{أوجيني كامورا}

{أوجيني كامورا}

4 0

<إلى عائلتي التي أكره

اقدم لكم جزيل الشكر على تعاستي >

~~~~~~~~~~~~~♤~~~~~~~~~~~~~~

أكثر الألوان بريقًا هي الأسهل اتساخًا، والبياض أكثرها هشاشة، يكفيه ظلّ عابر كي يتلاشى، لم أعلم بمساوئه حينها، كنت مجرد طفلة مغرمة بالأبيض، ومتشوقة لتزيين حياتي به، متأملة بأن رمزية هذا اللون ستنشر السلام في حصون أسرتي.

فصارت حياتي بعدها بيضاء سهلة التدنيس، لا يمكن إخفاء آثار روحي المشوهة

تمامًا كهذه الأرض البيضاء التي صُبغ بلاطها بلون أحمر دافئ، شاهدًا على أول جريمة اقترفتها يداي.

لم تبارح عيناي الجثث الثلاث، حدقت بترقب، بأمل ثم بعجز بعد انتظار طويل كان نهايته خيبة، خفضت بصري إلى راحة يدي، كانت مُدنّسة بدمائهم.

أنا سرقت أنفاس أرواح بريئة، أصبحوا لعنتي الأبدية، يرغبون بالفتك بي في أحلامي وواقعي.

إنه حلم... إنه حلم.

ظلت أردد هذه الكلمات كالببغاء، أخبر عقلي أن يكف عن ألاعيبه.

أصابتني الدوخة، ورؤيتي صارت تضعف، كما لو أن ضبابًا كثيفًا أحاط بي من كل صوب.

خفّ الإحساس بأطرافي السفلى، بدا وكأنني على شعرة واحدة من الإغماء.

لكن لم يحدث شيء، حتى معدتي التي أصبحت مُتقلبة بعد رؤية هذا المنظر لم تسمح للطعام أن يهدر.

توقفت أنفاسي، وزادت نبضات قلبي عندما وُضعت راحة يد دافئة على كتفي

تجمعت الدموع على جفوني، وارتعشت أوصالي أكثر نسيت بأن في هذا المنزل ظل هناك ثلاث أرواح حية.

أنا، أخي وجدتي.

كنت سهلة الانقياد، هل هذا بسبب الجسد ذو العشر سنوات، أم أن الصدمة التي عانيت منها جعلتني ضعيفة من كل شيء؟

ظلت رؤيتي على بطنها، وبدأت ألهي عقلي بحساب عدد أزرار سترتها السوداء أثناء انتظار مصيري.

كان الأمر أشبه بعدٍّ تنازلي لنهاية حياتي.

"إنه حلم."

صرخت على نفسي، أقول لها إنه مجرد كابوس سينتهي بعد فتح عينيك، وسيعود كل شيء كما كان.

لكن أنا عاجزة.

هذا الذنب الذي أحمله بدأ يلتهمني شيئًا فشيئًا.

أصرخ وأصرخ، ثم أتقبل حقيقة عدم قدرتي على الهروب من خيالهم الذي يُحيط بي.

هتفوا بصوت واحد ساخر

لا فائدة... لا فائدة، نحن بصمة عالقة بكِ لن يتم مسحها أبدًا.

تساءلت إن كان سبب مواصلة ظهور هؤلاء الثلاث في أحلامي لأنها تجربتي الأولى في القتل.

ومن شدة يأسي قتلت آخرين فقط كي تظهر وجوه جديدة تلومني بدلًا عنهم، لكن لم تفلح محاولاتي، مهما فعلت لا فائدة.

من أين بدأ الأمر تحديدًا؟

تدلّت رموشي بيأس، مهما حاولت الهروب من هذا الكابوس لا يمكن الفكاك منه.

٠

رائحة شيء يحترق، هل هي لروحي أم لصاحبة الفستان الذي بدأ عقلي يصنع صورة مشوشة لها، أو ربما هذه الرائحة تخص ضميري الذي يأنبني على تخيّل المرأة في أحلامي.

أردت الاختباء أو إبعاد صورتها، لكن جسدي أبى التحرك رؤيتها مجددًا

وإن كان كحلم، لذكريات أَلَمَتْني بشدة، وجعلت من الذنب الذي أحمله اتجاهها يبدأ بأكلي من الداخل.

و وقوفي هنا جعلني أعرف مكنون تلك الرائحة التي شممتها... مصدرها كان جثة امرأة هزيلة تشرب رثاءً على روحها المحترقة.

بلا حيلة ظللت واقفةً مكاني، عاجزة عن الاقتراب خوفًا من تبخّر المرأة في الهواء، مثلما لم تُبدِ صاحبة الفستان أي ردة فعل.

كانت جالسة هناك على طاولة دائرية مليئة بزجاجات الشراب، تغطي وجهها براحة يدها الشاحبة، بينما الظلام يحيط بها من كل جهة، ربما تعبير عن قدر الاسوداد الذي ملأها.

انزلقت يدا المرأة ووُضعتا على حجرها، ثم شيئًا فشيئًا بدأت ترفع رأسها عن الطاولة، انتظرت بصبر، واشتدت نبضات قلبي خوفًا من القادم، وفي الوقت نفسه كنت متشوقة لرؤية معالم وجهها التي غابت عن ذهني، ربما اليوم وبعد سنوات قد تسمح لي برؤيتها.

بعد أن واجهت عيناي وجه المرأة، انخفضت أكتافي بخيبة لم يظهر من المرأة غير عينيها الخاملتين، وكل شيء آخر من ملامحها غطاه السواد.

لماذا أنا غير قادرة على رؤية ملامح وجهها؟ هل إلى هذه الدرجة تبغضني؟

تساءلت، وتحول استفساري إلى رجاءٍ تردد صداه في أرجاء الغرفة.

"إذا أردتِ قول شيءٍ لي فافعلي، لا داعي لتعذيبي بهذه الطريقة."

قضمت شفتي السفلى بتلبك، وعيناي لم تبارحا المرأة التي لم تهتز أي شعرة منها بعد كلماتي، كما لو أن الظلال ابتلعتها.

لاحظت كيف بدأت شفاه المرأة تنفرج، ليتردد صوتٌ متقطع يخبرني

"لمـ... لماذا أنتِ مسـ...تيقظة إلى... الآن... غـ...ادري؟"

خطيئتي الأولى كانت ولادتي.

تساءلت!

هل مثلما قمت بفتح الباب والدخول على شخص أغلق أبواب غرفته عله يختلي بنفسه عن العالم مع زجاجات الشراب التي تلهيه، في وقت غير مناسب، وُلدتُ أنا كذلك في الوقت الخطأ؟ إن لم أكن حية، هل ستحيا هي وتعيش حياة حلمت بها؟

ومع ترك تساؤلي جانبًا، أجبت

"إنها الثامنة صباحًا."

نهضت مترنحة إلى النافذة، تزيح الستائر بيد غير ثابتة، فتسلل بعض شعاع الشمس إلى الغرفة.

"لقد حَلَّ الصباح... بهذه السرعة."

لفظ لسانها هذه الكلمات بثقل، بدت غير مستعدة لمواجهة العالم.

جاء صوتها الغريب مرة أخرى يسألني

"والدك، هل عاد؟"

شددت القبض على مفاصل يدي خوفًا من تأثير الإجابة التي سأُلقيها على مسامعها.

"ليس بعد."

علق بصري على أكتافها الهزيلة، انتظرت منها الصراخ، الغضب، أو رميي بسيل من الشتائم، تمامًا كما اعتادت عندما يغيب عقلها عنها، لكن ما جاء منها كان أقسى من انفعالاتها.

"يبدو أن انتظاري له طوال الليل لم يكن له أي فائدة."

أدارت جسدها نحوي، غير قادرة على مواجهة السواد الذي يحيط وجهها، أنزلت بصري إلى الأرض، غير أن حاسة سمعي ظلت معلّقة على خطواتها التي على ما يبدو تحدو نحوي.

ظهرت حافة الفستان الأبيض أمامي، لكن لم أمتلك الجرأة على رفع عيناي ومواجهة السواد.

أحسست بملمس أصابع المرأة الباردة على وجنتي، تلاها صوتها يخبرني بنبرة بطيئة مشددة على كل كلمة

"طالما نحن الاثنان في هذا المنزل، لن يخطو والدك خطوة واحدة إلى الداخل هو ضعيف، ضعيف يا أوجيني لمواجهة فداحة جريمته... ارفعي رأسك."

سال العرق على جبهتي بعد أمرها لي، وبصعوبة استجبت، مما مكنني من إلقاء نظرة متأنية عليها.

"إذا وجد الفرصة، لن يتوانى عن رميِنا إلى الخارج، أنتِ على دراية بهذا، أليس كذلك؟"

لم يكن والدي من هذا النوع من الأشخاص، لقد أحبني أبي، على الأقل مشاعره حملت صدقًا أكثر من أمي

عضضت لساني، وبلعت هذه الكلمات في حلقي.

جلست على ركبتيها، واضعة يديها على كتفي، مشددة على كل حرف

"لذا حاولي الحفاظ على مكانتك، وراثة العائلة حقك الشرعي، لا تنسي هذا عديني بأنك ستجعلين كل شخص من هذه العائلة خاضعًا لكِ."

أردت فتح عيناي والعودة إلى الواقع... حاضرٌ لا توجد به تخيلت إن كنت قادرة على رؤيتها جيدًا لكانت نظراتها مليئة بغضب وحسرة يتوجهان إليّ لسببٍ عرفته لكن أنكرته، وواصلت تمثيل دور الابنة المطيعة التي تحاول جاهدة نيل رضى والدتها

فجأة، تم دفع الباب بقوة، ليلج إلى الغرفة رجلٌ غطى هو الأخر ملامحه السواد، أمسك والدتي من كتفها بحدة جاذبًا إياها إلى مستواه.

"كيف تخول لك نفسك إقحام مثل هذه الأفكار لمجرد طفلة؟"

"لماذا، هل تخشى أن تراك ابنتك على حقيقتك؟"

انسلت عبارتها الهازئة من بين شفتيها.

"بل أنا قلق عليها، يكفي أنكِ تجبرينها على حضور مختلف الدروس التي لا تتناسب مع سنها، لا تزيدي الضغط عليها أكثر."

"هل تذكرت أنك تملك ابنة الآن؟ ألم تفكر بها عند خيانتك لي؟"

"لست زوجًا صالحًا، لكني أحاول أن أكون أبًا لها، ماذا عنكِ؟ ماذا فعلتِ؟ لا شيء سوى شرب الكحول."

بدأ شجارهم العقيم متناسين وجودي، تحجرت دموعي داخل مقلتي، أردت الهروب، ودعوت الرب أن يأتي أحدهم ويفتح الباب ويأخذني بعيدًا

"ما هذا؟"

إنها جدتي!

صرخت في داخلي ببهجة، لقد استجاب الرب لدعوتي، حدقت في والداي ثم بي، وبصوت جاف تحدثت

"إن أردتم الشجار، تأكدوا من خلو المكان أولًا، وأيضًا..."

أمسكت يدي التي كنت أشدها على قميصي وسحبتني إليها.

"بعيدًا عن ابنتكم."

من خلف ذراعي أدرت رقبتي إلى والداي الواقفين بصمت، تحدثت جدتي بهدوء نقيض عينيها الخضراوين الخاليتين من أي دفئ

"إن حدث هذا مجددًا، تعالي إلي."

"أخاف أن يغضبوا إن خرجت في وجوههم."

ما قالته جدتي بعدها كان غريبًا، وصار بعدها قناعةً أمشي عليها

"رأسك أعز من رأسهم."

إذا لم يفكروا في تأثير أفعالهم على مشاعرك، فلا داعي أن تبرري تصرفاتك لهم في صراع بين رأسين، رأسك أغلى، هذا ما كانت تشير إليه.

نظرت إلى الأمام، وتساءلت متى سأظل هنا، أتابع مجرى هذه الأحداث وأعيد عيشها من جديد. كيف لعقلي أن يقاوم الألم الذي أنا به الآن مع رؤية أمي وأبي من جديد؟ أي جرأة أملك حتى أعيش كما لو أن شيئًا لم يحدث؟ هذا الحلم كان حقيقيًا جدًا، وذكّرني بأكثر اثنين قمت بتدميرهم نفسيًا وجسديًا. .

٠

٠

"أحسنتِ، لقد تحسّن عزفكِ كثيرًا."

تحدثت المرأة الجالسة إلى جواري بسعادة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، بينما انعكس ضوءٌ خافت على بشرتها الخمرية، وأضفى على عينيها العسليتين بريقًا غريبًا رغم ألفته.

هتفت مرة أخرى بحماسٍ أكبر

"عندما يأتي والدكِ، اعزفي له هذا، سينسيه مشقة العمل."

"وهل هذا ما تفعلينه؟"

لم أُعر ارتباكها الواضح أي اهتمام، وظل بصري مرتكزًا على أصابعي بخمول، ومع استحضاري لتلك الفترات التي كان يأتي فيها أبي إلى هنا، شعرتُ برغبةٍ قوية في الضحك على نفسي.

لم يكن يأتي من أجلي، ولا ليستمع إلى عزفي، بل كان يستغل وجودي للقاء عشيقته.

"أوجيني، أنا..."

اهتز صوتها، غير قادرة على إعطاء تبرير لنفسها، وفي داخلي لم أبحث عن عذرٍ لها. ربما في السابق انتابني غضبٌ شديد منها على خيانتها لي، وكيف، دون دراية مني، صرتُ جسرًا يربط بين والدي ومعلمة الموسيقى.

الشخص الوحيد الذي كنت أبوح له بمشاعري بصدق، وكيف كان ينتابني شعور التهديد والخوف من انهيار عائلتي الهشة، أصبح هو بذاته من حطم كفاحي.

ليليا، ما أحقرك حين تركتِني أقع في حبك، وما أضعفني حينما انغمست فيما قدمته لي.

أردت البوح لها بمشاعري الحالية، مشاعر نفسي البالغة، وليس لتلك الطفلة التي جعلتها ترى الحب كخلاصٍ كاذب وتمسكت به كغريقٍ أراد ملئ الفراغ الذي سكن فؤاده.

أكره هذا الضعف الذي جعلني أُخطئ التقدير، وأكره فيّ ذلك الجوع الذي جعلني أخلط بين الحاجة والحب.

ليليا لم تكن الجرح الوحيد الذي آذى أمي، بل أنا أيضًا جزءٌ من الألم الذي كنتُ ألومها عليه.

٠

"اعلمي يا جيني، ليليا لا دخل لها بعلاقتي مع والدتك، نحن منذ البداية لم ننجح في جعل هذا الزواج سعيدًا."

أخبرني والدي ذات مرة هذا الكلام، مما دفعني إلى التفكر في بعض الأحيان، إن لم تدخل ليليا إلى حياة والدي، هل كانت الأوضاع ستتغير؟ نعم، سيحدث تغيير.

سيكمل أبي العيش مع والدتي بعلاقة فاترة، وسأستمر أنا بعدم تقبل أي إنجاز أحققه، والأكثر من كل ذلك سيستمر هؤلاء الثلاثة بالعيش.

مثلما في بعض الأحيان يراودني تفكير مغاير كليًا، إن لم يكن هناك طمع من طرف أجدادي، الذي أراد أحدهم تحسين سمعة كامورا التي في الحضيض من خلال بصمة عائلة إستي على التاريخ الإيطالي والأوروبي، والآخر رغب في القوة لإظهار نفوذ عائلته بشكل أكبر.

أسرة ساهمت في تطوير الفنون والأدب، نقيض كامورا التي تعمل على تخريب الحضارة. بالتأكيد باختلاف الطبائع لن يتفاهم الأطراف، لأن الجذور هي من تحدد الأمر منذ البداية.

لذا، أليست الجناية تقع على أجدادي؟

٠

وضعت قطعة الحلوى بين شفتي، أتذوق طعم الشوكولاتة الحلوة الممزوجة بالبندق.

أثناء ذلك قمت برفع بصري إلى والدي، وجهه لم يكن واضحًا.

لم أستطع تحديد السبب، ربما لأن وعيي أدرك وجودي داخل حلم، لكنني نفيت هذه الفكرة.

إن كان هذا صحيحًا، فلا يفسر رؤيتي لكل شيءٍ آخر بوضوح؛ ليليا وجدتي، حتى طعم الحلوى، حاسة الذوق عندي عملت بلا أي مشاكل.

"جيني، لا تقلقي، لقد تحدثتُ مع والدتكِ، لن تعودي لحضور الدروس التي تجبركِ عليها. أنتِ طفلة في التاسعة فقط، عليكِ عيش طفولتكِ دون التفكير في المستقبل."

بعد صمتٍ طويل تحدث أبي مع وضعه راحة يده عليّ.

لأول مرة أزحت ذراعه عني غير راغبة في لمسه، علقت الكلمات في جوفي، لستُ قادرة على استجوابه ولا التعامل كما لو أن شيئًا لم يحدث.

وضع ذراعه خلف رقبته يحكها، كانت عادةً يملكها يقوم بها في حال شعوره بالضغط أو أنه محاصر.

شعرت بالرضا قليلًا.

حتى إن لم يكن سببه شعور الذنب الذي يملكه جراء جعلي، على غفلةٍ منه، أرى مشهد تقبيله معلمة الموسيقى الخاصة بي، وبذلك هدم صورته في نظري، أو خوفًا من فضح أمره أمام الجميع.

خرجت ضحكة خافتة من شفاه أبي، شعرت وكأن عينيه، اللتين نسيت لونهما، ظلتا عليّ وكأنهما تستذكران صورة أحدهم، وبخفوت قال

"لم تبلغي بعد، وأصبحت عيناك تُشبهان والدتك أكثر."

' كئيبة، تعيسة، لا جمال فيهما '

أكمل عقلي ما خطر على بال أبي بعد ذكره تشابه عينيّ مع أعين  والدتي.

صمت قليلًا، متنفسًا الصعداء، وبعدها أكمل

"لا تفكري كثيرًا في علاقتي مع ليليا أو بوالدتك، مهما حدث ستظلين ابنتي الوحيدة."

لم تعد لوالدتي طاقة للعيش، وأصبحت ترى حياتها مُظلمة، لا زواج سعيد ولا عائلة ترحب بها إن رغبت في الطلاق، وما جعلها تصمد إلى الآن هو هدف واحد كان يعتمد عليّ كليًا، وهو جعلي أترأس العائلة وأصبح وريثة جدتي.

بسبب ولادتي المتعسرة لم تعد قادرة على الحمل مجددًا ولا الحصول على ابن، ربما لهذا السبب تحملت إلى الآن كل الدروس التي أُرغمت عليها بطاعة، بداية من السياسة والاقتصاد حتى الفنون القتالية.

بما أنني المسؤولة عن هذه الخسائر، عليّ تحمل ذلك دون شكوى.

أصبحت أحمل عبء والدتي في كفة، وعبء أبي الذي لا يراني وريثة مناسبة في كفة أخرى، لكن لم يعد هناك فائدة في محاولة إثبات نفسي له، فبعد عام جاء فرد جديد إلى العائلة يهدد مكانتي.

كان طفلًا آخر من امرأة أخرى أحبها أبي وسرقت مكانة أمي.

٠

عاد المشهد الأول يكشف أمامي مجددًا.

جثة أبي، أمي، ليليا... نحيب أخي الرضيع وتوجيه جدتي جسدي إليها، تذكرت كيف أصبحت يدي تحمل دماءهم

إذا رفضت دعوة أبي في ذلك اليوم، لم أكن سألتقي بليليا.

هدف ذلك اللقاء كان تحسين علاقتي مع معلمتي.

لولا أنانيتي واحتياجي إلى العاطفة، لما تركت المشاعر السخيفة تقودني إلى تقبّل عشيقة والدي.

إذا كرهت ليليا وأخي الذي يهدد مكانتي، ولم أسامح أبي، لم أكن لأتعرض إلى خيبة أمل والدتي.

أنا السبب.

ثاني خطيئة اقترفتها تجاه أمي هو حبي لعشيقة والدي وتعلقي بأخي الأصغر لقد حاولت كرههم لكن لم أستطع.

بالنسبة لي ما زالت ليليا هي معلمة الموسيقى والمرشد الخاص بي، ولتخفيف ضميري لجأت إلى ترك عزف البيانو، كما لو أنه بديل أتخطى به حقيقة انضمامي إلى الحزب الذي سيوقع نهاية أسرتي.

ليليا وبوغدان، هذان الاثنان اللذان دخلا حياتي وأنا في عامي العاشر تقبلت حبي لأخي الأصغر، أما والدته فبقائي معها بين حين وآخر عندما يأخذني إليها أبي خلف أمي، وهذا سر شاركناه فقط نحن الاثنين.

أعاد إلي بعض من مشاعري السابقة تجاهها، لم تكن صافية كأول مرة، لكن ليس و كأنني كرهتها جدًا.

لم يخن أبي وحده والدتي، فأنا فعلت ذلك أيضًا أحيانًا عندما أدير رأسي إليها أجدها تنظر إليّ بنظرة غريبة تذكرني بفداحة فعلتي ومشاركتي الجريمة مع والدي.

سألت أبي بعد تردد وخوف إذا كان سيطلق أمي بعد إخبارها عن مشاعره، فأجابني بعد مسح رأسي بلطف

"جيني، الخيانة شيء كبير جدًا، خاصة في الحب عندما تحبين ستتغيرين، وحتى إن حاولتِ إخفاءه سيلاحظ الجميع هذا، خاصة من يشاركك المكان."

لم أفهم في صغري معنى كلامه، لكن الآن عرفت مقصده والإجابة غير المباشرة التي ألقاها.

أبي لم يحب أمي التي عشقته بشدة، ورؤية برودة الرجل الذي أحبته جعلتها تذبل، ومعرفة كيف لامرأة أخرى أن تحصل على ما أرادته أشعرها بالغضب من الجميع، وخاصة نفسها.

أبي الخائن، ليليا التي أحبت رجلًا متزوجًا، جدتي قاتلة والدتي، وأخيرًا أنا... كلنا اشتركنا في جريمة كان ضحيتها سعادة والدتي التي أخذت حقها بيدها.

ففي رأس السنة جئت مع أبي إلى المنزل الذي تقطن فيه ليليا مع ابنها.

منزل عصري ذو طابقين، مرفوق بحديقة واسعة.

كان منزلًا جميلًا يتواجد في حي هادئ، حتى إن لم يتحدث أحد، هذا لا يجعلني جاهلة أن راتب ليليا لا يغطي ربع نفقة الإيجار، فما بالك بشرائه.

"هل تستغل أبي؟"

نفيت هذه الفكرة بعد تذكري شخصية أبي المحبة لإنفاق المال لإسعاد أحبائه، وشخصية ليليا البلهاء قليلًا.

تجاهلت عصافير الحب الذين بدؤوا بنشر عاطفتهم أمام باب المنزل الخارجي، متجاهلين طفلة العشر سنوات.

دخلت إلى الداخل أبحث عن بوغدان، فوجدته جالسًا على مقعده المخصص ويمسك بيده الممتلئة دمية صغيرة.

قاومت رغبة حمله وضمه إليّ، واكتفيت بقرص خده الطري.

ألقيت نظرة خاطفة إلى الوراء حيث أبي وليليا.

كانت خجلة وتحاول الفرار من ذراعيه، لكنه منعها وضمها أكثر إليه، ثم جذبها من مؤخرة رأسها مقبّلًا ثغرها.

"ألا بأس برؤيتي هذا؟"

كانا متلاصقين بطريقة غريبة.

"ألا يشعرون بالاختناق؟"

نظرت إلى بوغدان، كان لعابه يسيل نتيجة ضحكاته السعيدة وهو يرى والديه يقبلان بعضهما.

تحدثت معه بخفوت شديد كي لا يسمعني أحد غيره

"أنا سعيدة من أجلك، على الأقل أحدنا محظوظ كفاية."

أردت أن أعرف حال والدتي في هذه اللحظة، هل هي بخير؟ حتى و إن كانت قد توقفت عن الاحتفال معي بأعياد الميلاد بسبب حالتها، لكني أردت استعادة تلك اللحظات برفقتها.

"أتعلم؟ أبي لم يقبل والدتي أبدًا ولم يفعل معها شيئًا مثل هذا، أنت محظوظ، تملك أبوين يحبان بعضهما ويحبانك أيضًا."

لا أعلم إن كنت حسدت أخي أو أصبته بعين.

فبعد ساعة واستعدادنا للاحتفال، دق جرس الباب.

ذهبت ليليا لفتحه، وبعد تأخرها لحقها أبي ليعرف الوضع.

"ماذا تفعلين هنا؟"

توجست ملامحي عندما سمعت صراخ والدي، لم يكن من النوع الذي يغضب عادة لأي سبب.

فضولي جعلني أبتعد عن أخي وأتقدم بخطوات متمهلة جهة الباب لم أرغب أن ينتبهوا إليّ، لذا وقفت على عتبة الجدار ومِلْتُ بجسدي قليلًا كي أعرف هوية الطارق.

"ألن ترحب بزوجتك؟"

ذلك الصوت كان مألوفًا لي و رغم كون جسد أبي وليليا كان سدًا يمنعني من الرؤية إلا اني بدأت أعطي تخمين عن الضيف الذي جاء دون دعوة

"مارغاريا، لماذا جئتِ إلى هنا؟ بل كيف عرفتي مكان تواجدي؟"

الاسم الذي نطق به أبي أكد شكوكي عن هوية هذا الشخص.

مارغاريا... هذا اسم والدتي.

دفعت والدتي الإثنان بجسدها بقوة جسد و خطت إلى داخل المنزل ،صورة وجهها لم تكن واضحة، لكن اتجاه رأسها أعلمني أنها تنظر إليّ.

"زوجي، ثم ابنتي... ماذا بعد؟ هل ستأخذين روحي؟"

"مارغاريا، لنتحدث في الخارج."

ضحكت والدتي بغضب، وبدون أن تلتفت له قالت

"لماذا؟ هل أنت خائف على هذه المرأة؟"

شعرت أن بصر والدتي توقف على أخي النائم

ارتجفت دواخلي عندما اقتربت أكثر منه وتوقفت عند رأسه

قالت

"إن تخلصت من هذا الطفل لن يصعب إخفاء أثره."

"مارغاريا!"

ظهر عرق أزرق على ذراع أبي، وربما جبهته أيضًا. اقترب بخطوات سريعة إلى سرير بوغدان كي يبعده عنها.

"آآآه!"

صرخت ليليا برعب وكادت تقع أرضًا عندما أخرجت أمي مسدسًا من جيب سترتها وصوبته على رأس أخي.

"لتتحرك خطوة أخرى يا لويس، وأقسم سأفجر رأس طفلك."

"لا تتهوري! لا تدخلي الأطفال في علاقتنا!"

"أيها الخائن، كيف تقول هذا وأنا أرى ابنتي تحتفل مع عشيقتك؟"

' أمي، أنا آسفة، أرجوكِ توقفي. '

لم يساعفني جسدي للبوح لها بخطئي، كنت خائفة بشدة منها، وخائفة مما قد يحدث الآن

"لويس، ما هو الخطأ الذي اقترفته؟ حاولت جاهدًة جعلك تبادلني الشعور لكن..."

هل شربتِ مرة أخرى؟

ربما لهذا السبب هجمت علينا بمسدس وبدأت تعترف بمشاعرها.

لكن لماذا لا أشم رائحة الكحول إذن؟ في هذه اللحظة تبدو واعية أكثر من أي وقت مضى

"ما الذي ينقصني ؟ ما الخطأ بي ؟ أجبني!"

هزّ نحيب والدتي الأرجاء المتوترة، وبدأت يدها التي تحمل السلاح ترتعش

استغل أبي ذلك واقترب منها ببطء كي لا تشعر به.

مع بقاء مسافة قليلة تفصلهم، سحب ذراعيه نحوها محاولًا نزع المسدس لكن قبل أن يصل، عادت أمي خطوة للخلف، إلا أن أبي كان أسرع وأمسك بها.

"لا!"

تراجعت ليليا بسرعة وحملت بوغدان النائم بين ذراعيها، ثم أمسكت بي من ذراعي.

كانت تحاول إدخالي أنا وأخي إلى إحدى الغرف.

طاااق.

صوت رصاصة.

توقفت ليليا مكانها، وأدارت رأسها ببطء إلى الوراء خوفًا من رؤية نتيجة هذا الصراع.

"لويس!"

تراجع أبي إلى الوراء، حاول أن يسند جسده كي لا يسقط، لكن ساقيه لم تستطيعا حمله فسقط على ركبتيه بألم.

