3

3

24 3

وإذن كيف غيرني كل هذا؟ بدايةً، ذكرني ما حدث وما علمت أن الدنيا حقاً وصدقاً فانية، وأنه لا خير مرجو منها، وأنه يجب علينا الفصل بين هذا العالم المادي الحقير وبين مملكة السماء حيث نرى ربنا جل وعلا، وحيث يحاسب العباد على أعمالهم وتراهم في نهاية المطاف إما في جنة وإما في نار. وذكرني أيضاً أن قيمة المرء وأهميته وتأثيره ليس من الضروري حتى أن يكونوا في حياته، وأنه علي أن أربط قلبي بالآخرة لا الدنيا كيلا أُخذل وأتحسر، وأن كل تلك القوة وكل هذا العلم وكل هذه السلطة والهيبة التي قد يتمتع بها بشري إنما هي زائفة مؤقتة ينبهر بها أو يخشاها المغفلون، وينسون أنها فانية بمرور الزمن. إن ما يحدث اليوم هناك قد وُصِفَ بكل ما هو ممكن من صياغات، وكتبت عنه تقريباً جميع الأقلام وتحدثت عنه تقريباً جميع الألسنة، ولكنني لن أتحدث عما يحدث هناك إذ أنه معروف وواضح؛ الكل يعرف في أقاصي الشرق والغرب من المجرم ومن الضحية، ولكن السياسيين والحمقى فقط هم من يخالفون الحقائق كما نعلم! ما أحاول أن آتي على ذكره الآن هو أثر ما يحدث هناك علينا، وكيف أنه غيرنا، وكيف أنه لا يعد مجرد حكاية عن شعب يقاوم احتلال بعض المعتدين المتعطشين للدماء، وإنما هو قضية تمس جوارح وحياة كل فرد مسلم منا هنا في وطننا العربي، أو خارجه حتى لو لم يكن مسلماً؛ فهذه واحدة من أكثر القضايا التي لن أبالغ إن قلت أنها تساهم حالياً في إعادة تشكيل وعي العالم! قرأنا كثيراً وسمعنا خطباً في المساجد عن الشهادة، وعن فضلها، وحكاياتٍ عنها كانت عجيبة بالنسبة لنا، وتجعلنا دائماً نسأل أنفسنا سؤالين: "كيف؟" و"هل فات الأوان على أن نرى أموراً كهذه على أرض الواقع في هذا العصر؟" إجابة "كيف؟" هي الإيمان بالطبع، ولكن أي إيمان! أي إيمان يجعل كل أولئك الناس يودعون أحباباً لهم كل يوم ويظلون صامدين ومؤمنين بقضيتهم ومتمسكين بدينهم وأرضهم بهكذا طريقة؟! كيف لهم أن يظلوا أحياء ومقاومين رغم نقص إمداداتهم المعنوية والمادية هناك، كيف لهم حقاً أن...ينيروا وسط كل هذا الظلام الذي يحيون فيه؟! إجابة "كيف؟"...هي الإيمان بالطبع...ولكن أي إيمان! هذه القضية علمت العالم حقاً أن "السياسة مقرونة بالدماء!" وجعلتهم يعيدون النظر في أمور وأفكار ومعتقدات عدة، بل وحتى - حسب علمي - ألهمت أناساً كثر بدخول الإسلام نفسه، وهذا بالطبع أمر طبيعي بالنسبة لشخص يرى حقاً أساطير بمعنى الكلمة لا يراها إلا في الأفلام أو حكايات الزمان الماضي عن أشخاص يتعرضون لهكذا إبادة جماعية ويظلون مقاومين وصامدين و....باسمين! أما عنا تحديداً، فهذه القضية حقاً إسلامية في المقام الأول قبل أن تكون إنسانية أو عالمية؛ فهي - في عصر الفتن هذا - تعتبر الفيصل الرئيسي بين الحق والباطل؛ إذ أنها أزاحت لك الستار كمسلم عن المنافقين والمدعين، وكشفت لك عدة حقائق أعلم أنك تتمنى لو لم تعرفها ولكن كان عليك حقاً أن تعرفها، وقَوَّت بداخلنا كمسلمين أجمعين الإيمان بالله، وأعلمتنا بأن هذا الدين لا زال حياً وشامخاً بأهله، وأن الله ناصر عباده المؤمنين ولو حتى بالصبر فقط. علمتنا قيمة رغيف الخبز الذي نشمئز من تناوله وحده ليلاً إذا لم نجد ما نأكله به، علمتنا قيمة الحياة والإيمان وألهمتنا للنقرب من الله أكثر وأكثر، وكشفت عن المروءة والنخوة والحس البطولي بداخلنا إذ جعلت كل مسلم منا يكثف الدعاء ويتأثر بما يحدث لإخوانه ويحاول نصرتهم ولو بكلمة؛ وبالتالي علمتنا أيضاً قيمة الأفعال البسيطة على جميع الأصعدة؛ ولذا فلا ينبغي أن نحقر من أي فعل مهما كانت قيمته؛ فالدعاء والمقاطعة والتوعية بالقضية على منصات التواصل قد تكون أموراً بسيطة لا يرجى منها أصلاً نصر أو تغيير كبير ولكن خمن ماذا؟ المقاومة نفسها لا يرجى منها دون إرادة الله نصر حقيقي! إنما إخواننا هناك قاد باعوا الدنيا وتخلوا عنها ورضوا بلقاء الله، ونحن هنا تحكمنا الفلسفة المادية اللعينة ونتساءل عن الأثر المادي الملموس لكل فعل بسيط سنقوم به، رغم أن هذا الأثر لا ينبغي له أن يكون الهدف أصلاً وإنما ينبغي أن تكون مرضاة الله هي الهدف، ينبغي أن تفعل ذلك لتثبت لله أنك تأبه وتهتم بدينك وبإخوانك وبما يحدث هناك، وبأنك تعلم أن هذه قضيتك حتى إن لم يكتب الله لك الجهاد بالنفس في سبيلها، فلا تحقر من هذه الأفعال أو تنتظر منها نتيجة ملموسة وإلا فإنك بذلك تخون إخوانك دون أن تشعر بالتثبيط من الهمم وتدنيس عقيدتك نفسها! إياك أن تؤمن بالمادة، لا تكن كما يريدونك ولا تجعلهم ينتزعون إيمانك بالآخرة والغيب منك، ادرس واقرأ في العقيدة الإسلامية واحفظ وتذكر أبجدياتها دائماً، وأدرك أن المعيار هو الله، ثم الله ثم الله، أما الدنيا فليست بمعيار...هي ليست بشيء! والله ليست بشيء! إن ما يحدث اليوم هناك هو كما قلت آنفاً ظاهرة تعيد تشكيل وعي العالم، ظاهرة ذات أبعاد أزعم أنها قد تكون شاملة لفلسفة حياة العالم بشكل كامل، ظاهرة تعلم المرء مسلماً أو لا قيمة كل لحظة أمن وأمان يقضيها في منزله وبالتالي تعلمه كيف يعيش، ظاهرة تخلق من ذوي الحيلة القليلة أبطالاً بقدر ما يقدمونه لنصرة إخوانهم مهما كان بسيطاً، ظاهرة كسرت كل قواعد البطولة في عصر كهذا وعلمتنا حقاً من هم الأبطال الحقيقيون في هذا العالم، ظاهرة ينبغي حسب زعمي أن تدرس في المدارس بكل أنحاء العالم ليستخلص منها الطلاب والمعلمون قيم البطولة وأهمية الحياة وجوهرها بأضعف تفاصيلها! ظاهرة يحق لها أن تكون حديث العالم أجمع، وربما - دون مبالغة - أن توحده في وجه الظلم العالمي! غزة لم تعد الآن معركة المسلمين وحسب بل أصبحت تقريباً قضية ومعركة ونضال العالم بأسره، ناهيك عن السياسيين الملاعين الذين ينصبون أنفسهم آلهة وهم ليسوا سوى آلهة زائفة، كما سيتضح عاجلاً أم آجلاً. وفي الختام، ندعوك ربي أن تنصر إخواننا، وتثبت أقدامهم، وتلهمهم الصبر على مصائبهم، وتكتب لهم فرجاً ونصراً قريبين من عندك يارب العالمين.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

غيرتنا القضية

المؤلف محمد تامر
2024/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة