السقوط

السقوط

8 0

«كلّه بسبب هذا الدواء...»

قلّبت بارينا الكأس بين أصابعها، ثم أبعدته عنها بنفور.

منذ بدأت تتناوله، صار العالم من حولها أثقل؛ الأصوات أعلى، والضوء أكثر قسوة، ورأسها كأن بداخله ضجيجًا لا يهدأ.

وضعت الكأس جانبًا.

«لن أتناول جرعةً أخرى.»

كانت تعرف ما سيحدث إن بقيت.

دواء.

أبواب مغلقة.

وجوه تراقبها.

وأوامر لا تنتهي.

لكن أكثر ما كانت تكرهه هو أن يقرر أحدٌ عنها ما عليها أن تفعله.

أما الروايات...

فكانت عالمها المفضل.

كانت مهووسة بها منذ سنوات؛ تقرأها بنهم، تغوص في تفاصيلها، وتتعلق بالشخصيات حتى تنسى العالم من حولها.

وكانت تقول دائمًا:

«لو كنتُ داخل الرواية، لأصلحتُ كل شيء بنفسي.»

طرق الباب.

«بارينا.»

ثم جاء صوت آخر:

«حان موعد الدواء.»

ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة.

«بل حان موعد هروبي.»

اندفعت نحو الباب.

ركضت في الممر، وصوت الخطوات يقترب خلفها.

صعدت الدرج مسرعة، وأنفاسها تتلاحق، ورأسها يزداد دورانًا مع كل خطوة.

دفعت الباب الأخير.

وانفتح السطح أمامها.

توقفت.

لامس الهواء البارد وجهها، فرفعت رأسها نحو السماء.

«حرّة...»

خرجت الكلمة منها كأنها أول نفسٍ حقيقي منذ زمن.

لكن صوت الباب خلفها أعادها إلى الواقع.

التفتت.

«بارينا! ابتعدي عن الحافة!»

تراجعت.

خطوة.

ثم أخرى.

«تأخرتم.»

استدارت-

فداهمها الدوار فجأة.

اختل توازنها.

اتسعت عيناها.

«ليس هذا وقت الدوار.»

مدّت يدها.

لم تجد شيئًا.

وانزلقت قدمها عن الحافة.

سقطت.

تراجع السطح فوقها بسرعة، بينما اندفع الهواء حول جسدها.

لم تسمع شيئًا.

لا صراخًا.

لا خطوات.

فقط قلبها.

نبضة.

ثم أخرى.

أغمضت عينيها.

حتى هروبي لم أعرف كيف أنفذه بإتقان.

ثم ابتلعها الظلام.

---

«آخ...»

فتحت بارينا عينيها.

سعلت، ثم رفعت رأسها.

غابة.

أشجار شاهقة، وضباب فضي يتسلل بين جذوعها، وسماء صافية لا تشبه السماء التي رأتها قبل لحظات.

جلست ببطء.

نظرت إلى يديها.

ثم إلى ملابسها.

ثم إلى الغابة.

«...حسنًا.»

سكتت لحظة.

«إما أنني فقدت عقلي تمامًا...»

نظرت حولها.

«أو أن هذا الدواء أقوى مما توقعت.»

نهضت، وخطت بضع خطوات.

ثم توقفت.

شعرت بشيء في جيبها.

أخرجته.

كتاب أسود.

لا عنوان.

لا اسم مؤلف.

ولا أي علامة تدل على صاحبه.

حدقت فيه.

«وهذا بالتأكيد لم يكن معي.»

فتحته.

كانت الصفحة الأولى فارغة.

ثم ظهرت الكلمات أمام عينيها، حرفًا بعد حرف:

> [بارينا.]

تجمدت.

قلبت الصفحة.

> [لقد دخلتِ اللعبة.]

حدقت في الكتاب.

«...لعبة؟»

ظهرت كلمات جديدة:

> [تم اختياركِ لإصلاح الروايات المشوّهة.]

رفعت حاجبًا.

«ولماذا أنا؟»

ظهرت الإجابة:

> [لأن طريقتكِ مختلفة.]

ضحكت بخفة.

«هذه أول مرة أسمع فيها وصفًا لطيفًا لجنوني.»

انقلبت الصفحة.

> [ستدخلين روايةً تلو الأخرى.]

[في كل رواية، ستختارين شخصيةً تنحازين إليها.]

[لن تنتقلي إلى الرواية التالية حتى تمنحي شخصيتكِ نهايةً سعيدة.]

صمتت بارينا.

ثم سألت:

«وماذا أحصل في المقابل؟»

ظهرت الإجابة:

> [المال.]

[الأسلحة.]

[الأدوات.]

[كل ما تحتاجينه لإتمام مهمتك.]

ابتسمت.

«الآن بدأ العرض يعجبني.»

لكن صفحة جديدة ظهرت:

> [تحذير: جميع الشخصيات الرئيسية أقوى منكِ.]

سكتت.

ثم ابتسمت ابتسامة جانبية.

«إذن سأصبح أقوى منهم.»

> [قد يستغرق ذلك سنوات.]

«لديّ وقت.»

> [وقد تفشلين.]

«إذن سأعرف أين أخطأت.»

أغلقت الكتاب.

ثم فتحته مجددًا.

«وماذا بعد أن أنتهي؟»

بقيت الصفحة بيضاء.

لم يجبها النظام.

نظرت إليها لحظات.

ثم قالت بهدوء:

«لا بأس.»

رفعت عينيها نحو الغابة.

«أنا أصلًا لا أريد العودة.»

كانت تريد شيئًا واحدًا فقط.

الحرية.

اهتز الكتاب بين يديها.

فتح من تلقاء نفسه.

> [إذن ابدئي.]

تبدلت الصفحة.

> [الرواية الأولى.]

ظهرت معلومات عن العالم والشخصيات.

مرّت عينا بارينا على الأسماء دون اهتمام.

هي لا تحفظ أسماء الشخصيات.

بالنسبة إليها كان يكفي:

الأحمر.

الأشقر المغفل.

صاحب النظرات الباردة.

وذلك المتعجرف الذي يبدو وكأنه يملك العالم.

ثم توقفت عند صورة الشخصية التي اختارتها.

تأملتها لحظات.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة.

«حسنًا يا أحمر...»

أغلقت الكتاب.

«يبدو أن نهايتك السيئة وقعت في يدي.»

لكن قبل أن تخطو أول خطوة...

ظهرت جملة أخيرة على الصفحة.

> [تنبيه: لا يمكنكِ مغادرة هذه الرواية حتى تحققين النهاية المطلوبة.]

رفعت بارينا حاجبها.

ثم ابتسمت.

«ومن قال إنني مستعجلة؟»

وهكذا بدأت أول رواية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سأُصلحُ شخصياتِ الرواياتِ... بشطبِها

المؤلف wand wn
2026/08/26 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة