخارجي لمنزل عائلة والدها عظيم الشٲن، ثم امتطت حصان ̎ إيفر̎ متوجهة لوليمة المساء وهي تفكر بأنه لا بأس بقليل من الراحة بين الحين واﻵخر، وتمنت لو أنّ ̎ أمالو̎ كان معها ليتذوق لحم الغزال ولو لمرة في حياته. *** على أعتاب المنزل العتيق أسفل هضبة آحايان، كانت الجدة العجوز قد شرعت في نثر الملح بالحديقة الخارجية وأحفادها الصغار يراقبونها بمرح من نافذة المنزل، وبين الفينة واﻷخرى ينادون جدتهم طالبين منها أن يخرجوا معها وينثروا الملح كذلك، لكنها كانت ترفض كل مرّة طلبهم بشدة قاطعة فقد كادت الشمس تغرب ولا يجب عليهم هم الصغار أن يضعوا أقدامهم خارج البيت أبدا، فيقل حماسهم قليلا لكن يعاودون الطلب بتودد ولطف متخيلين بأن القوانين قد تُكسر على أنغام إلحاحهم البريء الطفولي. أثناء انهماكها في اجراءاتها المعتاد ووسط محاربتها للرياح العاصفة، رفعت الجدة نفسها لتريح ظهرها المقوس قليلا وهي تمسك بالمنديل الذي كانت تشده حول خصرها مثلها مثل أي امرأة بالميساب، هنالك حيث وضعت القليل من مخزونهم من الملح لتكمل نثره على باب الحديقة الخشبي الخارجي، وما إن اقتربت منها، إذ بها تلمح من على أعلى الهضبة خيالا لرجل وهو يجر خيله حاملا على ظهره فتاة بعباءتها السوداء المطرزة والتي كانت تتراقص في كل الأرجاء بفعل الرياح العنيفة. - ̎ أريناس ̎ قادمة. صرخ الأطفال مشيرين بأيديهم نحو الخيال البعيد الذي كان يقترب شيئا فشيئا، ودبّ النّشاط فيهم ليبلغ أوجه فقفزوا للداخل يركضون نحو الباب، لكن الجدّة نهرتهم بقوة جعلتهم يقفون على عتبة الباب وأجسادهم تتراقص من فرط الحماس. - ها نحن ذا. أعلن ̎ إيفر̎ عن وصولهم وهو يلحن جملته بسعادة غامرة، ووقف قرب الباب ملقيا التحية على الجدّة -التي هي خالته - بحيوية: - مرحبا خالتي أنظري ضيف الليلة وصل. رفعت ̎ أريناس ̎ قلنسوتها لتلتقي أعينها بأعين جدّتها المليئة بالغبطة والسعادة، لقد شعرت الشابة بأنها أمطار الخريف المنتظرة التي ينتظرها الناس منذ مدّة طويلة، فخالجها بعض من تأنيب الضمير لاختفائها لعدة أيام دون أن تقول شيء أو دون أن ترسل رسالة حتى. - مرحبا جدتي. نزلت ̎ أريناس ̎ بصعوبة من فوق الحصان والرياح تتلاعب بثوبها وعباءتها، ليلتقفها حضن جدتها القوي وقبلاتها الحارة . - أنظري إلى نفسك، أصبح جسدك ضعيفا وهزيلا، لو تركتك الآن فستتطايرين مع الرياح . أنبتها الجدة مازحة وهي لا تزال تعانقها بقوة، فما كان من ̎ أريناس ̎ غير الضحك بسعادة ثم التراجع للوراء وهي لا تزال ممسكة بيدي جدتها وهي تكافح قدر المستطاع سحر حضنها الدافئ، ثم سارعت كلتاهما لداخل المنزل ؛ حيث استقبلها إخوتها الصغار ثلاثتهم باللهفة نفسها ‗رغم ٲنهم كانوا إخوتها من أمها فقط غير ٲن استقبالهم لها كان حارا صاخبا ينمي عن حبهم لها ‗ ما جعل الأم التي انهمكت في إعداد الغزال المحشي تصرخ فيهم للضجة التي أحدثوها، ثم همّت هي الأخرى تضم ابنتها الكبيرة وتحضنها بقوة، لتمسك خديها المحمرين كعادتهما بيديها الخشنتين، وتحدق في عينيها السوداوتين بفخر كبير. كانت بضع ثوان لكنها بدت كساعات بالنسبة ̎ لأريناس ̎، شعرت وكأنّ أمها تقول في دواخلها بأنّ هذه هي ابنتي التي أفخر بها.أنجبتها وجلبتها لهذا العالم بعد عناء طويل، لقد كافحت وسط صعوبة الحياة التي رَسمت على يديّ الجروح والتشققات وبدلت جلدي الرقيق الناعم ذات يوم لجلد غليظ خشن، أنبتت الشيب في رأسي في عزّ شبابي ورسمت التجاعيد على وجهي وأنا لم أبلغ الكهولة بعد، سلبت منّي زوجي الأول ثم الثاني وتركت لي أيتاما أربيهم وأكافح لأجل لقمة عيشهم، واليوم لست نادمة على كل قطرة عرق نزلت مني، ولا على لهاثي المتقطع بالحقول ولا على نومي الذي كان يسلب منّي لليالي طويلة، لست نادمة فقد غدت ابنتي فخري واعتزازي وفخر آحايان كلها. طبعت قبلة تحمل كل معاني السعادة والفخر على جبين ابنتها التي انقلب وجهها ناصع البياض لجمرة من شدة الخجل. - أنا التي يجب أن تقبل رأسك يا أمي . قالت باعتراض خجول لكن الأم ردت عليها بمودة وحنان: - لا يا بنيتي أنا التي ستُقبل جبينك. وهي تضمها بقوة شديدة إليها، ٲحسّت ̎ أريناس ̎ لمّرة أخرى بتأنيب الضمير لغيابها طوال هذه المدّة. طريقة ترحيب أمّها بها ذكرها باليوم الذي عادت فيه لقريتها بعد أن توجت كقارئة في العاصمة الميساب. لقد كان ترحيبا أغدق بكافة أنواع المشاعر الجياشة، الحنين الفخر العزة والأمل، لم ترى أمها قد تشربت نظارة ورونقا طوال حياتها كذلك اليوم، لقد وقفت على كرسي أمام كل نسوة العشيرة لتغطي ابنتها الممتطية للحصان عباءة صنعت خصيصا لها، وهيبة الأجواء تزيدها فخرا وهي قد تعبت لمدّة سنة كاملة في تطريزها بخيوط ذهبية وزخارف بديعة كانت تنم عن إبداعها وحبها العميق لبنيَّتها الشابة. - الرائحة الزكية تجعلني أنسى تعب اليوم المضني. دخل الشاب المنزل دخول المنتصر بعد أن ربط حصانه في إصطبل العائلة، وهو متشوق لمديح شهامته وجرأته وشكره على صيد هذا اليوم الثمين حسبه، لكنّه انتبه بأن الجميع كانوا قد أحاطوا ̎أريناس ̎ وسيل من الأسئلة ينهمر عليها، ممّا جعله يشعر بقليل من الندم على اصطحاب ابنة أخيه معه في هذا اليوم البطولي المهم بالنسبة له. - يا أطفال دعونا نعد الطاولة . كسر ̎ إيفر̎ الصخب بصوته الخشن، فهم الجميع لإعداد طاولة الوليمة المستديرة، مستمرين في تبادل أطراف الحديث الذي لم تكن له أي نهاية، فحتى وقد افترشوا الأرض وجلسوا على الحصيرة كما هي عادة هذه العشيرة لتناول عشاءهم، فهاهم مستمرون في الحديث والضحكات تعلوا المكان وتتردد عبر جدرانه الحجرية العتيقة. في تلك الليلة كان الجميع على موعد مع قصص الجدّة المبهرة ، لقد قررت بأنه آن الأوان لتحكي للأطفال الصغار الأسطورة الشائعة في بلدهم الميساب -والتي تحكيها الجدات قبل المعلمين للأطفال ليدركوا مكانة كل واحد منهم في هذه الأمة- وقد بلغ أصغرهم الأربع سنوات، فما كان منها إلا أن نثرت الملح كعادة يسبق أي حكي في حديقة منزلها وعلى أعتاب بابه، وبإمكانها أن تستمر لثلاث ليالي تحك فيها عن أهوال قد وقعت وأهوال قد تقع في المستقبل، وباليوم الرابع ستذبح ديكا من خم دجاجها معلنة عن نهاية أمسيات الحكايات. اجتمع الصغار الثلاثة على حصيرة بقرب الموقد محيطين بجدتهم لتشاركهم ̎ أريناس ̎ التي أحبت الجو الحميمي للجلسة، والتي ذكرتها بطفولتها لمَّا كانت هي وأونامير ̎ يجلسان على الحصير لتقص عليهما الجدّة الأسطورة ذاتها والتي لم تتغير منذ مئات ولربما لآلاف السنين. - قبل أن نبدء يا أطفالي الصغار عليكم بأن تدركوا بأن ما أقوله قد يبدو أشبه بخرافة، لكنه قد حصل ذات يوم، وهذا ما يخبرنا ويحذرنا به آباؤنا وأجدادنا دائما. مدّت راحة يديها المجعدتين الصغيرتين نحو أحفادها وقد ملئت بحبات قمح صغيرة. - ليضع كل واحد منكم حبة تحت لسانه وإياكم أن تبتلعوها !. مدّت أريناس يديها هي الأخرى لتمسك بإحداها كما جرت العادة قبل أن يبدأ الراوي بقص حكايته، وتذكرت مدى التوتر الكبير الذي كانت تشعر به في صغرها عند وضع تلك القمحة أسفل لسانها والمحاولة باستماتة لعدم تحريكها ٲو بلعها .تلك ذكريات كانت تتجسد في إخوتها الجالسين بقربها، مما جعلها تبتسم وهي ترى نفسها فيهم، وأنها بكل تأكيد كانت كغيرها من الأطفال تخاف هذه الأجواء المهيبة التي تصنعها الجدات. - حكت لي جدّتي يوما عن جدّتها عن الأسلاف الذين سبقونا، بأنه قد كان هنالك قبل آلاف السنين ملك جبار متبجح يحكم الميساب أرضنا، كان هذا الملك خسيس دنيء، يجد متعة في معاناة شعبه، وقد كان ذا جبروت لا مثيل له في الأرض كلها، فكان الجميع يهابه ويركع له، حتى خضع له كافة من على وجه الأرض، فما عاد له خصم وما عاد له غريم، واكتفى بقتل الأبرياء والضعفاء ٳشباعا لغرائزه الوحشية، فمُلئت أيامه مللا وهو يبحث عن ندًّ يجابهه ويقف في وجهه كما عهد. إلى أن جاء ذلك اليوم، حيث كان قد خرج في حملة صيد مع حاشيته، وبينما هو نائم في عز الليل داخل خيمته إذ به يسمع خارجها جلبة في الأرض، فخرج فزِعًا والأرض تهتز تحت أقدامه، ليراها تتصدع بقربه، فتُطل عبر فتحة من ذلك الشق، عيون كانت تحمل خبث ظلمات الأرض كلها، لكنها بدت ناعسة مرهقة. فدنى منها والرعب يملأ قلبه وسألها من تكون، فأجابته بأنها التيدجال المخلوقات التي تعيش ٲعماق اﻷرض وقد جاءت تحديدا من الأرض السابعة وقد عكفت الليل بٲكمله تحفر الطبقات السبع من الٲرض لتصل للسطح، لكن سرعان ما يغشاها النعاس لتعود أدراجها نحو ظلمات الباطن، حيث كل شيء أسود حالك كالفحم. فحتى الماعز خاصتهم ذو لون ٲسود، لبنه ٲسود وحتى زبده ، البيوت بكل ما فيها سقفها ... جدرانها... نوافذها وٲبوابها كله مصبوغ باﻷسود الذي يضيق الصدر من عتمته، .وحين إشراق شمس الصباح تغطي الأرض جراحها لتلتئم وتطبق عليهم مجددا في السواد، ليعودوا في اليوم الموالي للعمل نفسه من جديد وهم على دأبهم هذا منذ خلقهم الله إلى يومنا هذا. شعر الملك بسعادة غامرة إذ علم بأن هنالك خصما شديدا يقبع أسفله، فهمس لعيون الشر تلك بأن له منقوع سيجعل نعاسهم يغيب وبأنهم ٳذ ما شربوه فسيخرجون لسطح الأرض لا محال، لكن المخلوق الشرير ذاك حذَّرالملك من أنه لو وصلت أقدامه الأرض فسيأكل الأخضر واليابس ولن يُبق على بشر ٲو شجر ٲو دابة، فلم يأبه الملك لكلامه ووعده باللقاء في الزمن نفسه الذي ظهر فيه ٲول مرة بعد شهر أو شهرين، وسيعدّ أطباؤه حينها المنقوع الذي سيجعله يتخلص من نعاسه ويغادر غياهب الأرض للأبد. وكان الملك عند وعده، فبعد شهرين عاد للمكان ذاته، وإذ بالأرض تهتز من جديد وتنشق لتطل عليه أعين الشر تسأله عن المنقوع، فسكبه بغبطة في الفتحة ليشربه ذلك المخلوق الشرير وشعورالنشوة يغمره وأحلامه في سفك الدماء تكبر مع كل صوت يصدره المنقوع في مساره داخل فم الوحش المنتظر، لتنشق الأرض حتى حد الجبل خلفه وتمتد أيادٍ منها، ثم رأس ذميم الخلقة، ثم قدم، ثم يد أخرى ، ويقف أمامه ذلك المخلوق البشع محدب الظهر وقد علت ملامح وجهه سعادة غيرت قليلا من بشاعته وهو يستنشق عبير الأرض لأول مرة في حياته، وما إن أشرقت شمس ذلك الصباح حتى كان التيدجال قد أكل الملك وحاشيته وأكل سكان العاصمة وٲفرغها عن بؤرة ٲبيها . ابتلع الأطفال الصغار ريقهم في محاولة منهم لعدم ابتلاع حبة القمح أسفل ٲلسنتهم، في حين كانت ملامح ̎ أريناس ̎ تعلن عن غوصها في تفكير معمق حول ما تقصه الجدّة. سارع الناس يقصدون الجبل العظيم وطرقوا أبواب قمته هاربين من التيدجال الذي كان يزحف نحوهم، فما كان من حراس القمة إلا أن قاموا بفتحها لكن ليس كل من هب ودب سيدخل ليعيش هناك، فهم قد أرسلوا كل من عُرف بشره بين البشر نحو الأرض مجددا، وهكذا صعد أجدادنا الطاهرون للعيش على قمة الجبل العظيم، أعلى قمة في الأرض كلها، بالقرب من السماء برحمة من الله وبرضى من حراس تلك القمة، فدنوا من الشمس لتصبغ عيونهم وشعورهم بلونها، وتنير وجوههم ببياض ناصع، أما أشرار القوم فقد هربوا عبر المغارات والكهوف يشقون طرقاتهم تحت الأرض لكي لا يلتهمهم التيدجال، فما كان منهم إلا أن عاشوا في ظلام دامس فاسد، فصبغت شعورهم، وعيونهم ووجوههم بالسواد بل وصاروا من ٲخبث خلق الله طبعا وٲبشعهم خلقة حتى أنّ التيدجال لم يستسغ أكلهم . - جدّتي، ماذا عن ̎ أريناس ̎ ؟ تكلم شقيقها الذي لم يتم سنواته الثمانية بعد، وبصعوبة بالغة محاولا حماية حبة القمح خاصته وحدّق لأخته الكبرى وعلامة الحيرة والحزن تعلو وجهه، ليلتفت الصبي ذو الأربع سنوات وأخته ذات الست سنوات هما ٲيضا نحو ̎ أريناس ̎ أختهم من اﻷمّ، ثم ٳلى جدتهما مجددا متلهفين لمعرفة إجابتها التي بدت كأنها تحدد مصير أختهم الكبرى للأبد، فأختهم على عكس خِلقَتهم، كانت ذات شعر أسود فاحم وعيون سوداء، أما هم فكانت عيونهم بلون العسل وشعرهم كسنابل الذرة حين الحصاد اختلفت درجته من واحد لآخر، كذلك كانت جدتهم وكذلك كانت أمهم وكل من بالقرية عدا ثلة ضئيلة من الخدم. - الذين صفوا نواياهم وأزالوا الخبث من قلوبهم خرجوا من أسفل الأرض ذات يوم، فحظوا ببشرة ناصعة البياض تعكس دواخلهم وقلوبهم . ابتسم الإخوة محدقين نحو أختهم التي بدت في أعينهم بأنه قد تم الإعفاء عن إعدامها لتوها، والتي بادلتهم ابتسامة مرتبكة فهي طوال حياتها لم ترغب في أن يتم طرح جدليتها أمام الآخرين مهما كانت الظروف. لكن القصة لم تنته بعد يا أحفادي ... فقد كان للملك أبناء أرسل جميعهم لباطن الأرض ، عدا ابن واحد لم يعلم الجميع عن خصاله ونواياه أي شيء، فما كان من حراس القمم إلا أن سمحوا له بالعيش في قمة الجبل العظيم مع أجدادنا. من بين شروط الحراس للناس في ذلك الوقت، عدم زحزحة حجر كان يطل على الأرض مهما كان الثمن، لكن نفس الأمير وسوست له بزحزحته ومخالفة أوامر حراس القمم، فقد كانوا بالنسبة له مجرد كائنات مثله مثل أي كائن آخر في هذا الكون وليس لهم الحق في أن يأمروه وهو ابن الملك الذي حكم الأرض كلها، وما إن أزاح الحجر حتى أطلت عليه عين الشر، عين التيدجال مجددا وقد سئمت من الأرض وما فيها. لقد تمكن التيدجال من صعود الجبل العظيم والانتظار هناك حتى يزحزح أحدهم الحجر العملاق الذي يفصل القمة عن الجبل ويغلقها ، لكن حراس القمم ما كان منهم غير قتله والتنكيل به. وبعد أن عاش البشر في قمة الجبل العظيم ما شاء الله، طردوا منها وحرموا من العلم الذي أوتوه فيها بسبب ما فعله الأميرالخائن على حين غرة منهم، فحلت مصيبة عليه وعلى نسله، وكان على البشر أن يؤدوا تقاليد تنقية له ولأبنائه وأحفاده حتى لا يرسِل حراس القمم أعوانهم، فيفسدوا زرعنا ويحرقوا بيوتنا ويقتلوا أطفالنا لاحتفاظنا بنسله الذي خالف العقد الذي بيننا وأنكر جميل حمايتنا من شر التيدجال، لكنهم كعرفان لأصحاب القلوب الصافية الطاهرة الذين عاشوا معهم في القمة ذات يوم، قرروا أن يختاروا واحد منا يعلمونه في الخفاء لغة قمة الجبل العظيم فيسمع في مرحلة ما من حياته صوتا نسميه بصوت الأم، وذلك الشخص هو القارئ الذي يولد في فترة لا لأحد علم بها وسيرشدنا للعلم الذي حُرمنا منه ذات يوم، ولكنوز عظيمة جلبها أجدادنا معهم من القمة، كنوز لم توجد يوما في الأرض، وأغلى من أغلى شيء قد وجد على هذه المعمورة. التفت الأطفال لأختهم هذه المرة بسعادة غامرة وهم يدركون بأنها تحمل شيئا ليس لأحد القدرة على حمله غيرها، في حين أن الشابة كانت تحدق للأرض بشرود واندهاش حتى أنها نست وجودها في حلقة القصّ تلك أمام جدتها وابتلعت دون أن تدرك لأول مرة في حياتها حبة القمح، وهي منبهرة لأنها للتو تمكنت من فهم ما جاء في المخطوطة التي عكفت عليها لأيام.