وزعت ليليا نظرها بيني انا و أخي، ثم أبي، لتتخذ قرارها اخيرا

وضعت بوغدان بين ذراعي وهمست في وجهي برعب

"أوجيني، ادخلي أنتِ وشقيقك إلى أي غرفة، وأغلقي الباب مهما حدث لا تفتحي حتى آتي إليكم، عديني بهذا."

هززت رأسي موافقة، وسارعت بأخي إلى أقرب غرفة في الطابق الأول.

كان وزنه ثقيلًا نوعًا ما عليّ، لكن حاولت الحفاظ على الوضعية التي وضعت ليليا بوغدان النائم فيها.

وضعت بوغدان على السرير بحذر، وعدت كي أغلق الباب، لكن يدي توقفت على المقبض بعد رؤيتي أبي ملقى على الأرض بلا حراك، وليليا تضع يدها على صدره تحاول منع نزيفه غير مهتمة بوالدتي

"أبي..."

أردت الاقتراب لأفهم ما يحدث، لكن توقفت مكاني بعد حضور شخص آخر إلى هذا المشهد.

"جدتي!"

شعرت بالراحة والاطمئنان، وابتَهج قلبي عند رؤيتها، جدتي ستحل الأمر وسيعود كل شيء بعدها كما كان.

طاااق

صوت رصاصة أخرى.

لكن هذه المرة لم يكن من مسدس والدتي.

نظرت إلى جدتي باستغراب، تحديدًا إلى المسدس الذي صوبته جهة أمي لقد أطلقت النار عليها

سقط جسد والدتي هو الآخر على الأرض بلا حراك.

' ليس هذا ما كان يجب أن يحدث '

لماذا فعلت جدتي ذلك؟ بالتأكيد لم تقتل والدتي، هناك خطأ بي، هذا صحيح... إن الدموع العالقة على محجر عيني جعلت رؤيتي غير واضحة.

أمسكت ليليا مسدسًا لا أعلم من أين جاءت به، وأطلقت النار على رأسها، وقبل ذلك كانت عيناي قد التقتا بعينيها.

تحركت شفتيها تقول شيئًا ما ثم...

طاااق.

جاءت رصاصة أخرى تنهي حياة ليليا.

"بوغدان... اهتمي به."

هذه كانت كلماتها الأخيرة.

أمي قتلت أبي، جدتي قتلت والدتي، وليليا اختارت الانتحار تاركة وراءها ابنها الرضيع.

هذه هي نهاية قصتي التي راح ضحيتها طفل صغير لم يبلغ العام.

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

في الغرفة الواسعة التي يبتلعها الظلام، تسلّل خيطٌ خافت من ضوء القمر إلى الفراش الذي تتربع عليه شابة، واستقر على ملامحها المرهقة.

إلتصقت خصلات شعرها بوجهها المبلل، بينما انزلقت قطرات العرق من جبينها، متتبعةً جانب وجهها، حتى استقرت عند نبض رقبتها المتسارع.

فجأة! انفرجت عيناها بذعر، رافعةً جسدها عن الفراش دفعة واحدة، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنف.

مسحت محيطها بأعين مترقبة قبل أن تخفض حذرها.

"مجرد حلم"

مررت يدها على حيث لا يزال نبضها يضرب بقوة، وتساءلت لماذا رغم تكرار الكابوس يبقى وقعه شديدًا كالمرة الأولى.

لماذا لا يكتسب الإنسان مناعة ضد الألم؟ أم أن كونه إنسانًا يعني معايشة الجراح مهما تكررت؟

توقفت أوجيني عن البحث وانتظرت طلوع الشمس دون الرغبة في العودة إلى الفراش، فلا نية لها لتجربة العيش داخل ذلك الكابوس.

لم تملك الشجاعة لمواجهة ماضيها، لهذا فضّلت الاستعداد مسبقًا من أجل الذهاب إلى مقر منظمة هيدر

.......................................................

كيف كان الفصل بالنسبة لكم ؟

هذا الفصل يسرد احلام أوجيني و الذي هو في نفس الوقت ماضيها .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إليفثيريا

المؤلف brabr
2025/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة