عتاب

عتاب

15 0

أحيانًا نتمنى أن يصفعنا أحدهم ليوقظنا من غيبوبة أفكارنا التي إن تركنا بها لن نستطيع أن نسير في مسارنا الصحيح. ______________________________________________ اليوم يوم الجمعة، وهو يوم الأجازة الرسمي في البلاد ونادرا ما تخرج سارة خلال هذا اليوم لكي تستغله إما لمذاكرة ما راكمته طوال الأسبوع أو النوم ببال مرتاح؛ لذلك استغرب جميع أفراد اسرتها عندما وجدوها تخرج من غرفتها بكامل ملابسها وحجابها. كان أول من علق على هذا الأمر هو سالم الذي مزاحها قائلًا - إلى أين ذاهبة بكل هذه الأناقة؟ لفت أنتباها هذا السؤال إلى أنها لم تستأذن والدها أو والدتها حول خروجها لذا وجهت حديثها إلى والدتها = آسفة أمي لم أخبرك أمس عن هذا، ولكني ساقابل سهيلة اليوم، لن اتأخر كثيرًا. - لا بأس سارة، أين ستتقابلان = أتفقنا على المقهي الذي نرتاده دوما، الذي يقع بجانب محطة المترو - حسنا، أذهبي ولا تتأخري لوحت يدها لاخوانها ثم ذهبت سريعًا لتلحق بموعدها. على الجانب الآخر كانت سهيلة ما زالت تتجهز في غرفتها عندما طرقت والدتها الباب ودخلت وعندها سألتها إلى أين هى ذاهبة = لا شئ مهم، سأذهب لاقابل سارة صديقتي، تعرفينها لقد كنا معًا منذ الطفولة - نعم، نعم أعرفها أليست تلك من ألتحقت بكلية الطب. = نعم هى قالتها وهى تضع آخر لمساتها من مسحوق التجميل فوق عينيها وهى تنظر إلى المرآة. وقد وقفت والدتها تنظر إليها، تقيم كل شئ بها لترمي جملتها المعتادة التي في كل مرة لا تعلم سهيلة كيف لأم أن تخبر أبنتها بشئ كهذا - رغم كل ما تفعليه إلا إنك ما زلت تشبهين أباكِ، لا أعلم لما لا تظهر عليكِ إى جينات تخصني كانت قد اكتسبت مناعة نوعا ما أمام هذا النوع من الأحاديث التي تلقيه والدتها في كل مرة تراها وهى تتجهز للخروج؛ لذا ابتسمت ابتسامة لم تصل لعينيها قائلة = لأسف يا أمي هذا شئ لا دخل لي به، فكما تعلمين هذا خلق الله ولا يد لي فيه. لم تتأثر والدتها بردها وغادرت الغرفة بلا مبالاة وكأن شيئا لم يكن. أما هى فوقفت تتنهد بقوة وضيق وكل ما يدور في عقلها أنها فقط تريد راحة من نفسها، والدتها وكل ما حولها، تريد أن تصرخ في العالم بأكمله بأن يتوقف قليلًا علها ترتاح وتجد بعض الطمأنينة. _______________________________________________ في المقهى حيث الأجواء الحيوية، وصوت الأغاني العصرية وتجمعات الشباب، فهنا مجموعة فتيات تمزحن مع بعضهن البعض، وهناك مجموعة طلاب يبدو عليهم التركيز و هم يخططون لمشروع تخرجهم، كانت سارة تنتظر على طاولة صغيرة تضم مقعدين فقط، فقد جاءت منذ ربع ساعة وللإنصاف هى تعلم أنهن أتفقن على الساعة الثانية وهي التي جاءت مبكرة ولكنها عادة لديها بأن تأتي قبل أى ميعاد بمدة كافية؛ فهي بذلك تطمئن أنه لن يفوتها أى حدث وعندما نتحدث عن الأحداث المهمة في حياتها فبتأكيد نقصد موعد أمتحان ما، دقائق أخرى مرت لتأتي سهيلة في الموعد تمامًا. اقتربت سهيلة من سارة تحتضنها وهى قلقة أن تصدها أو أن تبتعد لتجد الأخرى تشدد من أحتضانها أكثر، ابتعدن عن بعض وجلسن على مقاعدهن، وأمتدت فترة من الصمت بينهن لم يقطعها سوى قدوم النادل ليأخذ الطلبات. كانت سارة هى أول من قطع الصمت بعد ذهاب النادل لتقول - أعتقد بأننا لم نأتي هنا ليكون الصمت ثالثنا، وأنتِ من أردتي أن نتقابل لذا عليكِ البدأ تنهدت سهيلة وحركت اصابعها بتوتر = تعلمين أن منذ آخر لقاء لنا ونحن لا نتحدث، أعلم بأني السبب في ذلك، ولكني لم أقصد ذلك يا سارة.. لم أعني حقًا أى شئ مما قلته يومها ولا أعلم حقًا لما قلت هذا الكلام؛ لذلك أنا.. أنا آسفة. - انا أعلم ذلك سهيلة، رغم ذلك قررت بأني لن أحدثك قبل أن ترسلي لي أولًا وليس ذلك ثأرًا لكرامتي أو من هذا القبيل، هل تعلمين ما السبب؟ = ما السبب؟ - لأني ورغم أني أردتك أن تبتعدي سواء عن عامر هذا أو عن بسمة لكني لم أكن أريد أن يكون ابتعادك عنهم فقط بسببي، أردت أن ترين بعينيك سببا لهذا البعد؛ لأنك عندها سوف تبتعدين لأن من داخلك يريد ذلك، وأيضًا هذه ليست المرة الأولى الذي نتشاجر فيها لإختلاف وجهات نظرنا ولكنها كانت الأصعب، فأنتِ كما قلتي الآن قد تفوهتي بكلمات شعرت بها سكين في قلبي وفي الحقيقة أردت أن تكون هذه المرة عليكِ وليست علىَّ ككل مرة بأن أبدأ أنا بالصلح. شعرت سهيلة في هذه اللحظة بالندم الشديد وبأنها قد آلمت صدقيتها الوحيدة والثمينة والتي لا تتخيل أبدا كيف كانت لحياتها لتستمر دونها، فهى دومًا كانت كأم ترشدها للصواب وتحنو عليها دون ملل أو كلل. = أعلم يا سارة بأني دائما أتفوه كالحمقاء بكلام يجرحك، وأني أحملك همومي كأنك السبب فيها رغم أنك الوحيدة التي تساندني دومًا. - لستِ حملًا سوى على نفسك يا سهيلة، أنتِ تحملين على ظهرك ما ليس لكِ فيه يد، وتقنعين نفسك دومًا بأنك قوية غير قابلة للكسر، رغم أنك هشة أكثر من اللازم، تريدين أن تظهري أمام الجميع بشخصية من لا يهتم بأى شئ إلا أنك تهتمين بأصغر التفاصيل وذلك يرهق روحك أكثر فأكثر. = انتِ الوحيدة سارة التي تستطيع رؤية روحي وكشفها بذلك الشكل ولذلك أخاف من التحدث معك لا أريد أحد أن يعري نفسي بهذا الشكل، رغم أن هذا يدفعني للتفكير بأن على أن اواجه نفسي بحقيقتها، تعلمين لقد فكرت في اقتراحك الذي أقترحتيه منذ مدة بأن أذهب لمعالج أو أخصائي نفسي خاصة أني أريد أن أتأكد من شئ بشكل خاص. - أعتقد بأن الأمر سيكون فعال ولكن ما هو الأمر الذي تريدين التأكد منه؟ = أريد أن أعلم إن كانت المشكلة بي حقًا أم بها؟ قالتها وتبعتها بتنهيدة وأغلقت عينيها بألم. _______________________________________________ غادرت غرفتها الكئيبة تلك التي لم يزورها النور منذ عدة أشهر، فهي منذ ذلك اليوم المشوؤم لا تغادر غرفتها إلا للذهاب إلى المرحاض أو لتذهب لأكل أى شئ من الثلاجة، فلا أحد في هذا البيت يهتم لأى شئ تفعله أو تعانيه، كانت متجهة إلي المطبخ عندما قاطعها أخيها الذي حدثها بسخرية -أهلا، بالطالبة المفصولة رمقته بنظرات حادة ولم تتحدث - لا تنظري إلى هكذا، أقلت شئ خاطئ، أليست هذه الحقيقة أم أني أدعي ذلك. أتجهت إليه وقت تملكتها إحدى نوبات الغضب التي باتت تظهر بكثرة هذه الأيام، وقد أشارت بأصبعها له بتهديد = أصمت، من الأفضل لك أن تصمت الآن - لن أصمت أريد أن أرى ماذا ستفعلين اقتربت إليه وأخذت تضرب بيديها على جميع أنحاء جسده ثم اقتربت برأسها من زراعه لتقوم بعضه ليصرخ بعدها متألمًا فيدفعها لتقع على الأرض وهى تصرخ = أنا أفضل منك، أنا سوف أصبح طبيبة، وسوف أريكم جميعًا أنني الأفضل، هى السبب، وأنتم السبب، أنا أكرهكم جميعًا. قالت كلماتها هذه لتقع مغشيًا عليها

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وللطمأنينة ميعاد

المؤلف جنى هشام
2024/06/15 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة