بعد قضاء يوم سيء في العمل نحلم أحياناً أن نترك العمل ولا نعود إليه مجدداً…. أنا شهم عمري خمسة وعشرون عاماً أعمل بائع أقمشة في سوق المدينة, لقد مررت بيوم سيئ في عملي وعندما انتهيت أحببت أن أتمشى قليلاً في حارات المدينة الضيقة لأني سمعت أن هذا صحي لمن هو في مثل حالتي.. وأنا أمشي وجدت مكان مرتفع يطل على مقبرة المدينة قلت في نفسي لما لا أجلس وأتفكر قليلاً, من الممكن أن النظر إلى القبور والتفكير بساكنيها يجعلني أحمد الله أني حي.. بالتأكيد يوجد في القبور أناس يتمنون العودة إلى الحياة … وبينما أنا جالس سمعت صوت أقدام تأتي من خلفي وهي تقترب و قال الشخص المتقدم نحوي عمت مساءً هل يمكنني الجلوس بقربك؟؟ رحبت به وقلت بالتأكيد تفضل و إجلس بقربي, هو شاب يبلغ من العمر عشرون عاماً و بدأ ينظر إلى القبور و يدمدم بكلمات لا أستطيع سماعها بشكل جيد. أحياناً يبكي وأحياناً أخرى يضحك وبين الحين والآخر ينظر لي مرة نظرة فيها من المودة ما يكفي لأن أبتسم لها وأهز لها رأسي مع ابتسامة تعبر له عن تعاطفي معه, وأحياناً ينظر إلي نظرة فيها من الخبث والرعب ما يخيفني لدرجة أنني أريد الهروب والركض بدون توقف لكن حتى اللحظة الأمور تحت السيطرة ولم يوجه أي كلمة لي بعد إلقائه التحية عند وصوله وفجأة قال لي ما بالك مهموم و الحزن يملئ وجهك ألا تعلم أننا هنا اليوم وغداً هناك وأشار نحو المقبرة وسكت.. وأنا بصراحة تلعثمت ولم أستطع النطق بأي كلمة بدأت الشمس في المغيب وبدأ الظلام يخيم على المكان ولم أعد أرى من القبور سوى ضوء سراج خافت أعتقد أنها غرفة حارس المقبرة.. وقفت أريد العودة إلى المنزل لكن سرعان ما أوقفني هذا الشاب وقال ألا تريد أن ترتاح من همك ألا تريد أن تتحدث عما حدث لك؟؟ قلت له في صوت فيه القليل من الخوف نعم أريد هل تريد أن تسمع قال لا لست أنا من يريد سماعك سوف آخذك إلى أبي هو من سوف يسمعك و إن كنت بحاجة للمساعدة تأكد أنك لن تخرج وأعادها ثلاث مرات مما أخافني منه أكثر لن تخرج لن تخرج حتى تكون في أفضل حال قلت له جيد أين والدك؟ هل هو في المنزل ؟ هل منزلكم بعيد من هنا ؟ ابتسم تلك الابتسامة الماكرة التي حدثتكم عنها وقال منزل أي منزل والدي يعيش هناك وأشار الى المقبرة, زاد خوفي وقلت بصوت متقطع والدك ميت ؟ هل هذا ما تعنيه ؟ عاد وابتسم الابتسامة الماكرة وقال ميت نعم ميت سوف يتحدث إليك ويقدم لك النصيحة وتابع كلامه قائلاً لا لا أمزح معك والدي حارس المقبرة وتلك هي غرفته التي يخرج منها ضوء السراج وهو رجل حكيم سوف يعجبك كلامه . هنا في هذه اللحظات كان قلبي من شدة الخوف يدق بسرعة و كنت أشعر أنه سوف يخرج من صدري وأنا لا أريد الذهاب معه لكن شيئ ما تملكني في داخلي لا يمكن وصفه و كأن هذا الشيء يسيطر على كافة حواسي ويجبرني على فعل ما لا أريد, قاومت ما بداخلي لكن لم أنجح خاطبت نفسي قائلاً لعلي أحلم وكل هذا جاسوم أو رابوص أو كابوس لعلي الآن أستيقظ حتى لا أتأخر على عملي لعلي أستيقظ لعلي أستيقظ لكن دون جدوى.. أخذ بيدي هذا الشاب وبدأنا ننزل من مكاننا المرتفع إلى المقبرة يقودني و أنا أمشي معه بدون أي مقاومة مني وبدون أي نقاش أمشي معه وهو يقودني مثل ما يريد يقودني وحسب وصلنا إلى الغرفة التي يسكنها والده و دخلنا الغرفة كان فيها شخص كبير في العمر يجلس بالقرب من موقد وظهره لنا ألقى الشاب عليه التحية وقال لي ألق على والدي التحية, ألقيتها أيضاً وكأن شخص يتكلم من فمي ولست أنا رد الرجل علينا التحية بدون أن يلتفت لنا وقال اجلسوا في مكانكما و كان مكان جلوسنا مفروش بجلود الخراف السوداء . قال الرجل: مخاطباً ولده من معك يا داسر ؟ خاطبت نفسي قائلاً أصبح للشاب إسم هذا جيد لعل الأمور بدأت تتضح . داسر : إنه شاب وجدته في المكان الذي اعتدنا الجلوس به أنا و أنت و كان حزيناً جداً قلت في نفسي لعله يجد عندك ما ينفعه و يذهب عنه ما أهمه و ما أغمه . في هذه اللحظة وجه الرجل كلامه لي وقال قص علي ما أنت به إن كنت فعلاً بحاجة لمساعدة سوف تحصل عليها, حتى لو كانت مشكلتك هي النقود سوف تحصل على الكثير منها لكن إن كنت شخص مظلوم و لست ظالم!!!وقال إفتح الصندوق يا داسر وعندما فتح الصندوق ظهرت منه النقود الذهبية التي لا تعد ولا تحصى قلت في نفسي ما هذا هل هذا حارس مقبرة ؟ ما الذي يحدث هنا ؟ في هذه الأثناء عدت إلى طبيعتي وبدأت أستطيع التحكم بنفسي وحواسي وقلت له لقد مررت بيوم سيئ في عملي وهذه ليست المرة الأولى ,حياتي ليست كما أريد كل شيئ يمشي عكس ما أتمنى دخلت في تجارة خسرت كل ما أملك.. عملت مع تاجر و كان تاجر لها وزنه و اسمه في السوق خلال فترة وجيزة أعلن إفلاسه وأنا أعمل الآن في محل لبيع الأقمشة صاحب العمل من أسوأ الناس يعاملني بسوء ويناديني و يلقبني بــ أبشع الألقاب والأسماء لكن حاجتي للعمل تجبرني على التحمل والسكوت, لي أم مريضة و ثلاث أخوات واحدة عمياء و واحدة مقعدة و واحدة لا تسمع و والدي متوفي ويتحتم علي إعالة عائلتي . أبو داسر : وهل تريد الحل السريع لمشكلتك أم الحل البطيئ ؟ شهم: بالتأكيد أريد الحل السريع إن وجد . أبو داسر : هل ترى ذلك الباب الصغير إذهب و اطرق عليه ثلاث طرقات وعندما يؤذن لك في الدخول أدخل ولا تتكلم حتى يؤذن لك وعندما يؤذن لك بالكلام أطلب ما تتمنى وسوف يتحقق . اتجهت نحو ذلك الباب وفعلت مثل ما أمرني أبو داسر و عندما أذن لي بالدخول دخلت وسمعت صوت مخيف غير الذي سمعته يقول تقدم تقدم مع ضحكة بصوت عال , هل انتهيت من الكذب هل انتهيت أم لديك المزيد؟ ألا تعلم سبب تعاستك إنه الكذب و الغش والخداع . قلت أن لك ثلاث أخوات و أم وجميعهم مرضى؟ و أن والدك متوفي هل هذا صحيح ؟ وهل خسارتك في تجارتك صحيحة؟ و التاجر الغني الذي أفلس وصاحب محل الأقمشة الذي يعاملك بسوء هل هذا كله صحيح ؟ أم أنك لص لا ينفع معك شيئ ؟ وبعد كل هذه الأسئلة ضحك بصوت عال وقال أهلا بك في عالم حيث الظلام على الدوام أهلا بك في المكان الذي يليق بك….. هنا بدأت بالصراخ أنا لست كاذب أنا لست كاذب أنا لست كاذب أنتم أشرار أنتم أشرار و في هذه اللحظة سمعت صوتاً جميلاً جداً وضرب معتاد عليه إنه أجمل ضرب مر علي كم أنا مشتاق له نعم إنه صاحب متجر القماش يوقظني من النوم ويضربني حتى أستيقظ لأنه سمع صراخي عندما كنت أقول أنا لست كاذب وما أجمله من استيقاظ ……لقد تأخرت على العمل …. انتظروا قد فاتني أن أخبركم أنني أنام بنفس مكان عملي لأنني أعمل في مدينة غير التي تسكنها عائلتي وأرسل النقود إلى أمي وأخواتي حتى أساعدهم في أمور الحياة و بعد أن تمشيت في الليل عدت متعباً و نمت على الفور ……. أتمنى أن لا يصيبكم الرابوص ……. محمد السباعي ✏️