فراغ

فراغ

3 0

كان القصر هادئًا على نحو لم تعتده فيليرا.


منذ أن غادر سورِن مع فرقته، بدت الممرات أطول، والقاعة أكثر اتساعًا، حتى أصوات الحراس كانت تصل إليها خافتة، كأنها تأتي من مكان بعيد.


وقفت فيليرا أمام النافذة المطلة على أفاراث.


من هناك، كانت المدينة تبدو صغيرة.


أضواء متفرقة تلمع بين المباني، وأجنحة الأفاريل تتحرك فوق الشوارع قبل أن تختفي خلف الأبراج. كان كل شيء يبدو طبيعيًا من الأعلى.


لكن فيليرا كانت تعرف أن الهدوء لم يعد يعني السلام.


أغمضت عينيها.


وتركت وعيها يمتد بعيدًا.


لم تكن بحاجة إلى رؤية البشر كي تشعر بهم.


منذ أن كانت صغيرة، عرفت أن أحلامهم تصل إلى الأفاريل بطريقة لا يستطيع البشر إدراكها. مشاعرهم كانت أشبه بخيوط رقيقة تمتد عبر العالم، تحمل معها الخوف والأمل والرغبات الصغيرة .


وكانت تلك الخيوط تمنحهم القوة.


بحثت فيليرا عن واحد منها.


وجدته.


طفلة نائمة في قرية بعيدة.


كانت تحلم بأنها تركض بين الأشجار، حافية القدمين، بينما تضحك بصوت عالٍ. للحظة، شعرت فيليرا بالدفء يتجمع حولها.


ابتسمت دون أن تشعر.


ثم تغير الحلم.


توقفت الطفلة.


لم تعد الأشجار حولها خضراء.


كانت النيران تلتهمها.


ظهر ظل طويل بين الأشجار.


بدأت الطفلة في البكاء.


فتحت فيليرا عينيها فجأة.


انقطع الاتصال.


بقيت واقفة أمام النافذة، وأنفاسها هادئة، لكن يدها كانت قد انقبضت دون أن تنتبه.


حاولت مرة أخرى.


هذه المرة وجدت رجلًا عجوزًا نائمًا في منزل صغير.


كان يحلم بامرأة تجلس أمامه.


لم تحتج فيليرا إلى أن تعرف من تكون.


كانت زوجته.


اقترب منها الرجل في الحلم، ومد يده نحوها.


لكن قبل أن تلمس أصابعه أصابعها، اختفت المرأة.


حل الظلام مكانها.


ثم جاء الصوت.


صوت صراخ.


فتح الرجل عينيه داخل حلمه، وبدأ يبحث عنها بين الرماد.


ابتعدت فيليرا.


هذه المرة لم تحاول الوصول إلى حلم آخر.


ظلت تنظر إلى الفراغ أمامها.


كان هذا هو حال البشر الآن.


حتى أحلامهم لم تعد آمنة.


قبل الحرب، كانت أحلامهم تصل إليها ممتلئة بالحياة.


أطفال يتخيلون مستقبلهم.


أمهات يحلمن بأبنائهن.


رجال يتمنون أيامًا أفضل.


أما الآن...


فقد أصبحت الكوابيس أقوى من الأحلام.


وضعت فيليرا يدها على صدرها.


كان هناك فراغ في داخلها.


فراغ لم يكن موجودًا من قبل.


رفعت يدها الأخرى.


حاولت استدعاء قوتها.


تجمعت حول أصابعها خيوط من الضوء، لكنها كانت ضعيفة، باهتة، سرعان ما ارتجفت ثم اختفت.


نظرت إلى يدها طويلًا.


لم يكن هذا ممكنًا.


كانت قوتها قد ضعفت منذ نهاية الحرب، نعم.


لكنها لم تتوقع أن تصل إلى هذا الحد.


جلست ببطء على المقعد القريب من النافذة.


للحظة، سمحت لنفسها أن تفكر في السؤال الذي تجنبته طويلًا.


ماذا سيحدث لافاراث اذا لم يستعد البشر حياتهم؟


جاء طرق على الباب.


رفعت رأسها بسرعة، واستعادت ملامحها المعتادة.


— ادخل.


فتح الباب، ودخل أحد الحراس.


انحنى أمامها.


— مولاتي.


— ماذا هناك؟


— لم تصل أخبار من الشرق.


ساد الصمت.


نظرت إليه فيليرا.


— منذ متى؟


— منذ مغادرة سورِن.


لم يظهر القلق على وجهها، لكنها شعرت بشيء بارد يستقر في صدرها..


خفضت عينيها للحظة.


ثم قالت:


— عندما تصل الرسالة، أخبرني فورًا.


— أمركِ، مولاتي.


خرج الحارس.


وبقيت فيليرا وحدها.


عادت تنظر إلى النافذة.


لكنها وجهت نظرها ناحية الشرق


وتذكرت آخر مرة وقف فيها سورِن أمامها قبل رحيله.


كان هادئًا وواثقا كعادته وكأنه يعرف أكثر مما يقول.


ابتعدت عن النافذة.


لم تكن تخشى على سورِن . على الأقل، لم تكن تريد أن تعترف بذلك.


كانت تعرف أن سورِن لم يكن من السهل أن يُهزم.


رأته يفعل ذلك من قبل، في أيام الحرب، حين كان يقف وحده في وجه ما كان يحتاج إلى ثلاثة من مقاتلي السماء لإيقافه.


لكن شيئًا آخر كان يقلقها.


غيابه جعل القصر يبدو فارغًا بطريقة لم تفهمها.


توقفت عند باب الغرفة.


ثم التفتت إلى النافذة مرة أخيرة.

لم تكن تعرف لماذا، لكنها شعرت للمرة الأولى أن القصر أصبح أوسع مما ينبغي... وأن وجود شخص واحد فيه كان كفيلًا بأن يجعلها تشعر بالأمان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Avarath:The Fallen

المؤلف Rowaida
2026/08/24 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة