لغزٌ معتم

لغزٌ معتم

25 0

* تائه أم ضائع.. وما الفرق بينهما؟!، لا أعلم.. *

صوتي.. لا يخرج من فمي، بل – يتردد داخل عقلي كسؤالٍ عشوائي:

* أين أنا؟!، ما هذا المكان؟!، مكان؟!، ولماذا أطلقت عليه صفة المكان وهو مجرد.. *

فَراغٌ سَرَمَدِيٌّ فَحَسْب؟!

الظلام يخنقني،

جسدي ثقيل، كأنّه مُحاطٌ بالرصاص،

رطوبةٌ مُخيفة تحتلُ جلدي،

شعري مُبلل، ملتصقٌ بجبيني، يحاولُ حمايتي من خطرٍ ما!.

أحسُ، بشيءٍ غريب،

شيء..

لا أستطيع تحديده،

شيء..

يشبهُ الخوف، لكنه – أكثر من ذلك!.

أستشعر، قوة غامضة تدفعني نحو المجهول، قوة تسوقني للأمام، في هذا الظلام الدامس.

تسلّلَ الرعبُ إلى قلبي، وسألْتُ نفسي باستنكار:

* لماذا لا أستطيع الأحساس بجسدي أو بروحي أو حتى بأي شيءٍ من حولي؟! *

وكأني.. مجرد جسد فارغ!، آلة تعمل دون وعي، مُحكومةٌ بأوامر مجهولة لا أعلمها!.

قدماي، تخطوان بخطواتٍ خفيفة، تخشيان كسر سكون هذا الظلام المُرهب، نحو وجهةٍ مجهولة، نحو مصيرٍ مظلمٍ وغامض؛ حيث كيانٌ ما ينتظرني، كيان مرعب، كيان.. لا أستطيع تخيّله!.

عيناي، تتأملان بثقل هذا الفراغ المجهول، بل هذا الإمتداد اللانهائي الذي يحبسني في كابوسٍ مُفزع!؛ فكل ما كانت تراهما –

معالم مُبهمة، ضبابية غامضة، كذكرياتٍ باهتة!

ظلالٌ مُلتبسة، أشكالٌ مُشوشة، كخيالاتٍ تُراقبني!

أشُم، رائحة مُوحشة تُخنق أنفي، رائحة طينٍ متعفّنٍ ممزوجة بشيءٍ آخر لا أستطيع تحديده.

أسمع، همساتٍ خافتة، تُناديني من بعيد، وهناك، أصوات لا أستطيع تفسيرها، أصوات، تُثيرُ فيّ شعوراً بالقلق والارتباك، إذ أحسُّ بأنها تحذرني من كارثة ما، هل هو المضي؟!، لا أعلم!.

هنا، في هذا الفراغ السرمدي، أمضي وأمضي غير مدركٍ لغاية وجودي؛ أشعر بعدم الترحيب بي، بأني منعدمٌ تماماً؛ باستثناء خطواتي التي تعيد تذكيري بوجودي، خطواتٌ خفيفة وحذرة، يتردد صداها في عقلي كإيقاعٍ مستفز، وفي هذا الفراغ السرمديّ كإيقاعٍ ضعيف يختفي سريعاً.

ودون أن أدرك، رأيته بعيناي المأمورة يقف أمامي، نشأ من عدمٍ مُطلق، عيونه فقط تُشعُّ باشمئزازٍ يُجمد دمائي في أوردتي، باشمئزازٍ غامض يحاصرني، لكنه ليس أشد من نذيره الساخر، رفقة ابتسامة باردة تُخفي وراها غموضاً مُرهباً:

¶ على عكسي تماماً، مملوكي!

فأنتَ لاشيء، مجرد نكرة وعدم غارقة في عمق ظلامٍ دامس يبتلع النور، لا يُرى، لا يُحس، ولا وجود له حتى مع غيابِ كل شيء!

* مهلاً مهلاً، هل أنا حقاً عدم؟!، أم نكرة؟!، وما الفرق بينهما؟! – لا أعلم.. *

كان لنذير القوة الغامضة وأفكاري المتشتتة رنينٌ هائج، كصراعٍ وجودي في أعماقِ الروح.

* فمن سيكسب؟!، أو.. سيربح؟!، وما الفرق، بينهما؟!.. لا أعلم.. *

---------------

الرهبة تملأُني، والهلع يلفّني كأفعى باردة تخنقني ببطء.

خطواتي، تتواصل كي تُحاول الهرب، وإن كنت سجينَ هذا الفراغ، ثابتٌ في مكاني، لا أتقدم، ولا أتراجع، محصورٌ في نقطة ثابتة لا تتغير؛ كمُعادلة لا حلّ لها!.

كان هذا يسبب لي دواراً يشبه انهيارَ نظامٍ مُعقد؛ حيثُ تتسارع نبضاتُ قلبي كإشاراتٍ تحذيرية قبل الانهيار الكامل!.

بخطواتٍ مُتكررة، تُمثلُ دورةً لا تنتهي،

تَتَكَشَّفُ الأصواتُ تدريجياً، تصلني من أبعاد مخفية في الفراغ، تتردد صراخاتُها كالأحجيةِ في عقلي، لا أقدر على فكّ شفرتها من حدة نحيبها!.

هناك رائحة تربة متعفنة، ممزوجة بدموعِ غيومٍ باكية صامتة، تُحيطُ بجثث هامدة عادت إلى أحضان الأرض الأم.

قلبي لم يعد يخفق بسرعة، بل يخفقُ بإيقاعٍ بطيء، ثقيل، ينذرُ بانتهاء الوقت.

ثمَّ، كأنَّها انفجرت من العدم، غمرتني الأصواتُ كالذباب؛ لم تعد همساً خافتاً ومشوشاً، بل زئيراً واضحاً، يخمدُ صراخَ أفكاري!.

أسمع،

أصوات متضاربة،

تُحاصرُني،

تُرهِبُني،

وتُرغمُني على الاستسلامِ لجنونِها!

فزعٌ يخنِقُني،

هلعٌ يشلُّ حواسي،

وأنا أُحاولُ يائساً تفسير ما تريده هذه الأصواتُ المُرعبة!

« قد كُسرت »،

بنبرة خافتة ممزوجة بالاستهانة،

« وهل تظن بأنني أتوقع منك شيئاً كهذا؟ »،

بنبرة تساؤل مشحونة بكبرياءٍ مقيت،

هل هذا مجرد عتاب، لا افهم لماذا العتاب؟!

ولماذا يتردد كل ذلك في هذا الفراغ..

مهلاً..

---------------

مهلاً..

هل هذه الجمل تحاول التلميح بعدميتي؟! – مدعيةً القدرة على إثبات وجودها هنا؟!

على عكسي.. أنا!

أنا الذي تنوب أفكاري وخطواتي عني في إثبات وجودي!

سخافة!

فأنا..

فأنا سيدُ هذا اللامكان، وأنا الذي يحدد وجودكم وعدمكم، بسلطانٍ هائلٍ لا يُضاهى!

مهلاً..

ومن أنتم في المقام الأول لتجرؤون على التحدث إليّ بهذه العبارات الرخيصة؟!

فتلك الكلمات مجرد تراهات، بل هموسات لا قيمة لها!، لأنكم ببساطة..

ذُبابة!

ذبابة صغيرة وضعيفة تزعجني ولا تستحق أن أهدر وقتي في سحقها!

لا لا،

دعوني أولاً أرى ما الذي يدفعكم بجرأة لمخاطبتي!

فجهلكم بعظمتي هو ما يدفعكم لهذه الجرأة؛ لأن كل ما هنا، وليس أنتم فقط، لن تستطيعوا فهمها!.

فأنا.. فأنا..

لا يوجد وصف يليق بعظمتي!

فأنا فوق الوصف،

فوق الكلمات،

فوق كل شيء!

( فأنا اللغز الذي لا يُحل، والوجود الذي لا يُفهم!. )

لأني أنا.. أنا..

من أنا؟!.. ومن أنتم؟!.. وما هذا المكان من حولي؟! - ولماذا أطلقت عليه صفة المكان وهو مجرد..

« إنه مختلف كشقيقه! » ، « M87 »

كفى، كفى وكفى كلاماً!!!

اصمتوا!

اصمتوا!

أصواتكم..

أصواتكم تقطع أذني!

« هآه؟ – مختلفٌ متخلف! » ، " الثالثة! "

يداي ترتجفان، لا أستطيع التحكم بهما، رأسي يدور، دوار يمزقني!،

أشعرُ بالاختناق، كأني أغرقُ في بحرٍ من الظلام،

أحس بأشمئزاز يطغى علي، كطعمِ دَمٍ مُرٍّ يَذبُل اللسان!

أشعر ببرودة قارسة تتسلل إلى عظامي!

أحسُّ بالخوف، خوفاً لم أشعرهُ من قبل!

أشعر بالوحدة، وحدة لا توصف!

أحسُّ بالجنون!

أشعرُ بالتفاني!

أحسُّ بأني أفقدُ عقلي!

أشعرُ..

أحسُّ..

بكيانٍ ما يهددُني!

بكيانٍ ما يتحركُ في الظلام!

بكيانٍ ما.. يقترب!

صرخت بأعلى صوتي:

- كـ.. كفى! لا أستطيع تحمله أكثر!

هذا الفراغ..

يبتلعني!

يبتلعني!

ويبتلعني!

غطيتُ أذني بيديّ، أحاول حجب الأصوات، لكنها تتردد في رأسي، تتردد، وتتردد!

أشعر بأني سأجن! بل جننت حقاً وأنا على وشك الموت!

أشعر..

بشيء باردٍ يلامس أسفل ظهري، ذراعي ورقبتي!

شيء.. مُخيف!

الـ.. النجدة..

---------------

بدأ كل هذا منذ بضع سنوات، في يوم أحدٍ مُعتدل، عندما رنَّ المنبه في تمام الساعة السادسة صباحاً كان صوت رنينه المنتظم يوقظني لبداية يومٍ اعتيادي.

أخرجت يدي من أسفل الغطاء، وبحركةٍ سريعة أطفأته. تثاءبت، تمددت، ونهضتُ بهدوءٍ من على السرير متوجهاً نحو الحمام لغسل وجهي وتنظيف أسناني.

بعد عشر دقائق، أخذتُ حماماً دافئاً ومُنعِشاً لاستعادة نشاطي. وبمجرد انتهائي، غطيتُ جسمي برداء الإستحمام أبيض وعدتُ إلى الغرفة.

خلعتُ رداء الاستحمام ووضعته على الكرسي، ثُمَّ تناولت منشفة قطنية ناعمة موجودة دائماً على المكتب، وجففتُ بها جسمي بعناية تامة تاركًا شعري مبلولاً، وعلقتها على طرف المكتب لتجف رطوبتها.

بيدي اليسرى أخرجتُ مرطباً خفيفاً من دُرج الطاولة الصغيرة الواقعة تحت المكتب، ودَهَنتُ بهِ جسمي وشعري المبلول بحذرٍ ورفق؛ للحفاظ على الإنتعاش والرائحة الجميلة. بعدها أرجعتهُ مكانه، وعاودت ارتداء رداء الاستحمام لضمان امتصاص جسمي للمرطب بشكلٍ كامل قبل ارتداء الزي الثانوي.

بعد بضع دقائق، خلعت الرداء وثنيتهُ طولياً إلى النصف، ووضعته على كرسي المكتب بترتيب.

ارتديت الزي الثانوي على مهل، وأخذتُ أُغلق أزرار القميص بينما أخطو ببطء، بخطواتٍ غير مسموعة نحو النافذة، حيث تتسلل أشعة الشمس الدافئة من خلالها لتضيء غرفة النوم التي أنا فيها في الطابق الثاني، متطفلةً على عَتمتها. ارتكأتُ على حافتها بظهري، وشبكتُ ذراعيّ فوق بعضهما، ونظرتُ بتأملٍ إلى الجو الصباحي، الذي يأخذ عقلي إلى موجةِ أفكارٍ عميقة؛ فتمعنت بمشاهده بعيونٍ متأملة، أفكر في الأمور المحيطة بي،

الحدائق الشاسعة الخلابة المليئة بالخضار المتنوع،

الغيوم القطنية التي تسبح بتأنٍ شديد في السماء الواسعة، كأنها مارشميلو في كوبِ قهوةٍ حُلوة،

الرياح تهب من بين المباني بحركة انسيابية، وتحركُ برفقٍ مطمئنٍ أوراق الأشجار، فيمتلئ الجوُّ بحفيفها الرقيق، المجيبُ بالسلام والهدوء؛ لتمنح سكينةً ودفئاً لمن يصغي إلى نغمتها العذبة،

العصافيرُ البرتقالية تُحلِّق بتناغمٍ فوق الأبنية، كفرقة موحدة لا تتفرق،

النساءُ يتبضعنَ في الأسواق القريبة، والبعضُ منهن ينتظرن برفقة أطفالهن أمام بيوتهن حتى وصول حافلة المدرسة،

الرجالُ منهمكون في بناء الأبنية السكنية الجديدة، وآخرون يتأملون في ما يمكنهم جلبه من حلويات لذيذة لعائلاتهم في البقالات،

وهناك أيضاً أطفال في الطرقات، يركضون متجهين بحركاتٍ غير متزنة وعشوائية نحو المدرسة بحماس.

---------------

وأنا هنا، طالبٌ ثانوي، بجسدٍ رياضي لكنه عاديُ البُنية، ملامح هادئة، شعرٌ ناعم، كثيف وأسود كالليل، وعيونٌ بُنيّة لا تتميز بشيءٍ خاص،

هنا، في هذه الغرفة المعتمة، التي يُضيئها فقط بصيص أشعة الشمس بسبب الأشجارِ الكبيرة التي تقع في الحديقة المباشرة للمنزل،

هنا، أفكِّر..

أفكِّر كيف سأواجه كلَّ ذلك!؛

فكلُّ تلك السعادة التي تُحيطُ بي في كلِّ مكانٍ أذهب إليه.. تُقرفني!.

أشعرُ أنني أريد التقيؤ كلما رأيتُ ذلك الخط العريض يرتفع في شفاه الجميع، ابتساماتٌ عريضة، أفواهٌ لا تُغلَق من كثرة الضحك، عيونٌ مغلقة من شدَّةِ الفرح، ووجوهٌ بشوشة مليئة بالطاقة والأمل!

مقرف!

في كل مرة أرى تلك الملامح، يتزايد شعور الأنزعاج والأشمئزاز في داخلي، مما يُشعل رغبتي في رؤية نهاية لكل تلك السعادة الزائفة.

وأنا، هنا..

أضطر كل يوم إلى التفكير في كيفية مواجهة كل تلك السعادة المصطنعة من حولي والتي تبدو لي كأقنعة تُخفي ورائها خداعاً مُطلقاً.

* كم أطوق أن أصرخ في وجوههم الخالية، مطالباً إياهم بالتوقف عن التصنع وإظهار تلك الابتسامات المقززة التي لا تعكس شيئاً سوى الفراغ الداخلي بهم! *

بعد صراع التفكير اليومي هذا، اخذت نظرة سريعة على فناء المنزل الأمامي، ثُمَّ سندت جسدي وانطلقت لبدء يومٍ روتيني.

❅❆❅❆❅❆❅❆❅❆

* سأضع مثبِّت الشعر هكذا وَ - انتهيت! *

شعري بالكامل مُصفَّفٌ إلى الخلف، وبعض الخصل المزعجة من غرتي تتدلى على جبهتي.

* كم هذا مزعج!، لكن لا بأس حقاً، سأحاول فقط إرجاعها *

بينما كنت أُثبِّت تلك الخصل المزعجة بيدي اليمنى، حاولت أن أمسك المشط بيدي اليسرى،

* مهلاً؟! – أين هو؟!، لا أستطيع إيجاد المشط! *

ركَّزت نظرات عيني الهادئة على المكتب أمامي، ظنًّا مني أنني سأجده بعينيّ، لكنني لم أجده، ولم أجدها أيضاً!،

* أين ساعة اليد؟!، أنا دائماً ما أضعها هنا، يا الله! *

فتشت عنها بين الأغراض المرتبة على المكتب، مُتناسياً للحظة المشط المفقود الذي يشاركها أيضاً المصير المجهول. ولوهلة، تجمَّدتُ مكاني برهة، إذ أدركتُ أنني أَستَشعر نسيانَ شيءٍ آخر كلما كررت كلمة " ساعة "؛ فتوقفت عن البَحث، وردَّدت الكلمة محاولاً تذكُّر ما الشيء الذي نسيته، لعلَّ وعسى أن يكون هناك طرفُ خيط:

- ساعة.. سا.. ساعي البريد؟!، بريد؟!، رسالة؟! - لا، أممم، ساعت..

---------------

حينها، ارتفعت تلك الخصلُ المُزعجة عالياً لتعود وتُغطي جبهتي من جديد؛ بفعل ضربةٍ سريعة وقوية من كلتا يديّ على المكتب، إذ تَحَوَّلت ملامحي الهادئة إلى إيماءة خفيفة من التفاجؤ لتَذكُّري ما نسيت؛ فصحت بصوتٍ مرتفع:

- الوقت!، كم أصبح الوقت الآن؟!

ألتفتُّ برأسي سريعاً لتفقُّد الساعة الموضوعة فوق السرير، لأجدها تشير إلى السابعة صباحاً!؛ فَهمستُ لنفسي بكلماتٍ قويةٍ مُؤكدة، لكنها كانت هشة كزجاجٍ يوشكُ على الأنكسار؛ لمحاولتي بإقناع نفسي بكذبة أعرفها جيِّداً:

- السابعة صباحاً؟!، سأتأخر عن الثانوية!

اغتالني سرحانٌ مفاجئ، مُخمداً صراخ الوعي بشأن الكذب في التأخّر.

أخذتُ أراقبُ عقارب الساعة؛ فحركتها المُنضبطة دفعتني إلى دوامة أفكاري،

العقارب..تدور،

الثواني.. تمر،

والأفكار تتجلى..

ساورني، تساؤلٌ غريب، انعكس على ملامح وجهي - همست، بكلماتٍ قوية، مؤكدة، متينة كزجاجٍ مُرَصَّع يُخفي بداخله بريقاً حاداً:

* سأتأخر عن الثانوية؟!.. سخافة!، فأنا أفعل هذا كل يوم.. *

تلك المتانة قد خدعتني، فكما ينكسر الزجاج المُرَصَّع تحت وطأةِ ضربةٍ قوية، ستنكسر كلماتي أيضاً..

همستُ لنفسي بكلماتٍ قوية مُؤكدة، بكلماتٍ لم أعتد على نُطقها:

* لكن الأن.. وهذا الشعور.. مختلف، تماماً؟!.. *

تَشَظّيت كقطعٍ حادة من الزجاج، تنزِفُ دماً من جروحٍ غائرة في الروح، مُخلفةً وراءها خليطاً من الألم والحسرة..

* كأن شيئاً ما ينتظرني، يُشعِرُني هذا التأخر بالذنب على غير المعتاد، كما لو كنت على موعدٍ لا ينتظر التأجيل! *

مُشَكِّلةً صورة مرعبة، تشبه انعكاسَ وجهٍ مُشوّه على سطح زجاجٍ مُتَشَظِّي..

* لكن ما يُثير ريبتي أكثر، أنَّ هناك أمراً آخر.. يُشعِرني بالذنب على غير المعتاد.. *

وهو النظرة اللامبالية التي أُلقي بها على العالم من حولي؟!

وما الذي يدفعني لرغبةٍ غريبة في زوال السعادة التي يتمتع بها الآخرون؟!

حتى وهي تبدو أنها تُرهقهم؟!

هل يعود ذلك إلى رتابة أيامي التي تتكرر كأنها تُعيد نفسها بلا نهاية؟!

أم لأن سعادة الآخرين تُشبه سيلاً هائلاً يغمرهم، بينما أنا أقف على الضفة،

لا أستطيع حتى شم رائحتها؟!

هذا ليس عدلاً!

لماذا لا تُزورني السعادة؟!

لماذا لا تسأل عني؟!

لماذا لا تشعر بوجودي؟!

أشعر.. أشعر بأني مُنكرٌ بالنسبة لها!

اتسعت عيناي بشعورٍ غامض، في صمتٍ تام، بينما أصارع أفكاري بأحتدام، حتى أخذتُ شهيقاً عميقاً لتهدئة أفكاري قبل نفسي، ثم تمتمتُ قائلاً:

- أنا أضيع الوقت حقاً

---------------

وبعد أن أخذتُ شهيقاً عميقاً، أبقيتُ على تلك الخصلات المزعجة كما هي، وقبل أن انهض..

شعورٌ بالفقد انتابني، أمرٌ ما برق في ذهني، لمحة سريعة من صورة غامضة، كانت تعني لي الكثير، لكن.. ما هو؟!

نهضتُ من مكاني، وخرجتُ من الغرفة بخطواتٍ خافتة نحو المطبخ لشرب الحليب، مُتجاهلاً تماماً ضياع المشط والساعة، وذلك.. الشعور المُعتاد.

كان المطبخ تحفة معمارية حديثة، جميلاً بتفاصيله الدقيقة، وبألوانٍ بيضاء كالثلج، تشع نقاءً وأناقة. في منتصفه نافذة كبيرة تمتازُ بزجاجٍ قوي، ولا تغطيها أيُّ ستارة، مفتوحة قليلاً؛ مما تسمح بدخول نسيم الصباح العليل، وأشعة الشمس التي رسمت على الجدران بيضاء بريقاً متلألئاً من اللونين الأصفر والبرتقالي، كأنها جواهرٌ ثمينة، تعكس ضوءَها بجمالية متناهية في الجمال!.

بجانب تلك النافذة على الجهة اليسرى، ينتصب باب الفناء الخلفي للمنزل، وبينهما تقف بخجل ثلاجة بيضاء حديثة أيضاً. وعلى الجهة اليُمنى من النافذة، برزَ الموقد الذي قرر أن يكون مختلفاً بلونه الأسود.

في منتصف المطبخ، أربعةُ مقاعدٍ عالية، معدنية، وفاتحةُ اللَّمعة، تحيطُ بالطاولة الرَّخامية بيضاء. مقاعدُها مُغطاة بقماشٍ رماديٍّ فاتح، وكلٍّ منها بمسندِ ظَهرٍ مُنحنٍّ قليلاً. وبجانب الطاولة الرخامية، نافذة صغيرة تُغلفها ستارة بيضاء مطرزة ببريق أسود حيث أحبُّ الجلوس على المقعد الملتصق بجانبها للتأمل من خلالها.

( كان جميلاً.. لدرجة تجعلكَ تنسى سبب إعجابكَ به!. )

عند دخولي إليه، أحسستُ في غرابةٍ بالمشهد؛ حينما رأيتُ خالتي تقف أمام الموقد الأسود، تُحركُ الحساء بملعقة خشبية داخل قدرٍ كبير من الستانلس ستيل بدلاً من مقلاتها المعدنية الصغيرة المُعتادة. شعرتُ بقلقٍ خفيّ،

وكأنّ أساسَ حياتي، يُهزّ!

همستُ لنفسي، مُتّكئاً على كذبٍ مُطمئن:

* المشاهد، قد تتغير سيناريوهاتها أحياناً *

أزحتُ الكرسي إلى الخلف قليلاً، وجلست بينما أسالُ خالتي باعتيادية:

- صباح الخير، ما نوع الحساء اليوم؟

أجابت بنبرة ودودة:

= أعِدُّ لك حساء الخضار..

ثُمَّ استدارت بسرعة، وأشارت بالملعقة التي بيدها نحوي، قائلة بنبرة حماسية عفوية:

= فكما تعلم يا كتومي بأن الامتحانات النهائية تحتاج إلى قوةِ تركيزٍ كبيرة! لذا، يجب أن أحرص على أن يكون ابن شقيقتي العزيز جاهزاً تماماً لها!

( القُراء المتأملون، أرى بأعينكم تلك النظرات المتسائلة بعد سماع لقب " كتومي " الذي تفضلت خالتي بإطلاقه علي للتو. لا تستعجلوا الحكم، فلكل لقب حكاية، وحكايتي مع هذا اللقب تحديداً.. تستحق أن تُروى بتأنٍ.

لذا، سأفعل ذلك لاحقًا عندما يحين الوقت المناسب. )

أخفضت خالتي الملعقة، وعادت إلى تحريك الحساء بهدوء، ثم تابعت بنبرة هادئة وبعيونٍ تشعّ دفئاً وحناناً:

= لذلك، سأساعدك بكل ما أملك، حتى تنجح بامتحاناتك

أثناء حديثها، لفت انتباهي أنّها أضافت ملعقة سكر صغيرة إلى الحساء؛ فهي تعلم مقدار حبي لإضافة لمسة من الحلاوة إلى كل شيء، حتى تلك الأطباق التي لا يُفترض بها أن تكون حُلوة.

حدقتُ بها بنظرات الامتنان والشكر، رغم أنها كانت تُقابِلني بظهرها. ارتكزتُ بيدي اليسرى على الطاولة، وأسندتُ وجهي بكفي، ثُمَّ قلتُ بابتسامة صغيرة قاصداً استفزازها بلطف:

- لا تقلقي، بما أنني مُلتزمٌ بالرياضة، فأنا على ما..

قاطعت كلامي بحركة سريعة من الملعقة على رقبتي، حيث ينكسر جسمها على سطح الرخامة. نظرتُ إلى الملعقة ثُمَّ إليها بنظراتِ تعجبٍ متوقعة:

= وهل تظن أن الرياضة كافية لتعتقد بأنكَ على ما يُرام!

تنهدت خالتي بغضب، ثُمَّ استدارت وأطفأت النار تحت القدر. بعدها، أخرجت من الخزانة وعاءً مطرزاً بأشكال شجر التفاح الأخضر، وسكبت فيه الحساء، لتقدمه لي على الطاولة برفقة ملعقة تحمل ذات التطاريز التي يحملها الوعاء، بينما توبخني بنبرة جدية صارمة، مُختلفة عن عادتها عند استفزازي لها:

= يا لك من غافل، حتى لو كنتَ تمارس الرياضة، وحتى لو كنتَ تركض آلاف الأميال، تذكّر أنّ وقود كلّ هذا هو الأكل الجيّد؛ فجسمك لن يتحرك ولن يعمل إن لم تطعمه جيداً مهما كنتَ تسقيه!

---------------

ثم أكملت بابتسامة هادئة، وهي تضع يدها بلطف على كتفي:

= فهذا يشبه تماماً امتلاك سيارة جميلة للغاية؛ مهما زيّنتها بالشعارات الجميلة، الألوان الزاهية والإطارات الأنيقة، فهي لن تتحرك بدون وقود

تلبسني القلق، حيثُ هذا التناقض لا يشبهها البتَّة، فَكُلُّ ما في المشهد لا يوحي أنها على ما يرام!، استخدامُها للقدر بدلَ مقلاتِها، إخراجُها لوعاءٍ مطرز بأشكال شجر التفاح الأخضر بدلاً من الورود المعتادة، كلماتها الحريصة كأنها وداعها الأخير - وشفتيها، التي تعكسُ ابتسامة لا أعلمها، كلها مشاهد جديدة!

أشعرُ، بغرقٍ في بحرٍ من الارتباك، ضربات قلبي تتسارع،

لا أستطيع التفكير،

لا أستطيع التعبير،

لا أستطيع حتى.. الرد!

أشعر بأنَّ أمراً ما سيحدث، أمر لا يُمكنني تصوره!..

قاطعت خالتي تأملي الصامت بابتسامة هادئة لكن هذه المرة تُخفي سراً وراءها:

= سأعطيك علبة الحليب، ثم سأضع حقيبتك عند الباب، يا كتومي

لاحظت تقلّباتٍ سريعة بعيونها التي لم تبتعد عني للحظة وهي تتوجه نحو الثلاجة، استشعرتُ انها تكافح لوحدها خطرا تخشى ان تصارحني به.

ثُمَّ، وبلا مقدمات، بكلماتها المُعتادة:

= لا تحدق بي وأشرب حساءك بسرعة!

أخرجت علبة الحليب الصغيرة، ورمتها لي؛ فألتقطها بيدي اليسرى بإحكام.

أدركت فوراً غرابةً فيها، فتور عميق، وكأنّها ليست هي!.

انصرفت من الباب، لكنّي لاحظت من زاوية عيني، اختفاء ابتسامتها الهادئة قبل أن تغادر تماماً، كأنّ قناعاً سقط فجأة مُكشفاً عن وجهٍ مُشوّه بالخوفِ والتوتر.

منعتني القوة المتضاربة من النهوض واللحاق بها؛ فهي تهاجمني كجنود مشتتة، فوضوية، تُطلق سهام الشكوك من كل جانب، تُربكني بسرعتها وانعدام تنسيقها، بينما تصرخ علي؛ لتُغرقني في دوامة من الارتياب:

¶ ألم ترَ كلماتها، تصرّفاتها وتغيّر سلوكها غير المعتاد، مملوكي؟

لا تظن؛ بل تأكد أنها تخفي أمراً ما!

لا تكن أحمقاً وتجعلَ أفكاراً تمنعكَ من مواجهتها!

حاولتُ يائساً إسكات عاصفة أحرفها:

* مهلاً!؛ فأنا أحاول كشف السر الخفي وراء هذا التناقض الغريب الذي لا يشبه شخصيتها! *

لكنها سرعان ما اجتاحتني بعنفٍ لا يقاوم:

¶ تكشف ماذا! ألا ترى عيونها، ابتسامتها ونبرتها؟

كلها لا تُثير الشكوك، بل تُؤكّدها!

أتحاول حقاً فهمَ شيءٍ واضحٍ كالشمس أمامك؟

غمرني اليأس،

* لكنّ الغموض يُحيط بها كهالة سوداء غامضة، لا أستطيع.. لـ.. لا أستطيع.. *

هزّتني بصوتٍ باردٍ وقاسٍ:

¶ بل لا تريد أن ترى! أنظر حولك - هناك شيءٌ غريبٌ يحصل، يتجاوز التناقضات، ويُثير شكًا لا يزول!

= كف عن التحديق في الحائط واشرب حساءك وحليبك بسرعة!

ارتعشَ جسمي من هول صراخ خالتي من الممر. لكن لم يُثِرْني هذا بشيء؛ فهي تعرف دائماً ما أفعل، حتى وإن لم تراني.

* يا الله، سلوكها هذا لغزٌ يُحيرُني! *

( لكنها تفهم سلوكي جيداً، مهيئةً إياي لبداية جديدة - تروى بحبرٍ أحمر لا يُمحى!. )

---------------

فرغت من شرب الحليب كاملاً، وبدأت أحتسي الحساء رشفةً تلو رشفة، بينما أتأمل الحيّ من خلال النافذة المفتوحة. الهواءُ البارد يلامسُ وجهي كالحرير، والمشاهد نفسها تتكررُ أمامي كمشهدٍ ثابتٍ ومُستقر، حيثُ أرى:

أمٌّ محجبة، حركات كتفيها السريعة تُحرِّك حجابها الأزرق، بينما تربطُ بسرعة ومهارة شعر ابنتها الأسود الكثيف أمام باب بيتهما ذي الجدران بيضاء. بدا عليها التعب والضغط، لكن ابتسامتها الحنونة تعكسُ مدى امتنانها لهذه اللحظة العاجلة.

خرج الأبُ مبتسماً، يقولُ شيئاً ما؛ أظنُّ أنه كان يمازحُها على عجلتها، حتى إذ صَدَت في تلك اللحظة صوت حافلة المدرسة الصفراء. عانقت الطفلة الصغيرة والديها، ثم ركضت نحو باب الحافلة بخطاها الصغيرة لتركبها وتجلس مباشرة قرب النافذة، كي يتسنى لها التلويح لهما بيدها الصغيرة مودّعةً إياهما، لوّح الأب بيدهِ الكبيرة لصغيرته، ابتسامته تُضيءُ وجهه بينما تُخفي عيون الأم تعبها الشديد خلفَ ابتسامة خافتة.

مشهدٌ بريء، حتى الفراقُ يبدو جميلاً فيه.

أمامَ بيتهم، رأيتُ ثلاثة شبّان يرتدون الزي الدراسي للثانوية التي أدرسُ فيها، يسيرونَ معاً بخطواتٍ خفيفة. وكما أعتدُ عليهم؛ الشاب في المنتصف يضع يدهُ خلف رقبة صديقه الذي يسير على جانبه الأيسر، بينما يتحدثان ويضحكان معاً بصوتٍ خافت، حفاظاً على وقار الحي. أما الشاب الذي يسير على الجهة اليمنى منه، فيضع يداه في جيوب بنطاله بينما يُظهر هدوءاً مُذهلاً يُناقض حيوية صديقيه. نظراته تتنقل بين الطريق وبينهما بانسيابيةٍ مُتقنة، يُحاول التوفيق بين اهتمامه بحديثهما ومراقبته للمحيط بحرصٍ بالغ، مُظهراً توازنًا غريباً بين الهدوء واليقظة.

- هآ..

كلما رأيت ذلك الشاب الأيمن، ينتابني سؤالٌ غريب حول هدوءه واتزانه اللافتين كجندي مامور، فأمرٌ ما يبرزه عن الآخرين، أمرٌ أُدركه أنا فقط، وسأكون أنا من يملي على هذا الجندي الأوامر.. أو أُجبِرُهُ عليها!.

مشهدٌ معقّد، تتضارب الانطباعات فيه.

انتقلت نظراتي بعدها إلى ساحة بيت الجار آدم الأمامية، حيث كانت ابنته الصغيرة نسمة تلعب بدميتها. شعرت نسمة بنظراتي؛ فرفعت رأسها إليّ، لتتلاقى نظراتنا معاً. ابتسمتُ لها، وقلتُ بصوتٍ عالٍ:

- صباح الخير نسمة، كيف حالكِ؟!

استقبلت نسمة ابتسامتي بابتسامة عريضة، ملؤها البراءة، على الرغم من أنها لم تكن سوى قناعٍ أرتديه لرقتها.

أجابتني بضحكة رقيقة بينما ترفع دميتها الصغيرة عالياً:

= الحمد لله أنا بخير والدمية بخيرٍ أيضاً!

- يبدو أنكِ تستمتعين بوقتكِ مع صديقتكِ الجديدة

= أجل، فهي أعز صديقاتي؛ لأنك من أهداني إياها أخي!

يا له من تزامُن مضحك حقاً!

وكأنّ فكرة التخلص من الدمية، وإعطائها لها، جعلَتْني بطلاً في يومها الخاص!.

( لحظة!، أيها المتأملون؟!، أتتساءلون عمّا أفكرُ به هنا؟!

حسناً، سأشرح لكم الأمر ببساطة؛ حتى تتمكنوا من فهمه!.

وإن لم تكونوا تتساءلون – سأشرحه على أي حال؛ لأنّ حكايتي تستحق الاستماع لها مهما كان الأمر بسيطاً!. )

---------------

كل ما في الأمر أنني قبلَ أسبوع؛ أظن كانَ يومَ سبت، كانَ ذلك يومها الأول في الروضة. وبمساءِ ذلك اليوم، عدتُ إلى المنزل بعدَ شراء أغراض وجبةِ العشاء؛ فوجدتُ داخل أحد الأكياس دمية أُهديَت إليَّ لكوني زبوناً منتظماً للمتجر. أخرجتها ورمقتها بنظرة سريعة قبل أن أتخلص منها، إلا أن السيد آدم طرق باب المنزل؛ فأُستغربتُ من قدوم أحدٍ إليّ، وتساءلتُ حينها:

* من الذي يطرق الباب في الساعة التاسعة مساءً؟! *

لأجده هو يقدم لي طبقاً فيه قطعة من كعكة الفانيليا، مزينة بحبة فراولة طازجة، وقال لي بصوتٍ مغمورٍ بالسعادة أثناء تقديمه لي:

= مساء الخير، أعتذر على القدوم في هذا الوقت المتأخر، لكنني رغبت بأن أقدم لك هذه القطعة من الكعكة احتفالاً بيوم ابنتي نسمة الأول في الروضة

تفاجأتُ لبرهة، وبقيتُ أُحدق به، متسائلاً عن سبب اختياره لي بالذات لمشاركة هذه السعادة الخاصة به. فما علاقتي أنا بهذه المناسبة؟!، هل مجرد الجيرة كافية لتفسير هذه اللفتة التي تبدو لطيفة؟!..

لا أعتقد ذلك،

ربما لأنني ألعب أحياناً مع ابنته نسمة في الساحة الأمامية لمنزله عند عودتي من الثانوية؟!.

شعر السيد آدم بالقلق حيال صمتي الذي دام دقيقة فحسب، وسألني إن كنتُ أسمعه؛ فأجبتهُ بأنني كذلك، لكنني كنتُ متعباً من شراء أغراض العشاء، لذا تشتتَ ذهني قليلاً. فهمَ وضعي، وابتسمَ لي. أخذتُ الطبقَ من يده وأنا أشكرهُ عليه برفقة ابتسامة خفيفة مصطنعة - فجأة راودتْني فكرة لا بأسَ بها؛ ستُريحُني من الخروج من المنزل مجدداً. طلبتُ منهُ أن ينتظرَني قليلاً عندَ الباب، وعدتُ بهرولة إلى المطبخ، الذي لا يبعدُ عن البابِ سوى غرفة واحدة، غرفة المعيشة، وضعت الطبق على الرخامة بقرب الأكياس البلاستيكية، وتناولتُ بيدي اليسرى الدمية، ثم عدتُ إلى السيد آدم وقدمتُها لهُ قائلاً:

- تفضل، هذه لنسمة؛ فلم يتسنى لي أن أُهديها إياها بنفسي اليوم بسبب انشغالي

غمرت ملامحهُ السعادة بشكلٍ أكبر حتى أصبحت رؤيتها واضحة. أما أنا، فكنتُ أُحدقُ به بدهشةٍ واستغراب إزاء إمكانية رؤية السعادة في عينيه المجردتين، وهو يشكرُني على دمية أردت التخلص منها فقط!.

( وهذا ما حدث، إنه أمرٌ يدعو للضحك كلما قراءته، لكن لا طاقة لي الآن لذلك. )

في وقتنا الحالي، أكملتُ حديثي معها قائلاً:

- أنا سعيدٌ لأنها أعجبتكِ

تزايدت ابتسامتها تدريجياً، وانطلقت كالفراشة تقفز بعفوية، مُلَوِّحةً لي بيديها الصغيرتين، مُمسكة بيدها اليُمنى الدمية،

ثم صرحت بصَوتها الطفولي العالي بحماس:

= ستعجبني لأنها من أخٍ لطيفٍ مثلك!

من كلامها، شعرتُ بدفءٍ عميق يحتل جسدي كأنه شعور.. بالراحة؟!.. لا أعلم حقاً.. كنت أراقبها بنظراتٍ هادئة وهي تعبر عن سعادتها بوضوح شديد من خلال حركات قفزها، تلويح يديها، وقهقاتها البريئة التي كانت تملأ المكان وتضفي جوًا من السعادة والبراءة على من حولها من الزهور والأشجار. كانت الدمية تتمايل مع حركات يديها السريعة، كأشجار السرو الشامخة التي تتحدى عصف الرياح. وعلى حين غرة، ساورني تساؤلٌ ساخر تردد صداه في ذهني:

*هل حبك للدمية يقتدي عليها أن تعاني هكذا حقاً؟! *

---------------

نسمة، فتاةٌ صغيرةٌ ورقيقة، بلغت من العُمر الخامسة، ملامحها جميلة، عيناها سوداواتان لامعتان وشعرها أسودٌ متموج كأمواج البحر العاتية. عندما أتأمل حركاتها السريعة والعفوية، أشعر بمدى رغبتها باللعب الدائم والسعيد مع الدمية.

قاطعتُ نشاطها المُفرط منادياً لها بهدوء:

- نسمة!..

ولوّحتُ بيدي اليسرى، مُكمّلاً كلامي بابتسامة لطيفة:

- أعتني بنفسكِ

= وأنت أيضاً!

أجابت بصحبة ضحكة كبيرة وهي تمسك بيد دميتها وتلوح بها لي.

أكملتُ احتساء الحساء، مستمتعاً بتغريد العصافير وهمسات الرياح الباردة، إِلاَّ أَن شعرتُ بشيءٍ غريب، نبضة خفيفة من التوتر سرتْ في جسدي، هناك خطراً ما يلوح في الأفق. توقفت عن الاحتساء، وأدرتُ وجهي نحو الباب بتردد، متمنياً ألا يكون ما أظنه صحيحاً.. وللأسف، كانت هي!.

كانت خالتي تقفُ غاضبة كأنها على وشك الانفجار عند الباب، عيناها تقدحان شرراً، تضع يديها على خصرها وتضرب برجلها اليمنى على الأرض بإيقاعٍ محموم. شعرتُ بالأرتباك، وكأنّ الوقت توقف للحظة.

رأيتُ عروق رقبتها منتفخة من الغضب وهي تصرخ متوجهةً نحوي:

= يا لكَ من مُتأمل! دعني أُريكَ نوعاً آخر من التأمل.. بواسطة يدي!

وهوت يدها على رأسي بقوة، فانحنى جسدي تحت وطأة الضربة حتى تغلغلت لسعتها في أعماقي. أغمضتُ عيني للحظة في محاولة للتماسك، وقلت بنبرة مُتهدجة:

- أ.. أوشكتُ على الانتهاء..

أثناء كلامي، كنت أحاول تقويم جسدي المُتلسع، إلا أنَّ خالتي، مستخدمةً يدها نفسها التي ضربتني بها، أمسكتْ بياقة القميص بأحكام، وسحبتني بعنف لتعديل جلستي عنوة، كأنها بذلك تُعيد تشكيلي من جديد. نظرتُ إليها باستفزاز، كما أفعل دائماً لأغيظها، لكن نظرة القلق الحزينة التي ارتسمت على وجهها هذه المرة جعلتني أشعر بالذنب فجأة.

وبعد صمتٍ قصير، همست لي بصوتٍ خفيضٍ حازم:

= انتهاء وقتكَ للثانوية أقربُ من انتهاءك للحساء، يا كتومي

كلماتي تلاشت، لم أقدر على الرد، نظرة في وجهها جمدتني في مكاني.

تنهدت خالتي تنهيدة خفيضة وحررت يدها من ياقة القميص لتنتزع الملعقة من يدي، وما هي إلا لحظات حتى أخذت تطعمني بسرعة جنونية، كمن يحاول تعويض لحظاتٍ فائتة. كنت أتجرع الحساء على مضض، أشعر بضيقٍ خفيف من حرصها الشديد؛ فحركاتها كانت مزيجاً دقيقاً من العطف والحزم، لا أعلم كيف أمزجتهما معاً بتلك البراعة!.

بعد أن فرغت، وقفت بجانبي كحارسٍ شخصي، تراقبني بنظراتٍ مُسرعة، تتفقد مدى التزامي بما سأقوم به. شعرت بتلك النظرات المُسرعة تراقبني باستعجال ليستجيب لها جسمي على الفور؛ فنهضت بخفة، وأعدت الكرسي إلى مكانه بصمت، ثم رميت بخفة علبة الحليب داخل سلة المهملات بقرب الطاولة، بعدها، تناولت الوعاء والملعقة، غسلتهما بعناية ووضعتهما على سطح الرخام اللامع. لم أكد أستدير، حتى انقضت خالتي على طرف القميص، تجذبني بعنف نحو الممر الضيق. تمايلتُ للحظة، وكدتُ أرتطم بالحائط المقابل، لكنني استقمت برشاقة. توقفت هي، فتوقفت معها استعداداً لتلقي الحقيبة على كتفي، فألقتها بالفعل ودفعتني خارج البيت بيدها اليمنى قائلةً بابتسامة عاتبة شوهها الغضب:

= الله معك، هيا انصرف قبل أن تتأخر – رغم أنك بالفعل متأخر!

وقبل أن أتمكن من توديعها، أطبقت الباب بقوة في وجهي، فارتجت أذنيّ من صدى الإغلاق.

( قد يبدو هذا محرجاً لسرده في حكايتي الفريدة؛ إلا أنها تبقى ذكرى جميلة. )

تنهدتُ بعمق محاولاً استجماع هدوئي، ودعوت الله أن لا تكون غاضبة عند عودتي. أدخلتُ يدي اليسرى في جيب البنطال واستدرتُ مغادراً الباحة. خرجتُ عبر باب السياج الحديدي أبيض الذي يحيط بالمنزل بخجل، وبدأت أسير بخطواتٍ متساوية على الرصيف، أراقب انعكاس ظلال الأشجار المتمايلة على الإسفلت وكأنها تحاول تقليد خطواتي المتساوية.

---------------

كان الطريق نحو الثانوية أشبه بمسرحٍ صغيرٍ صامت، الجميع يتحركون دون أن يعلموا أنهم جزءٌ من مشهدي اليومي. ألقيتُ التحية على صاحب البقالة العجوز، الذي كان دائماً ما يضع الشوكولاتة المفضلة لدي على الرف الأمامي:

- صباح الخير

ابتسم لي قليلاً، دون أن ينطق بشيء. مررتُ أيضاً بالفتاة الصغيرة التي تسقي الأزهارَ دائماً في ذات الوقت كلَّ صباح، في تمام الساعة السابعة والخمسين دقيقة. كانت تَسكُبُ الماءَ بحركاتٍ دقيقة، وكأنها تعالج جواهرَ ثمينة.

ثنيتُ عليها بابتسامة خفيفة:

- تبدو الأزهار وقد نَمَت حقاً!

لم ترفع نظرها نحوي، لكنها أومأت برأسها بابتسامة خجولة، وكأنَّ خجلها ستار يُخفي مدى سعادتها بكلماتي.

كل هذا كان جزءاً من محاولاتي اليومية للأندماج؛ إذ أرغب أن أكون كواحدٍ منهم، شخصاً عادياً لا يثير الانتباه، يعيش حياة بسيطة ويفكر فقط في وجبة العشاء القادمة قبل أن تبرد قهوته المسائية الحُلوة. لكن الحقيقة.. أني كنت أشعر بأني غريبٌ بينهم، كأني مجرد ظِلّ يتحرك على أطراف المشهد.

ثُمَّ أتى ذلك التحول، عند اقترابي من الثانوية حيث تغير كل شيء، من شخصٍ يسير بخطواتٍ ثابتة وسط الجميع، إلى شخصٍ يجد نفسه فجأة داخل محيطٍ يعجُّ بالسجناء، الذين هم طلابُ الثانوية الذين لا أطيقهم، طُلاب..

༺*̥˚ ثانوية القلعة الحجرية ˚*̥༻

تقدّمتُ نحو الثانوية، والتي يحيطها بالكامل سورٌ حجريٌّ شاهقٌ وعتيق يحملُ في تفاصيله ملامحَ تصميمٍ فريد؛ صُمّمَ ليصمدَ أمام اختبارات الزمن.

كان السور يتحدّثُ بصمته، يَنقُلُ شعوراً غامضاً بالعظمة والهيبة، وكأنّه يطلب من كلِّ من يمر على رصيفه الخارجي ملاحظة حضوره العريق.

في منتصف هذا السور، ينتصب إطارٌ حجريٌّ ضخم، يشكل بوابة مهيبة، يتخلله بابٌ حديدي برونزي متلألئ، يَشمَخُ كحارسٍ يترصد كل من يدخل ويخرج من خلاله.

دخلتُ الثانوية بخطواتٍ متناغمة، حيث الساحة الأمامية.

غمرني شعورٌ بالوقارِ والخشية، وكأن المكان يفرضُ عليَّ احترامه.

خطواتي فوق الحصى الخشن أضافت إيقاعاً خفيفاً؛ ليتركَ أثراً خفياً في عقلي.

عيناي، تتأملان الساحة المُمتدى أمامي، في محاولة لفهمِ سرِّ هذا المكان؛ فكلُّ تفصيلة هنا تروي قصة قديمة، محفوظةً في ملامح الحجارة ومواقعها.

وأصواتُ الطلاب من حولي كانت متناسقة مع المشهد، تنتمي إليه دون أنْ تُخل بهيبته.

في نهاية الساحة الأمامية، وقفَ البابُ الحجريُّ المفتوح، إطارٌ صلب بلا باب، وكأنّه مدخلٌ إلى بُعدٍ آخر. تطرقت له بتشوق، لأجدَ نفسي في الساحة الوسطى.

مساحة دائرية واسعة، تُحيطُ بها جدران الثانوية العالية التي تحمل في صمتها عبقَ الزمن.

وسط الساحة كانتْ النافورة الحجرية، مياهُها تنسابُ برشاقةٍ وصفاء، تضفي إيقاعاً منتظماً للمكان.

الجدران الداخلية العالية للثانوية، والتي تشكل حدود الساحة الوسطى، لم تكن مجردَ هيكلٍ صامت؛ بل يتخلَّلُها أبوابٌ ونوافذ خشبية متقابلة، تتلألأ ببريق برونزي خافت، كضوءٍ لامعٍ في الظلام، مصمّمةٌ بعناية؛ فكلٌّ من هذه الأبواب يؤدي إلى ممرات تقودُ إلى الطوابق المختلفة والفصول الدراسية.

التصميم الفريد في الساحة الوسطى بدا وكأنّه لغزٌ معماريٌّ متناغم، حيث أعيدت نفس التفاصيل في كلِّ زاوية لتصنعَ شعوراً بالاتّساق.

مقابل الإطار الحجريِّ للساحة الأمامية، كان هناك إطارٌ مشابه يؤدي إلى الساحة الخلفية، وكأن المكان يعيدُ نفسهُ في نسقٍ يُصرُّ على النظام.

الساحة الخلفية بدت شبهَ معزولة عن كلِّ هذا النشاط. بلا مقاعد أو مظلّات، فقط أرضية من الحصى، وأشجارٌ ضخمة تقفُ شامخة وكأنّها تُراقب المكان بصمت.

في نهاية الساحة الخلفية، تجمّعت بيوت الخلاء، مصطفة ببساطة دونَ أيِّ محاولات تجميلية، تؤدي وظيفتَها ببرود.

زيادة على ذلك، كانت الثانوية تعكس مستوى مدهشاً من النّظافة؛ حتى الأماكن التي عادة ما تُهمل؛ كالساحة الخلفية، كانتْ تحافظ على ترتيبها الواضح، وكأن المكان بأكمله صُنع ليكون مثالاً للنظام.

وعلى أطراف الثانوية كلّها، كانت الأشجار ترتفع، ضخمة ومتناسقة، جذوعها تبدو كأنّها أعمدة قلعة مهجورة، ظلالُها تمتدُّ بتفاخرٍ وكأنّها تقول:

" نحنُ هنا لإبهاركم! "

شعرت أنني على وشك أن أُصفّقَ لها، لكنها بالتأكيد لم تكن بحاجة لتصفيق أحد، فهي تؤدّي عرضها الخاص دون أنْ تطلب شيئاً.

--------------

دخلت بتشوقٍ من خلال الإطار الحجريِّ المفتوح المُطلِّ على الساحة الوسطى بخطواتٍ متأنية وملامح تأمُّلية؛ مستعدًّا لمواجهة التفاصيل التي تستحوذ على حواسي.

كانت الساحة الوسطى دائماً ما تحملُ في طياتها سحراً خاصاً يسرقُ أنفاسي، بل يشوّشُ عقلي؛ ففي كل مرة أدخلُها، بالكاد أستطيع أن أصف مدى أناقتها الشكلية، طبيعتها الراقية ودقتها المعمارية!.

كنتُ أشعرُ دائماً عند دخولي من الإطار الحجريِّ المفتوح أنَّها ترحبُ بي وتقول بغرور:

" مهما دخلتَ إليّ، لن أفشلَ أبداً في إبهاركَ بجمالي! "

وهي حقاً لم تفشل أبداً في هذا!.

خطوتُ على رصيفها الحجريِّ، الذي يثير الشرود بتناغم أحجاره الرمادية رغم تباينها، تماماً كلوحة فسيفسائية تنطق بجمالها، حيث يتردد صدى الوحدة في قلب الاختلاف.

في محيط الساحة الوسطى، توزّع الطلاب على المقاعد الخشبية.

هناك مَن كان يتبادل الضحك والحديث، وهناك مَن جلسَ وحيداً، يتأمل كتابه أو يحلُّ واجباته في عزلةٍ هادئة.

كل لحظة هنا تضيف لمسة من السحر الذي يجمع بين الحضور البشري وعناصر الطبيعة المحيطة.

مشهدٌ واحد ينبض بالحياة دون أي تمييز أو انقسام.

عند نهاية الرصيف، انتصب بابٌ خشبيٌّ شامخ، بلونه الدافئ الذي يذَكِّر ببريق البرونزيِّ الخافت، منتظراً أن يأخذني إلى الممرات المتشابكة؛ قلب الثانوية بأكملها.

لقد كان هذا الباب، بوابتي السرية إلى أعماق أفكاري؛ حيث تتفتح في كل مرة أدخله، لَحظاتٍ أعشقها، تقودني في رحلة عبر متاهة من الذكريات والأسرار، تنبض بالغموض والإثارة.

خطوتُ عبر الباب الخشبي، وقلبي يخفق بقوة في صدري، والممرات المتشابكة تمتد أمامي إلى ما لا نهاية، حتى أن تناقض الرصيف المتقن انعكس على حوائطها، فبدت وكأنها مرآة تعكس.. ذكريات الطفولة؟!. كانت الحجارة الرمادية تتناثر بانتظامٍ مُدهش على الجدران، وكأنها صورٌ خافتة من الماضي. وعندما تسللت أشعة الشمس بخجل من خلال النوافذ الخشبية، أبرزت تفاصيل تلك الجدران وألقت ظلالها على الأرضيات اللامعة، فتذكرت لحظاتٍ لا تُنسى، قضيتها في هذا المكان، لحظات خُطّت في ذاكرتي لتبقى.. إلى الأبد؟!

يا لهذه اللحظة!، أشعر وكأنني أسير في امتدادٍ حيٍّ لأفكاري، مستمتعاً بتلك الأصداء التي تنبعث من خطوات الطلاب وأحاديثهم، لتضفي بدورها على المكان إحساساً بالمكانة والرهبة، وهو ما يعكس طبيعة الممرات الجوهرية.

* كم هو عظيم، هذا الشعور الذي يحبسني بين الانبهار والتأمل! *

وأخيراً، وصلتُ إلى الغرفة الصفّية التي أدرسُ فيها. وقفت عند الباب، وألقيتُ نظرة نحو الساعة المُعلّقة فوق السبورة، ثم تمتمتُ بهدوء:

- خمسُ دقائق

رغم انشغالي بصباحي المليء بالتفاصيل الصغيرة، كمحادثة عابرة مع نسمة وحرب الحساء مع خالتي، إلا أنني دائماً ما أصل قبل الموعد؛ لأنني ببساطة لا أتأخر أبداً عن مواعيدي، فإيقاعي الخاص يتميزُ بدقتهِ وانضباطه.

دخلتُ الفصل بصمت، متجاهلاً كلَّ الضجيج من حولي، ومتجهاً نحو المقعد المفضل لدي في الصفِّ الثالث، في المنتصف، ذلك المكان كان يشعرني بالراحة؛ لأنه يبقيني بعيداً قليلاً عن الضوضاء في الصفوف الأخيرة والأمامية، وقريباً بما يكفي لمتابعة كل تفاصيل الدرس مع المعلمين.

---------------

مع اقتراب انتهاء الخمس دقائق المتبقية قبل بدء الحصة الأولى، كان الفصل يَعُجُّ بالهمهماتِ المعتادة؛ أَصوات الطلاب تتداخل بين حديثٍ جانبي وضحكاتٍ مكتومة، بينما بعضهم كان يكتبُ على السبورة بخطوطٍ عشوائية. لم أستطع منع نفسي من ملاحظة كيف كان كلُّ هذا النشاط يبدو منظماً وفوضويًّا في الوقت ذاته، وكأنّ الجميع يلعبُ أدواراً مألوفة في مسرحية يومية مملة.

في خضم هذا المشهد، كانت أصواتُ الطباشيرِ على السبورة تتداخل مع تقليب الأوراق وضرب الأقلام بخفة على الطاولات، ليضيف كلُّ ذلك إيقاعاً قاتلاً يتردد وقعه في رأسي، طنينٌ مزعج، لا يسمعه أحد غيري.

الهواء كان مشبَعاً برائحة الورق والطباشير، وأراهن أن تلك الرائحة وحدها كانت كافية لتُخبرك أنك في ثانوية، مهما حاولوا أن يجعلوها مثالية.

الضوء الخافت القادم من النوافذ الخشبية كان يحمل جديّة غير مُريحة، وكأنه يُصر على أن يذكّرنا بأننا هنا لنتعلم.. أو لنُعاقب؟!، على الأقل هذا ما شعرت به.

وَسطَ كُلِّ ذلك، شعرتُ بعيونٍ تُراقبني، لم أكن بحاجة إلى رفع نظري لأدرك أنهم قادمون نحوي. مجموعةٌ من أربعة طلاب، كانت وجوههم تحمل مزيجاً من الجدية والتهكم، عيونهم تلمع بنظرات لا تبشر بالخير، كانوا يسيرون معاً بخطواتٍ مُنسجمة وكأنهم وحدة واحدة تشقّ طريقها بثقة.

جبّار، ويا له من اسمٍ يناسبه تماماً!، كان هو من يقودهم، طويل القامة، قويُّ البُنية وذو شعر أشعث وكأنه دائماً خرج للتو من معركةٍ مع مشط.

تظاهرتُ باللامبالاة، مواصلاً النظر إلى الفراغ أمامي بتذمر خفي، مانحاً إياهم فرصة للتفكير فيما سيقولونه لي عند وصولهم.

الهواء من حولي بدأ يثقل، لكنه لم يكن كافياً ليزعزع إيقاعي المتماسك.

توقف جبّار أمامي، ظله الهائل أسقط ظلامه عليّ كسحابة سوداء خيمت فوقي، رفعتُ نظري ببطء، وبنظرة استخفاف مسحتُ وجهه من الأعلى إلى الأسفل، كان رفاقه خلفه يتبادلون النظرات والابتسامات الخبيثة بينهم وكأن هذا يلمح لي بشيء جديد ليس كالمعتاد. وضع جبار يده على طرف مقعدي وانحنى قليلاً ليحاذي وجهه وجهي، وحدق بي بعيونه السوداوتان بتهديد واضح مبتسماً باستهزاء، لكنني لم اسمح له بأن تكون له اليد العليا هنا؛ فقد كنت انافسه بذات نظراته – وبالطبع، انا الغالب هنا.

ثم صرح لي بنبرة خافتة، كالمعتاد، بذات العبارة المملة المشحونة بثقل يهدد أكثر مما يطمئن:

= في وقت الفسحة، الساحة الخلفية. لا تتأخر!

لم يكن هذا جديداً؛ لطالما وجدوا متعة غريبة في استدعائي كما لو كنت جزءاً من جدولهم اليومي. ومع ذلك، شيء ما في تلك اللحظة كان مختلفاً، أثقل مما اعتدت عليه.

لم يكن هناك مجال للرفض، فالنبرة وحدها كانت كافية لتجعلني أوافق كالمعتاد دون نقاش.

༺*̥˚ وقـــت الـــفـــســـحـــة ˚*̥༻

وها أنا هنا، في الساحة الخلفية، أراقبُ مُحيطي بحذر، مُنتظراً مُجبراً، فقط لأنني لا أملكُ شيئاً آخر لفعلهِ في وقتِ الفُسحة سوى القدومِ إلى هنا يوماً بعد يوم، لأنتظرَ وأنتظرَ وأنتظر، على الرغم من أنَّ جبار يقولُ دائماً لي بكلِّ ثقة: " لا تتأخر! "، إلا أنهُ هو دائماً ما يتأخر عن الموعد خمسَ دقائق، وكأنهُ يقولُ لوقت الفُسحة:

" أرجوكَ انفذ، لا أودُّ مواجهته! "

لكن، الأهمُّ هنا؛ هل يمكنُ لشخصٍ يُعطي مثلَ هذا الأمر التافه أنْ يتأخرَ بنفسهِ كلَّ يوم بدون أيِّ سبب؟!، أظنُّه قد سَئِمَ من عدم اهتمامي أو امتثالي لرغباتهِ الضعيفة، لكن ما يزعجني أكثر من تضييع وقت الفُسحة بالانتظار، وإجباري على تنفيذِ طلبه، هو تأخره!، على الأقل، ليأتي أحدٌ من رفاقه؛ سأرضى بذلك!، سخافة!، يبدو أنَّ جبار يُتقنُ فنَّ الفلسفةِ العملية؛

كن متأخراً ولكن اطلب من الآخرين ألا يكونوا كذلك!.

---------------

وبعدَ استسلامي لقضاء تلك الخمسِ دقائق من تأخرهم، بدأتُ أراهم يدخلونَ البوابةَ متوجهينَ نحوي. كانوا يتقدّمون بذات التشكيلة: جبارٌ في الأمام، وعلى جانبه الأيمن رعد، الذي يتميز بطوله المتوسط وسرعة حركاته غير المتوقعة، فقد علمتُ مؤخراً أنه يأخذ دروساً في الكاراتيه منذ زمن طويل، وهذا يفسّر عينيه اللتين تمتلئان دائماً بحماسٍ مشاغب، وكأن هذا الحماس هو طريقته في إبلاغ الجميع بأنه مستعدٌّ دائما للقتال، حتى لو كان خصمه مجرد ذبابة تُحلق بالقرب منه.

( لا أستبعد أن يقرر يوماً ما تحدي الرياح في مباراة سرعة!. )

ورائد على جانبه الأيسر، بطولٍ يماثل طول جبار، حوالي مئة وخمسة وسبعين سنتيمتراً، لكنه كان يجيد استغلال هذا الطول في استفزاز الآخرين بدلاً من أي شيءٍ مفيد.

رائد، أكثر إنسانٍ مستفزٍ وخبيثٍ هنا، وكأنه وُلد ليكون مصدر إزعاجٍ متنقل؛ فدائماً ما يلقي الإهانات والكلمات المشحونة بالعداوة، وكأنّ هدفه الأسمى هو إشعال فتيل الصراعات بين الجميع. وأكثر ما يميزه أثناء ذلك، حركات يديه السريعة بينما يتحدث، وكأنّه ساحرٌ يحاول إقناعك بأنّ السم الذي يسكبه في أذنك هو شرابٌ منعش؛ أنا متأكد أن هذه طريقته في الإقناع!.

( أو ربما هي مجرد هواية يتقنها ببراعةٍ مزعجة!. )

وأظنُّ.. إنْ كان هناك، ذلك الشخصُ الرابع في الخلف حقاً، الذي يتبعُهم إلى أيِّ مكانٍ كظِلالهم، لا أعلمُ حقاً ماذا أقولُ عنه!، فلم أكن يوماً متأكِّداً من وجوده؛ هل هو شخصٌ حقيقي أم مجرد شعورٍ دائم بأنَّ هناك أحداً ما؟! – لا كلمة، لا حركة، لا شيء يثبتُ وجوده، وكأنَّهُ محضُ ظلٍّ يتبعُهم بصمتٍ مطبق، يُخفي نفسَهُ في الخفاء.

هذا الرابع، أو ما أُفضِّل تسميتَهُ بالظل، وجدَ ملاذَهُ بينَ ظلالِ هذا العالم، لا لأنَّهُ ينتمي إليها، بل لأنَّ شِدَّةَ عدم الإحساس بوجوده جعلتْهُ يتقنُ فن الاندماج بإتقانٍ يُليقُ بشيءٍ لم يُلاحَظ أصلاً.

( عدا أن الظلُّ أحياناً قد يكونُ مرئياً وواضحاً!. )

كنتُ أستطيع أنْ أرى ابتساماتِ السُّخرية المرتسمة على وجوههم من مكاني الذي يبعُدُ عنهم عشرةَ أمتارٍ فقط، كانت واضحة بشكلٍ جعلني أرغَبُ بالنظرِ إلى الحشرات الّتي تمشي على العُشب؛ فعلى الأقلِّ، هنّ مشغولاتٌ بأمرٍ يُستحقُ النَّظرَ إليهنّ ومُراقبتَهنّ، عكس تلك الابتسامات المقرفة التي تقتربُ نحوي بكلِّ ثقةٍ مزيَّفة.

- هآ..

عيناي في تلك اللحظة كانت تفضل الحشرات على الأرض، تلكَ الكائنات الصغيرة التي تعمل بتناغم، وكأنَّها جيشٌ مُنظم يهدفُ لإنجازِ أمرٍ يستحقُّ الاحترام. كنتُ أراقبُها بإعجاب – وكأنها تمنحني هروباً صغيراً من المشهد الذي أعرفُ نهايتهُ مسبقاً؛ إلى أن قاطعوا تلك اللحظة، عندما أحاطوني بذاتِ الإحاطة المملة المعتادة؛ جبارٌ في المنتصف، رعدٌ على اليمين، رائدٌ على اليسار، وذلكَ الظلُّ وراءهم، كما لو أن وجودهُ هناك مجرد عادة لا أكثر.

رفع جبّار رأسه لينظر إليَّ باستصغار، ثم بصق على الأرض – يا له من وقح!، قطع بسخافته تناغم جيش الحشرات المنظم الذي كان يتحرك بانسجامٍ أسفلنا!. لم يُطل رفع رأسه ذلك حتى أخفضهُ قليلاً ليوازيَ رأسي؛ وذلك ليس فقط لأنِّيَ أقصرُ منه بخمسة سنتيمترات، بل أيضاً؛ لأنَّ رأسه لم يُرفَع قَط!.

---------------

كانت عيناه حادتين بشكلٍ لا يوصف، حتى أنني بالكاد استطعت رؤية بؤبؤِيه. ومع ذلك، لم أترك لنظراته اليد العليا؛ بل بادلتُه ذات النظرات، نظراتٌ حادة تماثل حدّة سلاحٍ يُشهَر في وجه عدوه.

كان هذا التحديق البارد بمثابة حوار صامت يتصارع فيه الكبرياء والعناد؛ فمهما تصنعت عيناه من تحدٍّ أو تلاعب، سأردّ عليه بذات القسوة؛ فليس من العدل أن تكون خشبة المسرح له وحده!.

في أثناء تحديقي بهم، شعرتُ بداخلي بأنَّ الشعور الذي أشعر به الآن.. مُختلفٌ تماماً، ليس كما أعتد عليه، يشتت تركيزي ويزداد ثقلاً مع كل ثانية تمر، كأنه وحش يكبر تدريجياً، يضغط على صدري ويُحدث ضجيجاً لا ينتهي في رأسي من الأفكار المتشابكة!..

* ما الذي ينوون فعله هذه المرة؟!، هل هم في طور تخطيط أمرٍ ما؟!، أمر جديد وغير متوقع؟!؛ فليس الأمر مجرد محاولة لاستعراض قدراتهم أمامي!، هل سيُقدّمون على خطوة أكبر - إلى حد الاعتداء عليّ؟!.. ومن الذي سيجرؤ من هؤلاء الأوغاد على اتّخاذ مثل هذه الخطوة الناقصة؟! – لا شك أنني سأقطع يده قبل أن يُحركها حتى! *

مهلاً؟!.. ما هذا الشعور الحاد الذي يخترقني؟!

رغم الاضطراب الذي أحدثته أفكاري المتشابكة في تركيزي، إلّا أنّني استطعتُ أن أرى جبّار يبتلعني بعينيه، لأن ببساطة تَصرُّفي البارد كان كطعنةٍ في كبرياءه؛ فكيف لي أن أرمُقَهُ بذات نظراته؟!، سخافة!.

وكما ذكرتُ سابقاً، ذلك المُستفز رائد زادَ من سَخَط جبَّار؛ إذ ألقى كلماتٍ ساخرة وهو يرفعُ يديهِ ليضعَهُما خلفَ رأسه:

≠ أحقاً ما تراه عيناي؟ ذلك السلعوق لا يُبالي بمن يقف أمامه! على الرَّغم من قُدومهِ المستمر إلى هنا، إلّا أنَّهُ لا يستوعب مدى تفوقك عليه، جبار!

كانت كلماته كافية لتُشعل فتيلَ الغضب في أعماق جبار، لكنه لم يتوقف، بل أكمل بنبرة حادة مليئة باليقين، وعيناه تخترقان جبار بسخرية لا تُطاق:

≠ من الواضح أنه لا يهتم لوجودك.. وكأنك لا شيء.. كحشرة تافهة بصقتُ عليها قبل قليل!

قاطعتُه بابتسامة واثقة وأنا ألوّح بيدي باستهزاء:

- حشرة؟!، دعنا لا نظلم الحشرات!؛ فعلى الأقل، تعرف الحشرات كيف تُسيطر على المواقف وتُحدث فرقًا.. أما هو؟! – هه، فبالكاد يُذكر!

رائد، وكأنه وجد في كلماتي وقوداً جديداً، التفت نحو جبار وقال بابتسامة خبيثة:

≠ هل سمعت هذا، جبار؟ حتى ذلك السلعوق الذي يقف هناك لا يرى فيك شيئاً! – أتعلم ماذا؟

اقترب منه خطوة واحدة وأكمل بنبرة خافتة مشحونة بالتحريض:

≠ ربما هو محق – ربما أنت مجرد حشرة!

اشتعلت عينا جبار كالجمر، وتقدم بخطوة ثقيلة نحو رائد، لكن الأخير رفع يده كأنه يُوقفه، ثم قال بنبرة هادئة تحمل سُماً خفياً:

≠ لا، لا!،

لا تُضيع غضبك عليّ. انظر إليه، ذلك الذي يقف هناك بكل غرور.

أليس هو السبب في كل هذا؟ أليس هو من يُقلل من شأنك؟

تشنجت عضلات جبار، واستدار نحوي مع بروز عروقٍ على سطح جلده، نظراته كانت كالسكاكين التي يتمنى لو كانت حقيقية لتطعن بي:

= أنت، أيها السلعوق! تتحدث وكأنك فوق الجميع ربما حان الوقت لأريك من أنا!

صاح بها بجُحورٍ عميق، لكنني لم أهتم لذلك، وبادلتهُ بابتسامةٍ خفيفة، بينما أُميلُ رأسي لليسار احتقاراً بوجودهم:

- فوق الجميع؟! – لا، أنا فوق كل ما يمكن أن تتخيله، والجميع يعرف ذلك لكن بعضهم يرفض الاعتراف بهذا الواقع وأولهم، أنت!

رائد ضحك ضحكة قصيرة، ثم أضاف بمكر:

≠ هل ترى؟ حتى هو لا يأخذك على محمل الجد. ربما عليك أن تُثبت له العكس، أو ربما - عليك أن تُثبت لنفسك أولًا، جبار!

ازداد غضبُ جبَار بشكلٍ واضح، وكأنَّ هالةً من اللَّهَبِ تلتفُّ حوله، تُهدِّدُ بابتلاع كلِّ شيء في محيطها. كان الهواءُ من حولنا يزداد ثقلاً، وكأنَّ الغضبَ نفسه قد أصبح ملموساً. رائد، بابتسامته المستفِزَّة، كان يضحكُ ضحكةً قصيرة، وكأنَّهُ أخيراً انتصرَ في حربٍ دامت عقداً، في حرب لم تكن معلنة حتى.

---------------

صرخَ جبّار بصوتٍ مزلزِل موجِّهاً غضباً حارقاً نحوي:

= أيها السلعوق، كيفَ تجرؤ على عدم احترامِ كياني؟!

ابتسمتُ باستنكار، ورفعتُ حاجبي الأيسر بتحدٍّ واضح، ثمَّ أجبتُ بنبرة استفزازية تضاهي استفزازَ رائد:

- ماذا؟!، كيان؟!، وأمامي؟!، ما هذا السُخف؟!..

توقفتُ للحظة، ثمَّ أكملتُ كلامي بنبرة عميقة مصحوبة بنظرةٍ حادَّة:

- أنا لا أراك أساساً لِتُعتَبر كياناً أمامي!، عذراً – فمن أنت؟!

لم ألحظ أي استجابة من أحد، فقط وجوهٌ باردة بابتساماتٍ مستفزة، طغى عليها ابتسامة جبّار الجامحة.

دونَ أيِّ تفكير، اقتربَ جبّار مني بخطواتٍ قويَّة مسموعة، وضربَ بيدهِ اليُمنى على الحائطِ بجانبِ رأسي. تطايرَ الغبارُ المُختبئ داخلَ حجارة الحائط العتيقة، وكأنَّ الحائطَ نفسه قد تنفَّسَ غضبَ جبّار. امتزجَ الغبار بنسماتِ الهواءِ العليلة لينتشرَ في كلِّ مكان، لاحظتُ في هذه الأثناء، انعكاس ضوء الشمس على الغبار المتطاير، مشكلاً هالةً رمادية كثيفة تُحيط بنا وتزداد كثافة كلما تحرك جبّار بعنف.

نظرتُ إلى يدِه التي ارتجفت للحظة من شدَّةِ الضربة، ثم رفعتُ بصري نحوَ عينيه المُشتعلتين، اللَّتانِ تُهدِّدانِ بابتلاعِ كلِّ شيءٍ أمامَهُما.

بصقَ جبّار مرة أخرى على الأرض، وكأنَّها إعلانُ حربٍ حقيقية، ثم قالَ بصوتٍ عنيف يفيضُ بقسوةٍ مُلتهبة:

= يبدو أنك تريد أن تدفع الثمن..

قاطعته قبل أن يكملَ كلامه، وقلتُ بنبرة هادئة مُستخفة:

- أن أدفعَ الثمن؟!؛ لعلاجِ يدكَ التي تحطمت بفعلِ ضربِكَ للحائط؟!..

أكملتُ كلامي وأنَا أُخفِضُ جفوني قليلاً:

- هه! – لا مانعَ لدي!

صمتت تعابير جبار، وارتفع صوتُه بضحكةٍ هستيرية، وكأنَّها صدى لبداية الحرب التي أُعلنت.

وعلى غير العادة، وبدون أي مقدمات، سحب يده اليمنى بسرعة ولكمني بها على وجهي بِبَطش. شعرتُ وكأنَّ صاعقةً اخترقت وجهي، الألم كان حاداً ومفاجئاً، وكأن عظامَ صدغي قد تصدعت تحت وطأة الضربة.

سقطتُ على الأرض بقوة، وارتطم رأسي بالعشب البارد.

أنفي بدأ بالسيلان، وشعرتُ بالدفء اللزج للدم وهو يتدفق بانسيابٍ على شفتاي.

حاولتُ أن أتنفس، لكن الهواء كان ثقيلاً، وكأن شيئاً غير مرئي يضغط على صدري.

سمعتُ ضحكاتهم تتردد في أرجاء الساحة، تزيد من ثقل الموقف على روحي.

جبّار، بعينين مشتعلتين بالنصر، جلس أرضاً ليحاذي وجهي، أمسك بربطة العنق التي تخنق رقبتي وسحبني نحوه بقوة خاطفة، حتى شعرتُ بحرارة أنفاسه على وجهي؛

ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه مَليءٌ بالتهديد:

= أنت – لا تعرف من أنا بعد، أليس كذلك؟

سأجعلك تعرف الآن أيها السلعوق من هو سيدك!

ثم نهض فجأة، وسحبني معه بإجبار من ربطة العنق، ليلقي بي بسخط على الحائط.

ارتطم ظهري بعنف مبالغ، وشعرتُ وكأن دِعامة ظهري قد كُسرت!.

الألم كان لا يُطاق، وبؤبؤاي ارتفعا إلى الأعلى من شدته، شعرتُ بشيء ساخن في فمي، قبل أن أبصقَ بعض الدمِ على العشب، ليمتزجَ مع دَمِ أنفي.

الألم كان يسيطر على كل شيء، كل نبضة في جسدي كانت تصرخ، وكل حركة بسيطة كانت تزيد من حدة الوجع؛ حاولتُ أن أرفع رأسي، لكن ثقله كان لا يُحتمل، وكأن العالم بأسره قد استقر فوقه.

شعرتُ بطعم معدني في فمي، وبلعتُ بصعوبة، فقط لأكتشف أن الدم قد بدأ يتجمع في حلقي.

في تلك اللحظات، لم أكن أسمع سوى دقات قلبي المتسارعة، وكأنها وقع حرب أخرى تُعلن عن معركة داخلية بين الألم والبقاء. حاولتُ أن أفتح عيني، لكن الرؤية كانت مشوشة، وكأن الضربة قد تركت بصمتها على كل شيء أراه.

شعرتُ ببرودة الأرض تحتي، لكنها لم تكن كافية لتخفيف الحرارة التي اشتعلت في جسدي.

ثم، وسط هذا الألم، سمعتُ صوتاً بعيداً، ضحكاتهم!، كانت الضحكات كالأسهم الصائبة التي تخترق أذني وتزيد من إحساسي بالعجز. حاولتُ أن أتحرك، لكن كل عضلة في جسدي كانت ترفض التعاون، تستسلم للألم الذي ينهشني بلا رحمة.

لم يكتفِ جبّار بهذا، بل قبض على عنقي بكل وحشية، وسط بصقي للدم المُختلط مع أنفاسي المتقطعة. شعرتُ وكأن أصابعه الحديدية تحاول أن تمحو الهواء من رئتي تماماً، وتحشر الدماء في مجرى تنفسي. حاولتُ بجهدٍ يائس، بحركة غير إرادية وسريعة من يديّ، أن أحرر نفسي من قبضته، لكن جسدي كان يخونني، وطاقتي كانت تتلاشى.

لم يكتفي هذانِ الاثنان على رؤية جبّار يأخذ كل المرح لنفسه، إذ سرعان ما جاء رائد، بابتسامته المستفزة التي لم تفارق وجهه لثانية واحدة، ليمسك بيدي وقدمي اليمنى، في اللحظة ذاتها، انقضَّ رعد على جانبي الآخر، مثبتاً يدي وقدمي اليسرى، قبضته كانت قوية، وكأنها مصممة لتثبتني في مكاني. كانوا ككيانٍ واحد يتحركون بتناغمٍ مرعب لضمانِ عدمِ مقاومتي!.

رغم الألم الذي كان ينهشني بلا رحمة، ورغم الدمِ الذي كان يملأُ فمي والعشب الأخضر، رفعتُ بصعوبة نظري نحو جبّار، نظرتُ إليه بعينين مليئتين بالتحدي، رافضاً أن أُظهر أي ضعف أمامهم.

وبصوتٍ متقطع لكنه يحمل نبرة غرور واضحة، صرّحت:

- هـ.. هل هذا كل ما لديكم؟! ثلاثة ضد واحد؟! – يبدو أنكم بحاجة إلى أكثر من ذلك..

لإِسقاطي!

---------------

لاحظتُ أن جبّار أفلتَ عنقي بملامح باردة هادئة، كان الأمر غريباً لوهلة، لكن لا وقتَ لي للانبهار؛ فبدأت بالسعال مستغلاً هذه الفرصة لإخراج الدم المحشور في حلقي قبل أن أدركَ أنَّهُ لم يفعل ذلك إلّا ليتأكد من انهياري تماماً.

( أو ربما ليمنحني لحظاتٍ وهمية قبلَ القتل!. )

كنتُ أسعلُ بقوة، ببصق الدم المتجمِّع في حلقي. كان وجهي شاحباً، وملامحي باهتة، على عكس نظراتي المملوءة بالأصرار والصمود. حاولتُ أَن أُسنِدَ ظهري على الحائط بينما يُمسكانِ بي؛ لأجمَعَ شتاتي وأستعيد سيطرتي؛ إلا أن رائد تركني وعاد إلى الخلف، وضحكاتُهُ كأنَّها تهمسُ لي باستهانة: " لا تتوقعْ الكثير أيها السلعوق! ". أيقنت أن القادم أسوء؛ فحاولت أن أحلل المحيط من حولي لأخذ زمام الأمور قبل أن يسوءَ الأمر أكثر.

لكني.. لم أكن أرى بوضوح سوى بعينٍ واحدة؛ فقد استسلمتْ عيني الأخرى للألم المُستَحكِمِ في جسدي.

وعلى حين غرة، انقضَّ عليَّ رعد كالوحشِ الكاسر!، أمسكَ بعنقي وسحبَني دُفعةً واحدة إلى الأرض الصُلبة، وهو يرمُقُني بازدراءٍ واضح. وقبل أن أحاولَ أن أصنعَ أي مقاومة، لكمني بقبضتهِ الحديديةِ على صدغي، بنفسِ قوةِ ضربةِ جبّار، لكنَّهُ لم يَكتَفِ بواحدة!؛ بل أشتعلت روح المواجهة بداخله لتتوالى ضرباته كالسياطِ بلا رحمةٍ وبلا توقف على وجهي، وهو يضغطُ بِرُكبتهِ على صدري ليمنع الهواء من الخروج والدخول، وكأنَّ هدفَهُ الوحيد هوَ خنقُ أنفاسي لتموتَ مع دمي المُحتَبَس!.

رفعني رعد من الأرض، ليستقرَّ رأسي تلقائياً على كتفهِ بثقل. ثمَّ قبضَ بكلتا يديهِ بصلابة على كتفيَّ، وقفزَ ورائي. ومن هناك، أحكمَ القبضَ على ذراعيَّ، لواهما بشدة وراء ظهري، وأدخلَ ذراعيهِ بينهما، كسلاسلَ حديدية تُكَبِّلُني بلا فَكاك!. وفي الوقتِ ذاته، ضغطَ بِرُكبتهِ الحجرية على ظهري ليركزني بها؛ ضماناً لئلّا أسقط تحتَ وطأةِ تراخي جسدي.

= انظروا، انظروا.. مَنِ الذي وصلَ أخيراً إلى مقامه!

صرخَ جبّار بها بِعلُوٍّ شديد، بينما يرفعُ رأسهُ ويداهُ عالياً، يتباهى بأمرٍ لم يَقدِر على فعلهِ بنفسه!. ضحكَ رائد ورعد، لكن كُلَّ ما كانت تَلتَقِطُهُ أُذناي هو تداخُل أصواتِهم مع أصوات الطييعة من حولي، لتشكل رنيناً مُزعجاً في رأسي!. الأصواتُ مُختَلِطة بحدَّة جعلتني أشعر برغبة شديدة بالتَّقيُّؤ، كصوتِ احتكاكِ الأظافر بلوحٍ خشبي!.

نظرتُ بذاتِ نظرة التحدي إلى صورهم المشوَّهة، وهذه المرة كانت مَمزوجة باستهانة تَتَرَبَّعُ في عيني الوحيدة!؛ أما أُختُها فقد انطوتْ على نفسها، حَالِةً بينَ جفونها الألمَ المُدمِعَ المُستَكِّن!؛ فرغم هذا الوضع، سواءٌ كنتُ سأموتُ بينَ أيديهم أو بأيدي غيرهم؛ فلن أسمحَ لأيِّ أحدٍ أَن يستصغِرَني!.

بعيني الصَّامدة، كنتُ أرى صورهم المشوهة وشفاهَ رائد تتحرَّكُ مخاطبةً جبّار، يخاطبهُ بنفس ابتسامتهِ السَّاخرة، أيقنتُ فوراً هنا، أنهُ يقومُ بشحنهِ وتحريضهِ عليَّ مرةً أخرى. وتأكَّدَ يقيني تماماً حين التَّقَطَ جبّار صخرة ضخمة من الأرض ورمى بها على صدغي، لتكون هي القاصمة التي رجت رأسي بارتجاجٍ عنيف!.

تداخلت المشاهد، الذكريات والأصوات في فوضى عارِمة!.

انفَتَحَ صدغي، وسال الدم بتدفقٍ مرعب على الأرض، مُمتَزِجَةً بدمِ فمي وأنفي، لِتُشَكِّلا بُحيرةً من اللون القاني المرعب!.

حينها، لم أَعُد أطيقُ حَمْلَ نفسي أو أن أبقى صامداً بوهن، كُلُّ ما كنتُ أشعرُ به؛ هو قوة الضربة التي ترنُّ في رأسي بلا انقطاع، كَإعلانٍ حاسمٍ بانتهاء الحرب وهزيمة العدو!.

جبّار ذلك الوغد، لم يكتفِ بما فعل، بل كان مثل رعد لا يعرف الراحة ولا الإنتظار.

رفعَ رأسي بطبقِ يدهِ على ذقني، بضغطة كادت أسناني تتداخل وتتكسَّر من شدتها.

نظرتُ إليهِ بعينٍ تائهة غير واضحة الرؤيا..

ما كان يبدو لي هو.. شفتاه، تتحركان بلا صوتٍ وبلا معنى..

لا أستطيع سماع أي صوتٍ البتة.. فقط أسمع طَنيناً مزعجاً وَ.. مُخيف!..

وفجأة، قاطعَهُمْ صوت.. ذلك الشخص الرابع..

قَالَ لهُ كلمة ما، فتحولت ملامحُ جبّار مِنَ الغضب الطَّاحن إلى استياءٍ يعتصرهُ الحذر الشديد؛ فسحبَ يدهُ عن ذقني بقوة، وما أن تحرَّر رأسي.. حتى اعترَتني دوخةٌ قوية..

أخذَ رأسي يهوي وعنقي يستكين، حتى انطويتُ على الأرض بكلِّ خفَّة، مُلْقى على بُحيرة الدَّمِ القاني..

جسدي أَخيراً قد لَمَّ شَمْلَه.. وعادَ يلتقي بدمهِ الذي تفرَّقَ على العشب الأخضر الناعم..

* أشعر بالنعاس، كم أ.. أرغب بالنوم.. وأن.. أسترخي فحسب.. *

---------------

- هآ.. رأسي

جسدي مُثقلٌ كالصخر، ويغمرُهُ سائلٌ بارد بلطف يكادُ يكونُ مؤلماً،

* ما.. هذا الذي تحتي؟! *

حاولتُ تحريكَ أصابعي بصعوبةٍ بالغة، أقلبُ راحةَ يدي لأستكشفَ هذا الشيء الذي يحتضنُني.

ثُمَّ، همستُ وأنا لا أكادُ أصدقُ ما يحدث:

- ماء؟!..

* لكن.. لماذا لم تَبْتَلّ الثياب التي أرتديها؟!، ولماذا.. جسدي يَغلي وكأني أشتعلُ من الداخل؟! *

الحرارة بداخلي لا تُشبهُ أيَّ شيءٍ أعلمه، كأنَّ نيراناً صامتة تسري في عروقي، وتَصْهَر عظامي تحتَ وَطأةِ لهبٍ خفيّ!

أشعر..

بنشيج الرياح يدور من حولي، ويحمل في طَيَّاتِه أمراً غريباّ.. أمر، يجعلُ كلَّ حواسي مُعَلَّقة في حالةٍ من الضياع والحذر!..

* لماذا لا أستطيع فتح عينيّ؟!، لماذا هما مغلقتان بقوةٍ تُفاقِمُ إِرادتي! *

¶ وهو كذلك!

* ما هذا الذي أنا به؟! – أنا لا أفهمُ أيَّ شيء!، أو بالأحرى.. لا أدركه! *

¶ بل تُيقِّنُهُ!

* أين أنا؟! *

¶ هُنا

* أينَ.. هُنا! *

بدأتْ الذكرياتُ تعصفُ بي كالإعصار، تسترجعُ ما حدثَ لي، لكن.. بصورة مُقطَّعة ومبعثرة:

¡? ساحة.. شجر.. أربعةُ أشخاص.. دم ¿!

- دم!

* لماذا يوجد دم! *

¶ لأنَّه ضَيفُنا الأولى والأعْزَم!

الظلام يعانق كُلَّ شيءٍ من حولي، ولا شيء يَلُوحُ في الْأُفُق.

أشعرُ بالعجز.. عجزٌ تام، وكأنَّ هذا العجز تلبسني كجلدي، يرفض التخلي عني!،

قلبي يخفِقُ بجنون، يَصرُخُ خروجاً من بينِ أضلُعي!. حاولتُ فَتحَ عينيّ، لكنَّهُما تأبيان، أسيرَتانِ لظلامِ جفنيَّ، اللذَينِ يُحكِمانِ سِتارَهما، يمنعانِني من رؤية أمرٍ لستُ مستعداً لمواجهته، بقسوةٍ يُحاولانِ حمايتي!.

* لكن لماذا!،؟ ومِنْ ماذا؟!، ما الذي لا أستطيع مواجهته؟!، هل يجبُ عَليَّ أن أستسلمَ وأبقى تحتَ تَحَكُّمِهِما هكذا! *

- قطعاً لا!

رفضتُ البقاءَ مُستلقياً؛ أغرَقُ في محيطٍ من لا شيء؛ فنهضتُ بَغتة، وكأنَّ جسدي يرفضُ الاستسلامَ ويمُدُّ لي يد العونِ لمساعدتي!. قعدتُ بصعوبة، أرتَكِزُ على ذراعي الأيمن كي أرفعَ ذراعي الأيسر نحو وجهي كاسراً قيوداً غير مرئيةٍ تُثقِلُني. وببطءٍ مُرهق، فَرَكتُ بِظَهر يدي عينيَّ، ولكنهما تُقَاومان بصَمت، تُعاقِبانِني على انتهاك حِصنهما وأعتدائي على دفاعهما!. زدتُ من حِدَّةِ الفَرك، ورعشةٌ تعتري يدي، وتَعرُّقٌ يتسرَّبُ من جسدي، وهلعٌ في عقلي يشوِّشُني!.

فجأة، شعرتُ بالحرارة التي تخنُقُني تتبدد شيئاً فشيئاً!.

توقَّفتُ عن الفَركِ للحظة، شعورٌ غريب بالراحة اجتاحني، لكن تلك الراحة - لم تكُن كاملة!؛ إذ شيءٌ ما في أعماقي يَستَغِيثُ ذُعراً!.

فتساءلتُ بهولٍ عظيم:

* هل.. بدأتُ أتحسّس وجودي حقاً؟! *

صِرتُ على أسناني، وعدتُ لأفرُكَ عينَيَّ بعُنفٍ أكبر، عَلَّها تَنفتِحانَ أخيراً – إلّا أن جسدي كان له رأيٌ آخر مفاجئ؛ شعرتُ به يتراخى تدريجياً، يدي سقطت من دون حولٍ ولا قوة، ورأسي تحوّل كالصخر، مالَ للوراءِ بقوةٍ خفيَّة تَجُرُّهُ للاستسلامِ التام!. أحسَستُ ببرودةٍ غريبة تسللت، لتغمرني.. وكأنَّ الهواء يُحيطني ببرودة.. مريبة..

* مهلاً؟!..

هل حقًا هذه البرودة.. من الرياح؟!

مهلاً! مهلاً!

لماذا يزدادُ الأمرُ سوءاً؟!

مهلاً!

لماذا يزدادُ جسدي برودة! *

بدأتُ أرتعش، جسدي يرتجف بلا توقف، تتحسَّسُ يداي بطرقةٍ بركةَ الماءِ أسفلي؛

- دافئة..

* كانت دافئة منذ البداية؟! *

ماذا؟!، لكنها، ليست مصدرَ البرودة التي تتسلَّلُ تحتَ جلدي كأشواكٍ خفيَّة!.

هذه البرودة.. قارِسة!، تختَرِقُ كُلّ جُزءٍ مني، تبحثُ بلا كللٍ عن أضعفِ زاويةٍ في أعماقي لتستقرَ فيها وَتُجمِّدَها!.

عقلي بدأ يفقد السيطرة؛ جسدي يهتز بشدة، وحركاتُ رجفي العنيفة جعلت الماء أسفلَ مني يتحرَّكُ في اضطراب. شعرتُ بصدري يضيق وأنفاسي تتسارعُ وتفرُّ بشراسةٍ من بين شفتي!.

همهمتُ بصوتٍ مُتقطع، أشبهُ بهمسةٍ خائفة تخرجُ على مضض:

- لـ.. لا!، لا يمكنُ أن يكونَ الأمرُ صـ.. صحيحاً!..

هـ.. هل مِتُّ؟!

هل.. أنا مَيت؟!

* مهلاً!

لا.. لا أُرِيدُ أَنْ أموت!

لينقِذَني أحَد؛ أ.. أمي، أنجِديني!

أ.. أنا خائف!..

لا أُريدُ الموت!،

لـ.. ليس بعد! *

- النجدة..

* مهلاً!.. مـ.. ما هذا الذي يُلْقى على جِفناي؟! *

---------------

انعكسَ على جَفنَيَّ ضَوءٌ غريب، باللَّونِ الأحمرِ الخافت، يبدو وكأنَّهُ شيءٌ يُنيرُ من بعيد!..

* إنه أملي! هذا سينقذني! *

ظننتُ أني لو حاولتُ رؤيتَه بوضوحٍ أكبر – لن أموت!؛ فرفعتُ ذراعي اليسرى بعزمٍ من جديد، رغم أنها ذابلة، وبدأتُ أفركُ عينيَّ، بحركة يائسة وسريعة، غيرَ مُبالٍ إن كنتُ سأجرَحَهُما!. أحسَستُ بحرارة عابرة، بوخزٍ طفيف، لكني لم ولن أتوقف؛ فلا مجال للاستسلام!.

وأخيراً، وبعد أن انهمرت بعضُ الدموع، قررت عينايَ الاستسلامَ لرغبتي القوية، وبدأتا تستجيبانِ لي؛ فُتِحتا بمهلٍ شديد، تُهيئانِني لمواجهةِ ما كان جفنيَّ يَحجُبانهِ عني ويمنعانِني من أن أراه!.

دقاتُ قلبي كانت تصرخ بخوفٍ في صدري:

" لا تَفتَحهما، يا لك من أحمق! "

بينما كان جسدي يرتجف، كأنَّهُ يَقتَسِم الخوفَ مع أفكاري، وبينما كُنتُ مُستعداً لفتح عينيَّ أخيراً للمواجهة، كان شعوري غريباً..

أريدُ أَن أرى أينَ أنا، ولكني في الوقت نفس – أتمنَّى ألا أعلم!..

عندما تمردت يدي على جفنيَّ، وفُتِحت عينيَّ، وجدتُ نفسي في مكانٍ يَكتَنِفُهُ ظلامٌ دامس!. ليل، لا شفقَ يَتبَعه، يَستَعرِضُ نفسه بِكُلِّ غرور.

النجومُ في السماء، تَشتعِلُ كجنودٍ مُجَنَّدة، تصطفُ بكبرياء لتُثبِتَ ولاءها لجبروت الليل. كانت مُتَوزَّعة بتناسقٍ صارم، وكأَنها نقاطُ مراقبة ثابتة. كُلٌّ منها - بدا وكأنَّهُ يُركِّز نَظَرَهُ علي، يُتَابِعُ حركاتي بدقة متناهية، كما لو كانت مُسلَّطة فقط لتُراقبَ خطواتي في هذا المكان!..

* مكان؟!، ولماذا أطلقت عليه صفة المكان وهو مجرد.. *

فَراغٌ سَرَمَدِيٌّ فَحَسْب؟!

كنتُ أحاول أن أُفَسِّرَ ما أراه، أو أن أعلمَ أين أنا، كنت أريد أن أجد ذلك الضوء الذي انعكس على جفنيَّ، غير أَنَّ النجوم توهجت ببريقٍ شديد، مما دفعني للتحديق بها من جديد، شعرتُ من خلال التحديق أنها تُخاطِبُني بكبرياءٍ وسلطةٍ قائلة:

" لا تَغْتَرَّ بنورنا، فهوَ ليسَ ليُشعِلَ طريقك، بل ليكشِفَ خطاياك؛ فاحذر!، لأنك هنا كسجين يسترجع ما أذنبه، وكُلُّ خطوةٍ ستخطوها هنا هي شاهدة عليك! "

هكذا شعرت، لكن لا وقتَ لي لأشعر!، يجب أنْ أجد الضوء سريعاً، وأنْ أخرجَ من هذا اللامكان الغريب قبلَ أن يَفتَكَ بي!.

في الأُفُقِ البعيد، وإن لم يَتَّضِح لي مصدره، أَمن قمةِ جبلٍ أم من شلال، كانَ هناك شيءٌ يبدو لي كخيطٍ رفيع، أحمرَ وغريب، كَانَ هو الذي يخترق السواد كجُرحٍ نازفٍ في قلب الليل!.

تماشت نظراتي مع سريانِ هذا الخط الأحمرِ المائي إلى آخرِ نقطةٍ لتدفُّقه على سطح الماء، كانَ يَصُبُّ هدوءاً، دونَ أَيِّ صوت، ليصبُغَ اللامكان بلونٍ أحمرَ يلمعُ بوهجِ النجوم..

* أحمر.. *

سرت قشعريرة في جسدي، حينما حَدَّدتُ نظري للأسفل تحتي، إلى الماء الساكن، حيثُ انعكست صورةُ وجهي عليه.

ومع أَنَّ الحركة لا تزيدُ عن موجةٍ خفيفة، إلَّا أنها كانت تشوه ملامحي، تجعَلُها تتسع وتضيق كما لو كان الوجهُ غيرَ وجهي!.

همهمت، وبقلبي شَكٌّ قاتل ينخزُ عروقي ويأكُلُ أعصابي:

- لماذا.. هو أحمر؟!

شعورٌ غريبٌ بارد امتلكَ روحي ودفعني لأقلب كَفَّ يدي مرة أخرى وأُغرِقُها في عُمقِ ذلك الـ.. الماء!.

لم يمضِ سوى ثوان.. ثوانٍ معدودة، لكنها بدت كالدهر، حتى انتزعتها ذاعراً مُرتعداً!..

* ما ذلك؟!.. *

لا قاع!،

لا نهاية!،

أستطيع أن أُدخِلَ جسدي كُلَّهُ فيه ولن أَصِلَ لشيء!..

لكن.. السؤال الذي يمزقني:

* لماذا أطفو؟!، لماذا أبقى على السطح ولا أغرق؟!.. *

ما هذا اللامكان الذي صُمِّمَ لردعي وإهلاكي!!!

دهشة وإضطراب استبدا بي وملكا روحي!؛ فالبحر الذي لم يكن بارداً منذ البداية، لم يكن سائلاً كما يجب!.. بل كان..

لزجاً، مُقرفاً، يَلْتَصِقُ بأصابعي كأنَّهُ يُريدُ أن يَتسلَّلَ إلى عظامي!. شعرتُ بقلبي يخفقُ بعنفٍ ينذرُ بالانفجار؛ فكُلُّ نبضةٍ منه تَحمِلُ صدى هذا الجنون!..

وجهي اشتدَّ شُحوبُه، وعينايَ اتَّسعتا رعباً، وجسدي كُلُّهُ يَرتَعدُ ويتشنج!.

الهواء مُشبع برائحة معدنية نفَّاذة، تَلتصِقُ بأنفاسي وتُثقلُ صدري حتى كدتُ أختنق!.

تملكني خوفٌ قاتل، بَعَثَ فيَّ قوة غامضة دفعت جسدي في محاولة لمسح هذه الدماء التي تُلوثُ يديَّ؟!.. فَرَكتُ يديَّ ببعضهما بانهيارٍ يأْس، وحرارةٌ تشتعلُ بينَ أناملي، قطراتٌ خائفة مرتعدة تسقُطُ من عينيَّ، لا تَفوقُها إِلَّا قسوة هذا المشهد!. أعماقي تصرُخ ولا صوتَ يَخرُج!، خوفٌ دفين يتسلَّل إلى كُلِّ خلية بداخلي، يذكرني بأنَّ هذا وحده..

يملك قوةَ كسري وتدميري بالكامل!!!

حدَّقتُ مجدداً بحقدٍ شديد وغضب يَتَقاطر من ملامحي على ذلك الخط.. الخط الأحمر الذي يمتدُّ أمامي من الأفق المجهول كجُرحٍ نازفٍ في قلبي!. يسكُبُ دماءهُ في محيطٍ يتسع ببطءٍ مستفز، يُعذِّبُني بسكينتهِ وهدوئهِ المرعب!.

أدركت.. بوقتٍ متأخرٍ جداً – أنَّ ما تحتي.. ما تحتي أيضاً دماء!..

عينايَ اتَّسعتا حتى كادتا تخرُجانِ من محاجِرِهما، وجهي اصفَرَّ وارتدَّ للوراء، أسناني احتَكَّت ببعضها بصريرٍ مزعج كاد أن يُفَتِّتَهما!.

صرخت!..

صرختُ بأعلى ما يملِكُهُ حلقي من صوت!، أُرَدِّدُ الكلمات بينما أفرُكُ يديَّ بجنون، وسيلٌ مُتَقطِّع ينجرفُ من مُقلَتيَّ:

- توقفي!.. توقفي عن الامتلاء!..

توقفْ أيها الخط اللعين!

---------------

لم أستطع تمالُكَ نفسي أكثر من ذلك!؛ فهرعت مذعوراً وأطرافي تتحرك بعشوائية تامة، أرمي ذراعيَّ إلى أقصى مدى تَبْلُغانه للوراء، وأدفعُ وزني بقدميَّ بكُلِّ ما أوتيت من قوة!.

إلى أين؟!.. لا أعلم!..

كُلُّ ما أعلَمُهُ أني أفعل مستطاعي وأكثر هرباً من هذا الجحيم الذي أستحضرني!..

ولكن.. دونَ جدوى!؛

فكلما ابتعدتُ عن ذلك الخط الأحمر المنساب، وجدتُ نفسي أتعمقُ أكثر من اللازم في هذا اللامكان!؛ إذ تزداد تفاصيل محيط الدماءِ وضوحاً، ويتبايَنُ اللونُ الأحمر من حولي بدرجاتٍ مرعبة، حتى ثارَ في جوفي غثيانٌ مريع كادَ أن يَقذِفَ ما في معدتي!.

ثنيتُ ساقيَّ بشدة نحو صدري، وضممتُهُما حتى التصقا ببعضهما، وأحطتُّ رأسي بذراعيَّ مُخفياً وجهي بينهما، أحاول جاهداً حماية ما تبقى من سلامة عقلي مما لا أُطيقُ رؤيتهُ هنا!..

وبدأتُ أصرخ، أصرخُ باكياً، أُفرِّغُ رغبتي بالهرب من خلال صوتي – حتى طغى على مناجاتي، تغيُّر صوت الخط المائي المنساب!.

رفعتُ رأسي قليلاً، بوجهٍ مرتعش وملامحَ مضطربة، وأنا ألهثُ بسرعة مثقلة، كأني قد قطعتُ سباق ركضٍ طويل وليس زحفاً بسيطاً للوراء!..

نظرة خاطفة مني نحو الخط..

- هآ!..

ذلك السيل الأحمر.. تحوَّلَ فجأة، إلى لونٍ أبيضَ نقيٍّ!..

ارتجفت شفتاي بينما ترتفعُ قليلاً لترسم على وجهي ابتسامة مشفقة متحيِّرة!..

ظننت.. أَنَّ هذا الجحيمَ سينتهي، وأني.. سأتحرَّر من هذا اللامكان أخيراً!.

راقبتهُ لخمس دقائق معدودة، لا أُطيقُ صَرفَ نظري عنه؛ فنوره الساطع ينقذني من عتمةِ اللامكان ومن.. جنوني!..

حتى.. رأيتُ شيئاً فظيعاً يخرُجُ من سيلهِ أبيض!..

شيء.. بعيد لا أستطيع تحديدَ معالمه، لكن اليقين الذي يرعبني أنه..

يقترب!..

كانت تُحلق بسرعة جنونية تنافس الضوءَ وتفوقه!، وكأنَّ كل جزء من هذا الشيء يصرخ مستميتاً فيما بينه:

" أنا الذي سأنهشه أولاً! "

شكلهُ ضبابي ومبهم، إلّا أن حدسي لا يُخطى؛ فقد كنتُ أشعر، وأنا على يقينٍ تام.. أَنَّ داخلَ هذا الضوء شيئاً حياً يتحرك!..

اقتربت!..

اقتربت مني بسرعة لا تصدق حتى ومضت أمامي!..

أرجعتُ رأسي بين ساقيَّ وطبقتُ عينيَّ طبقاً، رغبةً بأن لا أرى مصيري ينتهي وأنا أترنح أرضاً عاجزاً عن التفكير وعن فعل أي شيء!..

* أتمنى لو أختفي!،

لا أتحمل أكثر من ذلك! *

صرختُ بصوتٍ مبحوح، بصوتٍ خَفَّفَ من حدة روعي ولو بمثقال ذرَّة!:

- استخلص دمي!

وأعِدُكَ بأني لن أُصدِّرَ أنيناً أثناء ذلك!

كنتُ خائفاً..

بل فزعاً..

بل في حالةِ هلعٍ تام!..

مَرَّت دقيقة!..

ولم يحدث شيء!..

سَكينةٌ طاغية، تَمنَّيتُ لو تزدادُ سُكوناً،

أكثرَ ممَّا سَكَنتهُ المَسكَنة!.

تَجرَّأت!..

وفتحتُ عيني اليسرى بتوترٍ عالٍ!، رفعتُ يدي برعشة تفتك بها، وخبأتُ وجهي بباطنها،

ثُمَّ.. وبعد أن أخرجتُ ما تخبأ في صدري من زفير، تركتُ لها حرية النظر..

تتجسَّس وتختلس الرؤية من خلال فتحات أصابعي بذعر!..

لِأجِدَه.. يحيطُ بي من كُلِّ جانبٍ باستعلاء!.

ذلك الشيء.. كان عبارة عن مربعات أو.. مكعبات؟!، لا أعلمُ حقاً ما هيئتها!. كُلُّ ما اعلَمُه.. أنها كانت مصطفة على شكل حلقة مُحكَمة – مركَزُها أنا!. اندهشت، ورفعتُ رأسي أديرُهُ بحركاتٍ خاطفة في كُلِّ الجهات، غير مستوعب ما تلتقِطُهُ عيناي!..

لاحظت.. أَنَّ أَحَدَ هذه المربعات مختلفٌ عن سائرها!، تحديداً.. المكعب الذي يُحلق أمامي مباشرة؛ إذ كانت ملامحُ ما يكمُنُ في داخله تتجلَّى وتتَّضح أكثر وأكثر مع مرور اللحظات!. دفعتني عادتي لتجاهل ما كنتُ قد عِشتهُ من رعبٍ للتو، وأخضع للمراقبة بتأملٍ وفضول.

شعور الهلع ذاك بدأَ يتلاشى ويضمَحِلُّ كلما أمعنتُ النظر، وكأني وأخيراً وجدتُ ما يشدُّني ويشتِّت فكري عن هذا الكابوس الذي أنا عالقٌ فيه.

بجوفهِ لقطاتٌ متحركة.. بيضاءٌ سوداء، تُصَوِّرُ فناءاً فسيحاً، حيثُ تتزيَّنُ حدوده بقوارير الزَّهرِ والورود النَّاضِرة. ما بدا يربِكُني.. هو شعوري بأنَّ هذا المكان.. مألوفٌ جداً!، لكن.. أين؟!

¶ حقاً، أين!

وفي خضمِّ حيرتي.. لمحتُ بطرف عينيَّ أَنَّ اللقطاتِ الأُخرى بدت مُتجلِّية أيضاً، لكنها توقفت عندَ حَدٍّ معين.. تريدُ ألَّا تَسرِقَ تركيزي عن هذا الفناء!. ومع ذلك، كُلُّ ما كانَ يَعرِضُ حولي من صورٍ وأحداث.. يضربُ على وترٍ مألوفٍ في روحي؛ فكُلُّها مألوفة!.. ولكن.. أين؟!؛ هل سبب حيرتي المضطربة هو ذلك الهلع الذي كنت فيه؟!، لا أعلم!..

نظرتُ والوجلُ يعذِبُني، بؤبؤا عينيَّ لا يَكفَّانِ عن الارتعاش، يدايَ تتشابكان وتلتقيان في حالةِ خوفٍ وترقُّبٍ قاتل، جسدي يتصبَّبُ عرقاً بارداً، وقلبي.. نبضاته لا تتوقف عن الهيجان – اللامكان خانق!.. لا يطاق أبداً!.

- هآ..

أصبحتِ اللقطات.. أوضح.. بدت تتجلى وَ.. تتَّضح!..

- ها!.. لماذااا!!!

لم أشعر إلَّا ويدايَ تسبقانِ وعيي، تَجُرَّان رأسي ليختبئ بين ساقيّ، تحاولانِ بجهدٍ يائسٍ وكاذب أن تحمياني، غير أن عينيّ قد التقطت وعاينت ما هو أشدُّ وأقسى من كُلِّ ما مضى!..

جفنيّ!.. لِمَ لم تُصَمِّما؟!، لِمَ لم تبقيا سداً منيعاً؟! - يا ليتني لم أُعانِدكُما وأبقيتُ نفسي وبصري تحت رحمتكما!.

بدأتُ أهذي بسرعةٍ هستيرية:

- هذا ليس لي!.. هذا لا يعودُ لي!

حاولتُ أن أُشَتِّتَ روعي؛ فَعبثتُ بشعري بيدٍ مرتعشة حتى تساقطت بعض الخصل بين أصابعي!،

- النجدة!

لم أعُد أطيق! لم أعُد أحتمِل!

صرخت بِكُلِّ ما أوتيت أحبالي من صوت:

- دماء!..

لماذا دماء في كل مكان؟!

أرضٌ ملطخة، ضحكاتٌ شريرة وأمي..

- أمي!..

أنزعيها!، أبعدي تلك اللقطات عن وجهي!، أرجوكِ أنقذيني!

استجابت لدعائي!، لكن ليست هي بل تلك المربعات التي تدورُ حولي بسرعة جنونية ولا تتوقف!، تُصِرُّ على أن تَحفر في ذاكرتي كُلَّ تلك الأحداث!.. تُجبِرُني على التذكر!.. التذكر!..

- لا!.. هذا ليس لي!.. لم يحدث لي!.. كُلُّهَا أكاذيب!

¶ أكاذيب؟، ولماذا تبدو كلُّها مألوفة؟

- لا!

ضحكتُ ضحكاً هستيرياً يَتَقطَّعُهُ النحيب، وعدتُ أعبثُ بشعري بوحشيةٍ أكبر وسرعة لا تهدأ حتى تفرَّقَ الشعرُ وتساقط؛ فبدت بقاعٌ فارغة في رأسي تُعَزّي فاقدي الجنون.

---------------

إذاً.. هذا صحيح!.. أني الآن أتذكَّر ذكرياتي قبل موتي ببضع لحظات. لكن.. أليس من المفترض أن أتذكر الأيامَ الجميلة فحسب؟!.. ولماذا أرى مشهداً ليس لي؟!.. ولماذا هو.. حزينٌ إلى هذا الحد؟!..

تلك الدماءُ الممزوجة بالبلاط أبيض..

بالبلاط.. أبيض!..

- ها!..

تلك الكلمات أوقظت فيَّ شعوراً غَفَلتُ عنه،

وأشعلت في داخلي رغبة جارفة لأن أتذكر وأن أربُطَ الخُطَى!.

رفعتُ رأسي من بين ساقيَّ، وإن كانت يدايَ تُحاصِرانِهِ بمتانةٍ ورهبة، حاولتُ أن ألتقطَ نظرة خاطفة متحدياً موقفي؛ فإذا بتلكَ المربعات تتجمَّدُ فجأة، توقفت عن الدوران وعادت تتألقُ حولي من جديد. نظرتُ إليها مجدداً وجسدي لا يكفُّ عن الارتعاش،

أرى..

فناس فسيح تتزيَّنُ حوافه بقواويرِ الزَّهرِ والورود. ثُمَّ.. لقطة أخرى.. فتى لم يتجاوز الخامسة.. يقفُ ويقطفُ.. وردة..

- ها؟!..

همستُ بريبةٍ لنفسي:

* لماذا يشبهني هذا الفتى إلى هذا الحد؟!..

هل هو.. أنا؟! *

لكني.. لا أتذكر أني كنتُ أقطِفُ الزَّهر؛ فأنا كنتُ أرعاها جيداً، وأخافُ أن أُمَسَّ جمالها فأُدَمِّرَه!.. لا!.. لا أظنها هي!.. هذا مستحيل!..

- أنا..

تابعت النظر، دون أن أكبُتَ دموعي عن الانهمار، حتى بدت لقطة البلاط أبيض الملطخ بدماءٍ متناثرة على جوانبه!..

تملّكتني لهفةٌ مريبة تحثني على أن أكتشف:

ماذا جرى في هذا اليوم؟!

أكادُ أفكرُ بأنَّ ما يتحرك من لقطاتٍ داخلَ المربعات الأُخرى، هو بمثابةِ أوصالٍ متصلة ببعضها البعض؛ لتُشكِّلَ مشهداً من حدثٍ عظيم، فكُلُّ مكعبٍ هنا يَعْرِضُ جزءاً مبهماً منه، وقد تجزَّأت اللقطاتُ داخلها ليأتيَ دورُها لاحقاً..

ربما.. لتحفظَ ما تبقى من سلامة عقلي!.

كان تحليلي هذا كفيلاً بأن يدفعني لفهمِ ما يُعرَضُ أمامي، وأن أحاولَ اختِلاقَ الصورِ الناقصةِ من خيالي، حتى أرغمَ عقلي على استعادة ما نُسِيَ وأُجبِرَهُ على التذكر؛ فلا طاقة لي لأعيش هذا مجدداً مع المكعبات الأخرى!.

لقطة خروج فتى.. يمسك بوردة،

لقطة ضحكات مزعجة.. تثير الغثيان،

لقطة خطوات.. تخطو بثباتٍ وهيبة..

بدأ المكعب يعرض أمامي تلك اللقطات المتقطعة مراراً وتكراراً، ليجبر عقلي على استرجاع ما نسي، وليؤكد لي أني سأتذكر هذا اليوم بكل تفاصيله!..

وفعلاً!.. بدأت أتذكر قليلاً..

وقت الظهيرة.. كنت في الخامسة من عمري،

أبي كان برفقة زوار في المنزل.. أمي ربما تقف في المطبخ و.. سكين؟!

- لا، لا ارجوك!، لا أريد التذكر! لا أريدُ تذكُّر –

تلك النظرة،

تلك اللمسة،

تلك الوقفة،

تلك الفعلة!

فاضت عيناي؛ فانهمرت دموعي على المحيط لتبعثَ حولها أقاسيَّة دائرية وأمواجاً تدورُ وتتسع!،

- لااا!، لا أريد التذكر!!!

لا اريد الموت على هذه الذكريات!

لا اريد أن اموت على ايِّ ذكرى!

توقفي!..

أرجوكِ توقفييي!!!

أذهبي بعيداً!.. ودعيني أمُتُ ناسياً لِكُلِّ شيء!

كما كنتُ منسيًّا في هذه الحياة!..

أرجوكِ..

استسلمَ جسدي وتهاوى على سطح الماء كالريشة الضعيفة، وتراخت أطرافي وتباعدت عن بعضها كأني قِطَعٌ متناثرة:

- هآ.. لا.. أريد.. أن أموت.. لا!.. لا اريدُ أن.. أتذكَّر!

وسط هذا الهلع المدمر فقدتُ السيطرة على ردات فعلي وجسدي بالكامل. كنتُ بالكاد ألتقطُ أنفاسي الضئيلة، دقاتُ قلبي تتحطم وتتمزق في صدري حتى ظهرت على ثوران الدم من فمي.

وفي لحظة غامضة، سادَ صمتٌ رهيب، صمتٌ أقوى وأثقل من صمت تلك اللقطات، كصمت مقبرة مهجورة لم يَطأها احدٌ منذُ زمن!.

كنتُ أرى بعينيَّ المرهقتين، أَنَّ تلكَ اللقطات.. تبخرت.. وزالت.. كأنها لم تكن إلّا سراباً!، لِتَحُلَّ محلَّها ذرَّاتٌ من غبارٍ خفيف تلتفُّ بجنون صاعدةً نحو اللامتناهي!.

كنت أُشاهد اختفاءها شيئاً فشيء، بينما أُغمضُ جفنيّ ببطءٍ قاتل، وأنا على استعداد..

بخوفٍ يسحق روحي.. لأعيشَ آخر لحظاتي، والبردُ يتسلَّقُ جسدي بعنفٍ كاسح!

من أصابع قدميّ.. ثُمَّ بطني.. صدري.. كتفيّ.. وصولاً إلى حلقي..

حتى أصبحَ جسدي كُلُّه.. بارداً كأرض السيبيريا!.

---------------

﴿ عيونٌ حمراء متوهجة تتربص بي ﴾

= أتسمعني!

* مـ.. ما هذا الصوت؟! *

= أترى كَفَّ يدي؟!

* صوتُ من هذا؟!.. أشعر أنني أعلمه.. *

= أحضره إلى هنا!

صوت هذا الشخص، يأتيني من مكانٍ قريب دون كلل؛ وكأنه يصرُ بألحاحٍ علي أن أنهضَ من موتي!.. لكن، هل مُت حقاً؟!

البرودة التي كانت تتسلقُني منذ لحظات تبددت بفعلِ حرارةٍ ساخنة اكتسحت جسدي؛ فأشعلت عروقي، وضخت الدَّمَ فيها بلذَّعةٍ سريعة، لتعيدَ الحياةَ والقوة إلى جفنيَّ الراحلين، ليفتحا ستارهما على هذه الحياةِ مجدداً، بفرصةٍ جديدة لأكتشفَ ما بقيَ مجهولاً عن ذلك اليوم!.

في خضمِ فتحهما، كانت أصواتٌ مشوشة ومألوفة تمرُ على أذني، بدت لي كنبضٍ يردُّ لقلبي خفقانه، ونغمات متقطعة تشبهُ صوتَ جهاز النبض.. وأيضاً، هذا النداء من فوق رأسي الذي لا يكفُّ عن إزعاجي رغمَ أنهُ خيطُ أملي الوحيد للنجاة.

استجمعتُ كاملَ قوتي لرفعِ ثقل جفنيَّ عن مجال رؤيتي، غيرَ أنَّ دواراً قاسياً أصابَ رأسي وشتتَ بؤبؤيَّ؛ فأصبحَ المكانُ أمامي يَهتزُّ ويدور، كما لو أنَّ زلزالاً مدمراً حلَّ به، مُحدثاً في صدري ألماً ساحقاً، وفي معدتي غثياناً حارقاً!.

= أأنت واعٍ لي؟! أتسمعني؟!

حاولتُ توجيهَ بؤبؤيَّ نحو مصدر الصوتِ فوقي؛ فأمعنتُ النظرَ برؤيتي الضبابية، لأرى هذا الرجل يقفُ بقربي، ملتصقاً بالسرير حتى كادَ أن يندمجَ معه، وكأنه يخشى أن يزيحَ بصرهُ عني ولو لثانية؟!. كانت شفتاهُ تتحركانِ بسرعةٍ قلقة، غير أنَّ صوته لم يَصِل؛ فالدوار كانَ يُشوِّشُ سمعي بطنينٍ مزعج، ليملأَ صدري بمزيدٍ من الضغطِ والألم.

رفعت بصري إلى السقف، على أمل أن أجزمَ بأنَّ مصدرَ تلك الأصوات هو ما أظن؛

فتبيّنتُ من رؤية تلك الحجارة الضخمة المضطربة، بأنني حقاً الآن في – عيادة الثانوية المرموقة!.

عاودتُ النظر نحو الرجل، وسؤالٌ يحيرُ خاطري:

* من هذا الرجل؟! *

صوتُهُ مألوف، لكنني لا أستطيع أن أعلم لمن يعود.. لفت انتباهي بأنه استرق النظر نحو اليسار؛ إذ شيءٌ ما يشدُّ انتباههُ بقوة نحو النافذة.. لكن ما هو؟!؛ فليسَ لي طاقة لأميلَ رأسي وأتحققَ بنفسي..

قفزَ قلبي مُرتَجِفاً بخوفٍ مُريع، ما إنْ انسدلَ جفنيَّ وعجزا عن الصمود؛ فجاهدتُهما بكُلِّ ما أوتيتُ من يأسٍ كي لا يَغلُقا، ذعراً من أنْ يكونَ هذا هوَ الموتُ الحقيقي!. لكن محاولتي باءتْ بالفشلِ الذريع؛ فقد ازدادَ الدوارُ حِدَّة، واشتدَّ الطنينُ في رأسي حتى صارَ كالرعد القاصف يكادُ يفجِّرُ أذنيَّ!. ثم امتدَّت حرارةٌ لافحة تحرقُ مجرى تنفسي وتملؤهُ غثياناً شديداً يكادُ يُخرِجُ ما في معدتي، مما دفع رئتايَ لأن ترفضا استقبال الهواء وتضيقانِ علي.

كنت أحاول بوجلٍ التقاطَ أنفاسي، بيد أن الحريق اشتدَّ في حلقي وصدرِي، ليخرجَ مني أنينٌ ضعيفٌ مضطرب، كأنينِ طفلٍ تائه يلتمس أمانَ أمه.. هنا وضَعَ الرجل يديه بحركةٍ حازمة على كتفيَّ، بينما يَسكُنُ بصرهُ فيّ، وبدأَ يهزهما بحذرٍ شديد،

= أتسمَعُني؟! أأنتَ واعٍ؟! أتشعرُ بي؟!

كانت كلماته كصاعقة هزَّتْ روحي، وصدَمَت عقلي بما يكفي ليَصحوَ من انهياره؛ فاتَّسعت عينايَ اتساعاً مرعباً، وهدَأَ جسدي تماماً، حتى أصبحت أرى ما أمامي بوضوحٍ تام وكأنهُ لم يكن منذ لحظات ضبابياً ومشوشاً!.

سرقتُ أنفاسي بصعوبة عن طريق فمي، ثمَّ التفتُّ برأسي بسرعةٍ متلَهِّفة نحو كلِّ الجهات، أتفحَّصُ كلَّ زاوية، كلَّ جدار، كلَّ بابٍ ونافذة، لأجزم بأنَّ بصري قد عادَ سليماً!.

ثم عدتُ بأنظاري إلى الرجل، ونطقتُ بصوتٍ متقطعٍ مبحوح يكادُ لا يُسمع:

- من.. أنت؟!..

---------------

قاطعَ سؤالي دخولُ رجلينِ إلى الغرفة بخطواتٍ سريعة، فيها مسحة واضحة من القلقِ والترقب؛ فتوجّهَ أحدهما مباشرة للرجل الذي أمامي وقال له بصوتٍ خافتٍ قوي:

≠ أيها المدير.. لقد أحضرتُ الطبيب!

= شكراً لك..

ثم حرَّرَ كتفيَّ من قبضته الثابتة، واتجهَ ببصره نحو الطبيب قائلاً له بلهجة حاسمة:

= هيا بسرعة.. تأكد من حالتهِ فوراً!

أدركتُ الآن بأنَّ هذا الرجل هو سند، مديرُ الثانوية ذاته!. وما إنْ عرفتُ هويتهُ حتى تبدّدَ الألمُ تماماً وسيطرَ عليَّ العجبُ الشديد؛ فلم يكن معهوداً عنهُ قط أن يهتمَّ أو يزورَ أيَّ طالبٍ في العيادة مهما بلغت خطورةُ حالته، وكانَ دوماً ما يوكّلُ هذه المهمة لمساعده حازم!.

تقدم الطبيب نحوي ببطءٍ وثقة، ثمَّ قال بصوتٍ جامدٍ حازم:

≈ أخرجا من الغرفة رجاءً.. أريدُ فحصَ جسدهِ بالكامل

لبَّى المدير طلب الطبيب فوراً، وهرعَ خارجاً من الغرفة بخطواتٍ غير مُتزنة، وأمرَ مُساعده حازم أن يتبعه، تاركاً للطبيب كاملَ الحرية في فحصي.

تساءلت.. والطبيب ينزعُ عني القميص ليلصق سماعتهُ بصدري، ويسمع دقات قلبي المُرهق التي تكادُ تخونني،

تساءلت.. وعينايَ تفيضُ دمعاً من فرطِ الإرهاقِ والوجعِ الذي أُعانيه،

تساءلت – في حيرَةٍ مُرّة:

* لماذا المديرُ ذاته، بشحمه ولحمه، يهتمُّ بي إلى هذا الحد؟!.. *

ودون سابقِ إنذار، تحولت الحرارة في جسدي إلى بركانٍ ثائر يتفجَّرُ في عروقي!.

حاولَ جسدي أنْ يخفِّفَ من وطأة الألم؛ فانهمر العرقُ غزيراً كالمطر لإخماد نيرانه، إلا أن الصداعَ اشتدَّ حتى كادَ بؤبؤا عينيَّ أن ينخلِعا من مَحجِّرِهما!. حررتُ يديَّ بسرعة من تحت الغطاء ووضعتُهُما على رأسي أضغطُ عليهِ بكلِّ قوة؛ أرادت حنجرتي أنْ تصرخَ طلباً للراحة، غير أنَّ حلقي كانَ يابساً جافاً، فلم يخرج مني سوى صوتٍ مبحوحٍ مكتوم، كأنَّ روحي تزهق وتُنتَزع!.

أسرَع الطبيب في تفحُص صدغي حيثُ الضربة المولَعَة، ونزعَ عنهُ اللصاقةَ الطبية ليفحصَهُ بدقه. لم أحتمل طاقة الألم التي كانتْ تَخْزُ عقلي وتَدُقُّ فيه كالمطارق؛ فتراخت يداي وغاب عني الوعي مرة أخرى..

وسطَ دموعي الباردة وحرارة جسدي التي مازالتْ تغلي.

❅❆❅❆❅❆❅❆❅❆

كم كنتُ ممتناً بأنني لم أحظَ بذلك الجحيم؛

فقد كانَ غيابي عن الوعي هادئاً حد السكينة، استعادتْ فيه روحي الحياة ولو بمقدارٍ ضئيل.

استيقظتُ على صوتِ نقيق صراصير الليل الذي يملأُ الأرجاء بتناغمٍ مطمئن. لم تكن لي رغبةٌ بفتحِ جفنيَّ؛ فاكتفيتُ بالاستلقاء وتأمل هذا الصوت الدافئ الذي ينسابُ إلى مسامعي كالهمس الهادئ. كنتُ منسجماً مع كلِّ شيءٍ حولي.. حتى راودَني شعورٌ غريب.. أحسستُ وكأنَّ هناك من يراقبُني ويترصَّدُ لي!. فتحتُ طرفاً من جفنيَّ بحرصٍ بالغ؛ وألقيتُ بنظري إلى اليمين حيثُ الباب، فوجدتُهُ موصداً كما هو.. تساءلتُ في سرّي:

* هل هذا الشعور من جهة النافذة؟! *

أدرتُ ببصري نحو اليسار ببطء ودون أيِّ حركة تُظهرُ يقظتي؛ لأجدَ المدير سند جالساً على الكرسي بجوار السرير، شابكَاً يديه باسترخاء، وقد غلبهُ النوم العميق. دهشتُ قليلاً لرؤيته، وتدافعت الأسئلة في عقلي كالزوبعة:

* لماذا هو هنا في هذا الوقت المتأخر؟!، هل يستمع هوَ أيضاً لنقيق صراصير الليل؟!، أم هل وجودهُ هنا مجرد واجبٍ وظيفيٍّ فقط؟! – لا هذا مستحيل!، إذاً.. وجوده هنا يؤكد تساؤلي السابق بأنه.. يهتم بي؟! *

مهلاً..

* لماذا هيَ لم تهتم؟!، أين خالتي؟!.. لماذا لم تأتِ أو تسأل عني حتى الآن؟!، بجدية أين أنتي! لماذا لم تأتِ لزيارتي! *

كنتُ أعلم بأنَّ هناك أمراً مُريباً وغير صحيح في أمرها.. سحقاً!.

نهضتُ بغضبٍ شديد، إلا أنَّ تلك القوة الضئيلة لم تكفِ لحملِ جسدي، وعاد مستسلماً مرة أخرى؛ فزاد هذا من اشتعال غضبي، وأخذتُ أعبثُ بشعري بسرعة جنونية، وأعضُّ على أسناني بقسوة، محاولاً إطلاق صرخة تُحرّرُني من قهر الألمِ والصمت، ما عدا أنها بقيت مكتومة داخل حلقي؛ فلمْ يَخرجْ مني سوى أنينٍ مكتوم كالزئير الخافت!.

انتفض المديرُ مذعوراً من نومه، وقفزَ بحركة لا إرادية إليّ ليقبضَ على يديَّ بحذرٍ شديد، وبرجفةٍ خفيفة في كفيه، أزاحَهما بعيداً عن رأسي خشية أن أؤذيه؛ فرمقتُهُ بنظرة حقدٍ واضحة، ممزوجة بلهبِ الغضب والإرهاق الذي ينهشُ بي!.

ظللتُ أحدقُ فيه، وتساؤلٌ لا يكفُّ عن مُضايقتي بشأن بقائهِ هنا!، فقط.. انصرف من هنا!.. فبقاؤك يُشعلُ الحيرة في رأسي ويجعلُني أفكر بكثرة وهذا يحولني إلى – شخصٍ مشوش ومضطرب حد الجنون!.

أمسى وجهي شاحباً مصفراً، وخفقانُ قلبي تسارعَ بقوة جامحة؛ فجعل اندفاع الدم عبئاً ثقيلاً على جسدي ورئتيَّ. أصابني اللهاث، وكأني أسرقُ الهواء من المدير ومن صراصير الليل قبل أن يسرقوه مني. يداي كانتا ترتجفان بشدة، فحرّرهما المدير من قبضته بقلق قاتل. قبضتُ بيدي اليسرى على صدري بألمٍ طاغٍ يعتصر ملامحي، مما زاد هذا من خروج أنيني، حتى أُغلِقَت عينايَ مرةً أخرى استسلاماً للألم.

المكانُ كلهُ غريب.. الجدرانُ صامتة بطريقة مروعة، الريحُ ثقيلة وقارصة، حتى الأثاثُ من حولي يصرخ، وصراصير الليل.. تُنغِّمُ لحنَ نهايتي!.

لم أعد أحتمل المزيد!

تحركَ جسدي من تلقاءِ نفسهِ بحركاتٍ عشوائية، محاولاً أن يقاوم هذا الألم المضاعف!. لم يدرك المدير ماذا يفعل، فبدا ارتباكُهُ واضحاً في خطواته؛ إذ تراجعَ خطوتين إلى الوراء، وأخذَ يسألُني بصوتٍ يرتجف بفعل التوتر والذعر:

= أأنت بخير؟!.. بماذا تشعر؟!.. أتسمعُني؟!

فتحتُ عينيَ اليُمنى رغماً عني، ونظرتُ إليهِ برؤية ضبابية غير واضحة، لمْ يتبين منهُ سوى ملامحَ متوترة، ورجفة طفيفة في حاجبيه، لكنني.. استشعرتُ أيضاً قلقَهُ وخوفَهُ الجليَّ عليَّ، فأجبتُهُ بصوتٍ خافتٍ ومُقطَّع:

- جـ.. جسدي.. يحتـ.. يحترق!

لم يصله صوتي الضئيل؛ فتحسسَ وجهي بسرعة، ثم وثبَ مسرعاً يتفقدُ جوارير العيادة بحثاً عن شيءٍ ما بلهفةٍ مُلِحة. لم يستغرقْ الأمرُ طويلاً حتى عادَ واقفاً أمامي، ووضعَ على جبيني كمّادة باردة، وأخذَ يضغطُ عليها بحذر وهو يطمئِنُني بنبرة ممزوجة بالشك:

= لا تقلق.. ستكونُ بخير؛ فهذه الكمادة ستُخففُ عنك وتُلطفُ حرارتك

عندما ضغطَ بيديهِ عليها، أمسى برودُها ينسابُ في عروقي كالنسيم العليل. ظلَّ المدير يبدلُ الكمادات مراراً وتكراراً حتى خفَّتْ حرارتي، وعادَ تنفسي ينتظمُ شيئاً فشيئاً، مُزيحاً عني اللهاث الثقيل. بعد دقائق معدودة، هدأت حركاتي، وتراخى جسدي تماماً، وبات عقلي مسترخياً هادئاً، حتى غلبَني النوم واستسلمتُ له وللطف المدير.

---------------

لم أكن أحسُّ بمحيطي، ولم أكن أيضاً أحسُّ بجسدي و نفسي..

كلُّ ما كنتُ أحسُّ به هي تلك اللمسة الدائرية الباردة تتنقلُ على صدري. فتحتُ جفنيَّ ببطءٍ شديد لأجد الطبيب يتفقد نبضات قلبي بسماعته الحديدية اللامعة بينما يخاطبُ المدير بنبرة اطمئنانٍ واضحة:

≠ كلُّ أموره بخير الآن والحمدُلله..

= هل هذا يعني أنهُ بخيرٌ تماماً؟! هل هناك حاجة لأن ننقلهَ إلى المشفى؟! فقد عانى كثيراً في الأمس ولم يهدأ حاله!

كانَ صوتُ المدير يحملُ قلقاً غريباً وعميقاً نحوي – لم أستطع تحليله وفهمه!.

رفع الطبيب السماعة عن صدري، وعَلقَها حولَ رقبتهِ بهدوء، ثم سارَ بخطواتٍ ثابتة تردد صدى صوتها في أرجاء العيادة حتى توقف أمام المدير مباشرة، وخفضَ صوتَهُ بينما يقولُ له بنبرة جدية ومتحفِّظة:

≠ هو بخير حالياً.. لكن، أليس من الأفضل أنْ نتصل بوالده لإبلاغه عن حالته؟

سؤال الطبيب كان كالشرارة التي أوقدت بداخلي حريقاً ساخطاً نهضتُ بفعله من مكاني بحركة متهورة جامحة، وكدتُ أشعلُ جسدي بتلك الحرارة الخانقة القاتلة من جديد؛ لأعترض بنبرة مبحوحة قاسية تحملُ أمراً لا رجعة فيه:

- لا.. لا تتصلوا بأيِّ أحد!

التفتا إليَّ في الحال بنظراتِ دهشةٍ واستغرابٍ بالغين!.

أدركتُ فوراً طيشَ تصرفي وحدة ردة فعلي تلك.. فطأطأتُ رأسي إلى الأسفل، وأطبقتُ على أسناني بشدة، أحاولُ جاهداً أن أجدَ تبريراً أو حتى كلمة واحدة أبرر بها تصرفي.. لكن أفكاري خذلتني هذه المرة؛ فقد كانتْ غائبة عني تماماً في الوقت الذي كنتُ بأمسِّ الحاجة إليها!.

أشعرُ بانفصالٍ تام.. وكأني غريبٌ عن نفسي؛ فهذهِ التصرفات الانفعالية لم تكن من شيمتي قطُّ ولا تليقُ بي أبداً! – فأنا أتقنُ التحكّمَ بردود أفعالي دائماً.. فكيفَ لي أن أفقد السيطرةَ عليَّ؟!، تحديداً في هذا المكان المرموق الذي لا يحتملُ الخطأ!.

عمَّ الصمت أرجاءَ العيادة لثوانٍ بدت وكأنها ساعاتٌ طويلة؛ ليكسر سكونها صدى خطوات المدير الثابتة التي تتجهُ إليّ مباشرة، لينتصب أمامي بشموخٍ وهيبة جعلت قشعريرة باردة تسري في جسدي؛ حدقتُ به بعينينِ تفيضانِ بالدهشةِ والاستغراب، وكأنَّ عينايَ تتساءلان:

" منذُ متى وأنا أغفل عن هذه الهالة المرعبة المهيبة التي تكتنفه؟! "

رمقني بنظراتٍ حازمة صارمة كانت كفيلة بأن تقول لي دون كلام بأنَّ تصرفي كانَ طيشاً وعجرفةً لا مبرر لهما، حقاً، نظراتهُ وحدها جعلتْ فمه يستغني عن الكلام تماماً!.

( كانت نظراتهُ تزعجني وتثيرُ حنقي.. حتى تمنيتُ بشدة أن تختفي هيَ ومن ينظرُ لي من خلالها!. )

وضع المدير يدهُ اليمنى بثقلٍ وثبات على كتفي، يربتُ عليه بحركات محدودة وسريعة،

= لا بأس.. فقط استلقِ واسترح

قالها لي بنبرة خافتة تحملُ أمراً ضمنياً، ثم التفتَ برأسه إلى الطبيب، وبدأ يسألهُ ويستفسرُ منهُ بتأكيدٍ واضح إن كنتُ حقاً بخير.

أما أنا.. فلم يعد يهمني أمرُ صحتي أو مرضي بتاتاً؛ فكلُّ ما كنتُ أبحثُ عنه هوَ تفسيرٌ منطقي..

من يكون هذا الشخص الذي يقفُ أمامي بهذه الهيبة والجمود؟!،

ومن يكونُ ذاك الذي بدا قلقاً وخائفاً عليَّ بالأمس؟!؛

وكأنَّ ما أراهُ أمامي الآن مجردُ قناع.. يُخفي وراءه شخصاً آخرَ مختلفاً.. غير الذي أعلمهُ تماماً!.

وقعت عينايَ على النافذة، لأجد أنَّ الصباح قد حلَّ بالفعل. تأكدتُ حينها أنَّ عقلي هو من كان مضطرباً؛ فكيف لي أن أغفلَ عن شيءٍ واضح كوضوح أشعة الشمس المتساقطة فوق السرير.

أزحتُ بيدي اليسرى يد المدير عن كتفي بتأنٍ وحسم، وهممتُ بالنهوض والمغادرة.. لكن قوة يدهِ كانت بالمرصاد؛ فأجلسني بحركةٍ سريعة حاسمة ومنعني من النهوض. رفعتُ رأسي ببطء، وحدقتُ بوجهه بملامح جامدة باردة، بينما ينظرُ إليَّ بنظراتٍ تحملُ الحدة والاستياء الواضح، وكأنَّ تصرفي هذا كانَ صدمةً بالنسبة له؛ فما فعلته كان بمثابة تحدٍ واستِهانة صريحَين لمقامهِ كمدير لهذه الهيبة كلها!.

= ما الذي تفعله؟

أجبتُه بنظرة ثابتة ونبرة حادة:

- العودة إلى المنزل

= لا يمكنك العودة؛ فيجب أن تبقى هنا لبعض الوقت..

قاطعتُهُ فوراً بنبرة واثقة حازمة، لا تقبل الجدال أو التراجع:

- ومتى يكونُ " بعض الوقت " ذاك؟!.. دقائق؟!، ساعات؟!، أم أيامٌ طويلة؟!، لا أهتم بذلك؛ فأنا أريدُ المغادرة الآن

تنهد المديرُ بعمق، وأغمضَ عينيه، ليسرح بأفكاره باحثاً عن كلمة أو تبريرٍ ما يقنعني به. في تلك الأثناء، تدخل الطبيبُ شَهَق متحدثاً معه بهدوء:

≠ لا بأس.. يمكنه المغادرة الآن، لكن عليهِ الالتزام بالراحة التامة في منزله حتى يلتئمَ جرحُ صدغه ويشفى تماماً

نظر المدير للطبيبِ بتمعن، ثمَّ رمقني بنظراتٍ نصفِ مغلقة، تفيضُ غموضاً وغضباً مَكبوثاً.

ربتَ على كتفي مجدداً وقالَ بصوتٍ خافت:

= سأمنحكَ إجازة لمدة أسبوع؛ فتَأكَّد من شراء الأدوية التي سيصفُها لك الطبيب، والالتزام الدقيق بتعليماته

وجه المدير بصره نحو الطبيب وخاطبهُ بأمرٍ هادئ:

= هيا بنا إلى مكتبي

ثم عاد ببصره إليّ ليتأكد من ردة فعلي على كلامه. أومأتُ برأسي مستجيباً لطلبه بصمت، دون أي تعبير يوحي بالاعتراض. حتى أخيراً غادر العيادة برفقة الطبيب شَهَق متجهين نحو مكتبه؛ ليناقشا تفاصيل الأدوية وأموراً أخرى خمنتُ أنها تتعلقُ بي بشكلٍ أو بآخر. لكن.. وقبل أنْ يعبر المدير عتبة الباب، حدقَ بي لثوانٍ معدودة، بنظرة غامضة عجزتُ عنْ فهم مغزاها.. لذا نهضتُ حينها بهدوء من السرير غير مكترث لتفسيرها.

مشيتُ بخطواتٍ غير مستقرة نحو النافذة، ونظرت بتأملٍ من خلالها، كانت الإطلالة جميلة وهادئة، تطلُ على الساحةِ الخلفية للثانوية. كانَ منظر كلِّ شيءٍ صامتٍ فيها يبعثُ في روحي وقاراً وسكينةً لا توصفان. ومنْ خلالِ تلك الظلال الطويلة الممتدة والتي رسمتها أغصان الأشجار الشامخة فوق العشب الأخضر، استنتجتُ بدقة أنَّ الوقت لا يزالُ مبكراً، تحديداً، الساعة العاشرة صباحاً.

أخذتُ نفساً عميقاً، عمقتُ فيهِ الشهيقَ والزفير محاولاً استعادةَ تركيزي وثباتي. ثمَّ توجهتُ نحو المغسلة الموجودة في طرف الغرفة ونظرتُ إلى نفسي في المرآة. مددتُ يدي اليسرى نحوَ الصنبور، وكدتُ أفتحه لأغسل وجهي، إلا أنَّ شيئاً ما لمعَ في ذهني فجأة.. تذكرتُ المرطب الذي دهنته، والذي كانَ على وشكِ أن يزولَ لو غسلت..

وجهي؟!..

---------------

مهلاً!!!..

هذا يعني أنَّ الطبيب بالتأكيد كان يتأكد من خلوِّ جسدي من العرق عن طريق مسحهِ بمنشفة رطبة! – وهذا يعني.. أنَّ المرطبَ قد زال وزالَ معهُ كلُّ شيء منذ الأمس!. اتسعت عيناي بدهشةٍ وخوفٍ عظيمين، وتراجعتُ خطوتينِ إلى الوراء.. قلبي يقرعُ أضلعي بعنف، وجسدي كلهُ يرتجف وكأنَّهُ ورقة في مهبِّ الريح!..

في تلكَ اللحظة، دخل المدير حاملاً ورقة الأدوية؛ فوقعت نظراتي المرتعشة تلقائياً بعينيهِ المندهشتين. هرولَ المدير نحوي فوراً وصوتُهُ يعلو بلهفةٍ وقلق، وقد بدت الدهشة واضحة في ملامحهِ وكأنَّهُ لا يصدق ما يرى:

= ما بالكَ ترتجفُ هكذا؟! هيا استلقِ على السرير فوراً!

كنتُ متوتراً وخائفاً للغاية.. كنتُ أخشى أن يلمسني أحد بعدما أيقنتُ زوال المرطب عن جسدي!.

بدأتُ أسترجعُ الأحداثَ خطوةً بخطوة:

المدير لمسَ كتفي فحسب.. أي أنَّهُ لم يلامس جلدي مباشرة؛ بل لمس القميص الذي أرتديه.. إذاً.. أنا بأمانٍ في هذه النقطة!..

لكن..

ماذا عن الطبيب؟!.. تذكرتُ فعلتهُ الشنيعة عندما مسح العرق عن جسدي بحجةِ تأديةِ عمله.. لقد مس جسدي مباشرة!.

وإضافة إلى ذلك.. لقد لمسَ صدغي وقطبَ الجرح بيديهِ أيضاً!.

- هآ!..

مهلاً!!!..

أليس المدير أيضاً قد لمسَ وجهي بوضوح أثناء وضعه للكمادات الباردة؟!.. ومسك بيديَّ بقوة حينما حاولَ إزاحتهما عن رأسي!.

كنتُ أغرق وسطَ كلِّ هذهِ الاستنتاجات المروعة التي زادت وطأة ارتباكي وخوفي. تحركت عينايَ في كلِّ اتجاهٍ باضطرابٍ شديد بينما أرى المكان يَظلِمُ ويَسود!.

وفجأة، رأيت نفسي أسقط في وادٍ عميق فوق أغصانٍ شائكة؛ لتخترق جسدي بقوة، ملونةً بدمي قاعَ ذلك الظلام الدامس!. رأيتُ يداً من فوقي تمتد.. لأكتشف الحقيقة المرعبة.. إنها يدُ المدير.. وهو يحاول أن يلمسني بعجلة!..

كان على وشك أن يلمسني!..

يلمسني!

كنتُ غيرَ عابئٍ بأمر.. لا بعجزِ قدميَّ عن حملي، ولا بالدوارِ الشديد والطعناتِ الحادة في صدغي، ولا بنظراتِه أو صرخاتِه أو حتى محاولاتِه اليائسة لإيقافي!... كل ما يهمنى الآن الهروب.. الهروب بأيِّ ثمن!.

خرجتُ من العيادة، ثمَّ من الساحةِ الوسطى، وصولاً إلى البوابة الحديدية الضخمة حيثُ كانت حريتي تنتظرُني – لكن فرحتي اللحظية تحطمت فوراً حينما تقدم الحراسُ نحوي بثباتٍ واقتدار محاولين صدّي ومنعي من العبور!.

- هآه..

لكني.. لم أتوقف عن الهرولة، ولم أعبَأ بتقدمهم الحقير أساساً، وواصلتُ اندفاعي وعينايَ تفيضانِ بجنونٍ مخيفٍ لا يوصف. قبضتُ على قبضتيَّ بشدة حتى ابيضت مفاصلي، وصرختُ بوجههمْ بصوتٍ جهوريٍّ مخيف وكأنهُ صوتُ وحشٍ كاسر:

- ابتعدوااا!!!..

وأدرتُ رأسي بسرعة مخيفة، وأنا أجولُ عليهم بنظرةٍ حارقة،

- فمن يحاول منكم أن يدنوَ مني خطوةً واحدة..

بخطوة واحدة!..

سأمزقُهُ إرباً.. سأقتلُهُ بيديَّ هاتين

بلا رحمة حتى.. أرتوي بدمه!

تجمدوا في أماكنهم في الحال؛ فزئيري وحده كان كافياً لجعلهم يرون الموتَ الحقيقي بأعيني المجنونة!. ظلوا يحدقونَ بي بذهول وحذر؛ فلم يجرؤ أحدهم على الاقتراب مني، وكأنَّ سكيناً خفيّة كانت تُسلَّطُ في وجوههم!.

لم يدم هذا الجمود طويلاً..

فقد دوى صوتُ المديرِ من خلفي بصرخةٍ مدوية آمراً إياهم بإيقافي بأيِّ ثمن!.

ولكن.. فاتَ الأوان!

كنتُ قد خطوتُ بالفعل خارج أسوار تلك الثانوية المرموقة.

كنتُ أهرولُ كالمجنون بخطواتٍ متقطعة غيرِ متزنة في طرقاتِ المدينة، أصطدمُ بكلِّ ما يعترضُ طريقي.. بأشخاص، بأشجار، بكل شيء!.

رئتيّ تكادان ترفضان استقبال الأنفاس من عنف الإرهاق، ورؤيتي تضطربُ وتدور، وحرارةُ صدغي تجعلُ الدنيا تبدو ضبابية غير واضحة؛ إلا أن كلُّ ما كانَ يدورُ في خاطري، كل ما كنت أريده بجموح.. هوَ العودة.. العودة إلى المنزل!.

* لا أريد البقاء هنا.. لا أريدُ أن يلمسني أحد! *

فكرة اللمس وحدها تعيدُ إليَّ ذكرياتٍ أحتقرُها – ذكريات لا أعلمها، ولا أحتملُ شعورها!..

تساقطت دموعي كالشلالِ الجارف الذي يجرفُ بقايا ركامِ البركان إلى أعماقِ السواد.. وكنتُ أنا، ذلكَ الركام.. كنتُ أهرول نحو الهاوية بقدميَّ!.

أردتُ الصراخ!..

لكن وجودهم حولي يملأُ نفسي قرفاً واشمئزازاً؛ فزدت سرعتي بشكلٍ جنوني هارباً منهم ومن نظراتهم التي لا تكف عن النظر إليَّ!..

وأخيراً، وبعد عناءٍ طويل.. وصلت.. المنزل!.

يا لعظمة هذا الشعور؛ مزيجٌ غريب بين الراحةِ المُرّة والاضطراب!.

حاولتُ فتحَ باب السياج مرتين، وفشلت؛ يدايَ ترتجفانِ بشدة لا يمكنني السيطرة عليهما، إلا أني عاودت الكرة مرة ثالثة حتى نجحتُ أخيراً. دخلتُ الفناء الأمامي، أركض وجسدي يميل للسقوط حتى وصلت الباب. وضعتُ يدي بسرعة على المقبض وانزلته مرة، مرتان، ثلاث مرات والعديد من المرات!..

- ها.. ما الخطب!..

صرخت بصوتٍ عالٍ عميق يعتصره التعب:

- لماااذا لا تفتح! هيا أفتح!.. هيا!.. خالتي؟!.. خالتي أين انتي!..

شددتُ عليهِ بكلِّ قوتي مئات المرات، لكن دون جدوى!،

- هيا أفتح.. ما خطبك!

حتى أدركتُ أنَّ عليَّ استعمال المفتاح أولاً!.

أخفضتُ رأسيَ باستياء؛ لعدمِ فتحِ الباب، ولعدم استجابة خالتي لندائي..

* أين هي؟!.. هل عادت إلى محافظتها؟! *

ضحكتُ بحزنٍ مُدمِع وأنا أمدُّ يدي بعجلة داخل جيب البنطال لألتقط المفتاح. لكن.. كانَ الجيبُ خاوياً تماماً!. توقف ضحكي، واتسعت عينايَ بذهولٍ ورعب؛ فتشتُ الجيبَ الآخر وجيبَ القميص بجنون.. ولا شيء!.

الجيوبُ خاويةٌ تماماً!.. لا مناديل.. لا قلم.. لا مفتاح المنزل!.

* أينَ ممتلكاتي؟!.. *

انكسرت بجسدي المرهق على باب المنزل بعد أن أدركت متأخراً أن حقيبة الظهر الخاصة بي ما زالت بالثانوية، حينها فهمت – أن الطبيب بكل تأكيد قد فتشَ جيوبي وتخلصَ من أيِّ شيء قبل البدء بالعلاج!.

كم هوَ أمرٌ سخيف ومُحقِر!؛ كلُّ هذا.. بسبب ذلك الرجل! – لو لم يظهر المدير في تلك اللحظة.. لما انتهى بي المطاف إلى هذا الوضع الكارثي!.

بدأتُ أعبثُ بشعري بكلتا يديَّ من شدةِ الاضطرابِ والرفض؛ فزادَ ذلك من لهيب صدغي المصاب. أقمتُ قامتي بصعوبة، والتفتُّ نحو النافذة الجانبية المطلةِ على الممر، حاولتُ فتحها، لكنْ ذراعيّ قد خارتْ قواهما!.

عجزت!

وجثوتُ على ركبتيّ، وأنا أضربُ بيديَّ على الزجاج، وأصرُّ بأسناني.. أحاولُ التفكير.. التفكير بأيَّ طريقةٍ تجعلني أدخل!.

إلى أن..

شعرتُ به.. كيانٌ يقترب.. خطواتٌ ثقيلة تحملُ وراءها هالةً قاتمة مخيفة!.

التفتُّ ببطء.. ببطءٍ شديدٍ جداً.. ويدايَ تنزلقانِ عنِ النافذة.. لأجدها..

تقفُ وراءي!..

---------------

تقفُ وراءي بملامحَ متجمدة، عيناها فارغتان تحدقانِ بي وكأنهما تقولانِ لي:

" سأقتلكَ بهدوء.. ولن يشعر بك أحد! "

اتسعت عينايَ بهولٍ عظيم حتى كادتا تنفقعانِ من محجريهما!.

حاولتُ الهرب!،

التراجعَ للوراء.. إلا أنَّ ظهري كان يرتطمُ بالنافذة بقوة ويلتصقُ بها!.

في لمح البصر، نظرتُ إلى الزجاج لأرى انعكاسي وملامحي المرتعشة تنعكس عليه. لكنني لم أرَ لها أيَّ انعكاسٍ أبداً!. عادت نظراتي المرتجفة إليها بحذرٍ مخيف؛ لأجدَ المكانَ قد تحولَ تماماً! – أصبحَ أسوداً قاتماً، خاوياً وتملأهُ طاقةٌ سلبية ثقيلة ومرعبة تحومُ في كلِّ زاوية!.

غير أن تركيزي كلهُ كانَ منصباً عليها فقط، وهيَ تحدقُ بي..

بعينينِ كبيرتين.. فارغتين.. بلا أيِّ تعبيرٍ أو روح!.

لم أستطع تفسيرَ كيف يحدثُ كلُّ هذا.. وأنا لستُ.. فاقداً للوعي!.

* هل أتوهم؟!.. أم أهذي؟!.. وما الفرق بينهما؟!، لا أعلم! *

لكن ما لم أستطع لهُ حقاً.. هوَ أن أرى يديها السوداوتينِ الملطختينِ بالدماء، وجسدها المملوءِ بآثار السكين؛ كما لو أنَّ أحدهم تعمّدَ تمزيقه بتلذذٍ ووحشية!.

عينايَ لم تتحملا قهر الموقف؛ فأذرفتا دماً،

دماً دافئاً ينتحب على حالتها المُشفِقة!.

وقلبي، يخفقُ بحزنٍ وندم وليسَ بخوفٍ واضطراب!.

أردتُ النهوض؛ لكن قدمايَ كانتا ملتصقتينِ بشيءٍ لزجٍ على الأرض، لمْ يكن هناك داعٍ لأن أتفقد ما أسفلي؛ فأنا أدركت مباشرة انها دماء!. رفعت المرأة ذراعيها نحوي ببطءٍ ساحر.. وكأنها تدعوني.. وكأنها تقولُ لي:

" تعالَ واحتضنني! "

وبشكل لا إراديٍّ..

ارتفع ذراعي الأيسر إليها؛ لأرى قطراتِ الدماءِ تتساقطُ من أصابعي بغزارة!. شَحُبت ملامحي مع كلِّ قطرةٍ تسقط.

امسكت بقبضتها الناعمة الباردة يدي اليسرى وتَشبَّثَت بها بقوة!.

حاولتُ أن أقاوم..

أن أتحدث..

أن أفعلَ أيَّ شيء.. لكني لم أستطع!؛ وكأني – لا أقوى على أن أجرحها!.

- هآه..

ثم مسحت بإصبعِها السبابة الدماء التي تَنسابُ من يدي.. ولعقتها!. شعرتُ بارتباكٍ شديد بينما أشاهدُها وهي تلعقُ الدماءَ بشهوانيةٍ مطلقة كما لو كانَ شراباً فاخراً!.

وسطَ خوفي واشمئزازي، مدت أصبعها نحوَ فمي وهوَ يَقطرُ بدمٍ مُقرف!.

وقالت بصوتٍ فارغٍ هادئ:

❀ تذوق!

كأنها تشاركني مشروبها الفاخر المثير للغثيان!.

لم أستطع أن أجيب أو حتى أن أحركَ شفتايَ المرتجفتين لنطقِ أيِّ حرف؛ فرعبي منَ الدماء يجمدُ عروقي ويُحولُ دمي لجليد!.

لكن.. شيءٌ بداخلي كان يتساءل:

* لماذا هيَ هكذا؟!.. لماذا لم تجبرني على تذوق مذاق الدماء من يدها النحيلة؟! *

وقبلَ أن أكمل تساؤلاتي الحائرة، أزاحت يدها عن فمي بغضب، وطوَّقت رقبتي بقوةٍ مفاجئة لا تُوحي بها يداها النحيلة الممزقة، حتى سمعتُ صوتَ تكسُّرِ عظامي يَصدَحُ كالأغصان الجافة تحت الأقدام!. صرختُ صرخة خانقة عالقة، وحاولتُ بيديّ مقاومة قبضتها.

لكن.. لم يكن للمقاومة أيُّ داعٍ.. فقد تراخت قبضتها عن رقبتي وكأنها أحسّت بي!..

لتدنوَ وتقبضَ بقوةٍ أكبر على صدري!

غارزةً أظافرها الحادَّة في قلبي الذي كانَ لا يتوقفُ عن الارتجاف، ليبدأَ دمُ صدري يسيلُ بغزارة، ويمتزج بالدماء الراكدة تحتي وكأنَّهُما روحٌ واحدة تَتَّحد!.

في ذات اللحظة..

وضعت يدها الأخرى المليئةِ بالدماء على وجهي وبدأتْ تلطخه وتوسخه بدمائها؛ فانفجرتُ صارخاً!.

صراخُ ألم،

صراخُ خوف،

صراخُ رُعبٍ وانكسار!

تحررت صرخاتي العالقة من حلقي لتتوسل إليها أن تتوقف غير أنها كانت.. تضحك!.

تضحكُ بطريقةٍ هستيرية مرعبة تمزق روحي!.

لم أعد أحتمل..

فاضت دموعي بكثافة بينما أترجَّاها بنبرتي الباكية المتقطعة التي تكادُ لا تُسمَع:

- أر.. أرجوكِ.. تـ.. توقفي!

أرجوكِ!

كلماتي أصابتها في الصميم؛ ليتوقفَ كلُّ شيء؛ توقف شعور الهالة القاتمة منها، ضغطُها الثقيل على صدري وطَعنُ أظافرها؛ رفعتُ بصري إلى وجهها القريبِ مني..

غائم.. ضبابي.. أظنُّها حقاً بلا ملامح محددة.. أو أنا فقط على وشك الانهيار؟!

كانت الراحة الأكبر على روحي هي عندما توقفت عن نَشرِ الدماءِ على وجهي؛ ليرتفع طرفُ فمي بابتسامةٍ منكسرة وسطَ دموعي الباردة ودمائي الساخنة.

حدقت بي طويلاً، وبدأت بكفّيها تتحسسُ ملامحي ببطء؛ تمرُّ بأصابعها على شعري، ثمَّ على وجنتي ورقبتي، وكأنَّها.. تودعني؟!

- هآ..

لمست موضعَ قلبي ببطء حيثُ ما زالت الدماءُ تتجمعُ تحتي، وطبطت بهدوء، وكأنَّها تعتذرُ بأسلوبها الصامت عما فعلت..

ثمَّ قالت بصوتٍ هادئ يحملُ وطأةً مروعةً منَ الانكسارِ والفقد:

❀ لا تَكُن.. مِثلَهُمْ!

وفي الحال.. سقطَ جسديَ المُنهَك على تلكَ البركة الحمراء غارقاً بها حتى صُبِغَ باللون الأحمر تماماً؛

كوردةٍ بيضاء اكتسبت لونها القاني من نقعِها الطويلِ بالدماء..

---------------

* أ.. أين أنا؟! *

رفعتُ رأسي عن الأرض، إلا أنَّ صداعاً قوياً هاجمني بعنف، شددتُ جفنيَّ لمدة وجيزة بينما أستجمعُ أنفاسي المتقطعة بصعوبةٍ بالغة. ومن ثمَّ فتحتهما لأجدَ نفسي في ذاتِ اللامكانِ السرمديِّ الذي علقتُ به من قبل. نهضتُ بجسدٍ متهالك وأنا أتساءلُ بسخريةٍ مرَّة في نفسي:

* هذا يبشرُ بالخيرِ قليلاً.. فأنا – لستُ ميتاً على أيِّ حال! *

ضحكتُ ساخراً، ثمَّ قعدتُ أتأمل الفراغ الممتدَّ أمامي؛ مُهيئاً نفسي لظهور تلك المربعات حاملةً إليَّ ما يكملُ ما نقصَ من لقطات؛ لكي يكتمل الحدث!. كنتُ أنتظر وسط هذا الصمت الذي يثقلُ روحي، والبرودة القارصة التي تتسللُ إلى خلايا جسدي، أنتظر.. وأنتظر!..

لكن لم يظهر شيء.

بدأَ القلق يتسللُ إلى قلبي، وشكٌّ يراودني:

* هل أنا ميتٌ حقاً؟! *

فكرتُ في النهوض والسيرِ قليلاً في الأنحاء باحثاً عن أيِّ شيءٍ قد يُعلمني أين أنا، وما سرُّ هذا اللامكان المريب الذي لاحظتُ أنهُ يعاودُ الظهور لي كلما فقدتُ وعيي. ثبتُّ يديَّ الاثنتين على الأرض، ودفعتُ جسدي للأعلى بخفة حتى انتصبت قامتي بجمود. ما أثارَ دهشتي قليلاً هو أنني وقفتُ بثبات دون أن أغرقَ في هذا المحيط؛ إلا أنَّ هذا ليس بالشيء الكثير مقارنةً بأنني كنتُ أستلقي وأنسابُ فوقه دون أن أبتلَّ أو يبتلعني جوفُه!.

لكنْ ما يذهلني حقاً في هذا الفراغ السرمديّ..

كيفَ لي أن لا أشعر.. بأيِّ ألمٍ أو تعب؟!

بدأتُ أجولُ ببصري في الأرجاء، بلا أيِّ حراك، حذِراً من ارتكاب تهورٍ لم يكن بالحسبان؛ فانا لم أزل أدركُ بعد – أنَّ كان هذا الفراغ اللانهائي قادرٌ على إيذائي جسدياً كما يدمرني نفسياً!.

الأمر الذي شدَّ انتباهي، بل وأحببتُ تأمله؛ هو وضوحُ الرؤية في الأفق رغمَ سوادِهِ القاتم، فعزمتُ على إعادة القعود، وتأمل اللاشيء الخلاب منتظراً لحظةَ استيقاظي.

قعدتُ من جديد، وثنيتُ ساقي اليسرى مُلقياً ذراعي اليسرى عليها براحة، وبدأتُ أعبثُ بغرتي بإصبعي السبابة، ألفُّ الخصلة بين يدي كأمواج البحر العاتية،ثمَّ أُسدلُها كالحريرِ الناعم.

هذا العبثُ المتكرر.. جعلَ الصمت يفسحُ المجال لأفكاري، أن تطالبَ بإجاباتها..

وتساءل بداخلي بصوتٍ عميق:

* ما هيئة هذا اللامكان؟!، هل هوَ واقعٌ أم وهم؟!؛

أليسَ قد صار يأتيني كلما فقدتُ وعيي؟!، ولماذا صرتُ أفقدُ وعيي أساساً؟!؛

هل هذا بسبب إصابة صدغي البالغة؟!، أم بسبب هلعي الجنوني؟! *

وأفكارٌ أخرى أعمقُ وأشدُّ قاطعتها:

* ماذا عن الواقع المرِّ الذي تغيرَ على حين غرّة؟!، لماذا صار كلَّ شيءٍ غير اعتياديٍّ؟!؛

فكلُّ المشاهد التي اعتدتُ رؤيتَها.. تتغير وتنقلب علي بحيرة لا تُحَل! *

تنهدتُ بعمق بينما أدع الخصلةَ تتحرر وتحتضن أخواتها من جديد؛ لتبدأَ أسئلة أخرى تخرج من أعماق قلبي، تحاورُني بوداعةٍ هادئة:

* لماذا أنا هنا؟!، وما الغايةُ منْ وجودي؟!؛

لماذا تعودُ لي ذكرياتٌ هنا.. لا أستطيعُ تذكرها في الواقع؟!، هل مُسِحت من عقلي؟! أم أنا تناسيتُها فحسب؟! *

بدأتُ أغوصُ في البحث عن إجابات.. لأمورٍ لم أفكر بها من قبل..

¶ بل كنتَ تتجنبُها عن وعي!

مثلاً..

لماذا أتعرض للتنمر والمضايقات في الثانوية، مِن قِبَل بعض الطلاب.. على الرغم من أنني أقاومُهم وأصدهم دائماً؟!.

لماذا علاماتي الدراسية عالية جداً.. وأنا أكرهُ الدراسةَ حقاً؟!

لماذا أتعامل مع الجميع بودٍّ رغم أن في روحي شغفاً يأمرني بإزدراءهم؟!

هل هذا لأنني أُريد أن أكونَ مثالياً في كلِّ شيء؟!؛ أم لأنني – أخشى العقابَ فقط؟!

لماذا لا أكفُّ عن التفكير بأنَّ السعادة التي مُنِحت لغيري.. ليستْ عادلة؟!؛ بل هيَ بمثابةِ بلاء؟!، هل فقط لأنها.. لم تُمنح لي؟!..

ولكن..

ما هيَ السعادة حقاً؟!، أينَ تكمن، وماذا تكون؟!، هل هيَ حقاً.. مجرد ابتسامة، ضحكة وتعابير بشوشة؟!.. لكني أنا أيضاً.. أستطيعُ تصنيع كلِّ ذلك ببراعةٍ مطلقة!..

بجدية..

ما هيَ السعادة؟!

لماذا أنا أفكرُ هكذا؟!، منذُ متى وأنا أفكرُ بالسعيدين من حولي؟!؛ ليسَ كما لو أنَّ الأمر يدورُ حول البشر فحسب..

بل حتى السماء، الغيوم، الطيور، البحار، الأسماكُ وكلُّ ما يَرِدُ عليَّ!.

حتى بدأت أظن بأنَّ الرياح سعيدة؛ لمجرد أنها تحركُ أغصان الأشجار لتضايقني بما مُنِعَ عني!

شعرتُ بينما أنا عاجزٌ عن إيجاد أيِّ إجابة.. ولو لسؤالٍ واحد – بأني..

غريبٌ عنْ نفسي!

فكلُّ هذا التفكير المفرط.. أوصلني لسؤالٍ واحد..

مَن.. أنا؟!

لماذا.. لا أتذكرُ شيئاً عن نفسي؟!

انكمشت ملامحي بمزيجٍ غريب بين الحيرةِ والارتباك وبين الخوفِ والغضب؛ إذ كنتُ مذعوراً من أن أجيب عن ذلك السؤال..

مَن أنا؟!

فحينَ أكرره..

أشعر.. كما لو أني أُخفي شيئاً عن نفسي!

أشعر كما لو أني يجب أن أتقرب من نفسي!

أشعر كما لو أني يجب أن أبحث عن ما الذي يُحددُ هويتي الحقيقيةَ!

أشعر كما لو أني يجب أن أبحث عن أجوبة!

أشعر..

تلاشت أفكاري بفعلِ حرارةٍ تَدَفَّقت على كتفيَّ،

علمتُ فوراً أنها يدُ المدير؛ فهوَ بالطبع لن يتركني أغادر ثانويته دون أن يتّبعني.

وهنا، قطع الشك اليقين بأنَّ ما يفعله..

أمرٌ مُلزَمٌ به!..

---------------

ارتاحَ قلبي حينما أستيقظتُ أخيراً من ذلك الضياع الساحق؛ حيثُ انفجرت عينايَ من سجن جفوني، لأجد نفسي مُلْقًى على عشب فناء المنزل أسفل النافذة، في ذات البقعة التي داهمتني فيها تلك المرأة.

رمشت عدّةَ مرات لأُخففَ عن عقلي الإرهاق الذي يسكُنُه؛ ولأُعيدَ تجديد تركيز رؤيتي ووضوحِها.

شعرتُ بيدِهِ تشدُّ على كتفي بخفة، وكأنهُ يريدُ أن يسألني إن كنتُ أعيه أم لا، أو أن يؤكد لي فقط.. أنه – معي؟!

سخافة!

رفعتُ نظري بسخطٍ نحوه، برؤيةٍ ضبابية بينما ألتقطُ أنفاسي من فمي بشهيقٍ حار، لكنه ليسَ أشد من حرارةِ يدهِ التي تجرّأت للمرة الثالثة على لمسي؟!، وتجاوز حدوده معي؟!؛ معتدياً على مساحتي الخاصة دونَ أيِّ احترامٍ لروحي!. تحولَ إرهاقي المُضني إلى شُعلةِ غضبٍ وحقدٍ مُتَّقِدة؛ فانتفضَ جسدي، وقفزت أطرافي بحركة دفاعية غريزية نحو البابِ، مُبعِدَةً إياي عن مَكرِ ذلك الرجل!.

حاولتُ النهوض بسرعةٍ حثيثة؛ مستنداً بذراعي الأيسر على عتبة الباب لأرفعَ جسدي المُتشنج؛ إلا أنَّهُ أعاقَ قيامي، وثبّتَ يديهِ الاثنتين على كتفيّ بثباتٍ لا يُشكَكُ به، وأجلسني مكاني قسراً!،

= لا يجبُ عليك التحرك؛ فجسدكَ مُنهك..

لم يُكمل جملتَهُ المُفعمة بالقلق حتى صمتَ فجأة، وتوقف الكلام على شفتيه حينما رأى في عينيَّ حقداً جباراً ينبضُ رغبةً صارخة بقتلهِ هنا والآن!.

ورغمَ هذا؛ فإنَّ جمودَ ملامحهِ كان يصرخُ في وجهي بأعمقِ ما يكون، بأنني لن أستطيع تجاوز هيبة هذا الرجل المهيب؛ كأنني أحاولُ هزَّ جبل زلزالٌ مدمر عجزَ عن تحريكه!..

فكيفَ بي أنا؟!..

سخافةٌ حقاً!

حدّقَ فيَّ بنظراتٍ خاوية، خالية من أيِّ شعورٍ أو تعبير، دارت عيناهُ بغرابة؛ من عينيّ المتعطشتينِ لدمه، حتى أسناني التي تصطكُّ اشمئزازاً وعدوانية نحوه.

وسألني بابتسامة باردة مُرعبة بينما يضغطُ فوقَ كتفيّ بقوةٍ جامحة لا ترحم:

= مَن.. أنت؟!

فزِعتُ من سؤاله، وتساءلتُ بريبةٍ في نفسي:

* ما الذي يهذي به؟!.. ألم يكن طوال الوقت يلحقُ بي ويهتمُّ لأمري؟!.. *

ارتعشت عينايَ بحركةٍ مضطربة وسريعة؛ تَنقُلُ إلى قلبي رعباً يَجُرُّ خلفَهُ نبضاتٍ حادة مُمزِّقة حينما رأيتُ وجههُ يذوبُ بالكامل من على عظام جمجمته، ليسيلَ كالشمع على العشب الأخضر، وتبقى ملامحه.. خاوية.. فارغة.. تماماً كتلك..

المرأة!

ارتعش جسدي وعاد رعبي، شعرتُ بالخوف يتجمَّدُ في عروقي لدرجة عدم استطاعتي على إزاحة بصري عنها!. كانت شفتايَ الراجفتان تحاولان النطق بأي حرف، لكنهما عجزتا؛ ولم يصدر منهما سوى أنينٍ خائفٍ ومقهور!.

لم يكن بوسعي سوى التحديق..

أحدق

وأحدق!

متمنياً فقط.. أن تزول تلك الابتسامة الباردة عن وجهها!.

سمعتُها تقولُ لي بصوتٍ مخنوق يعتصرُهُ اليأس والحزن بينما تُلصقُ جبينَها بجبيني، وتمسحُ برفقٍ على يدي لتلطخَني مجدداً بدمائِها:

❀ لِمَ يداكَ باردتان؟

اندهشتُ من سؤالِها الغريب، وتلقائياً بدأتُ أفرُكُ يديَّ ببعضهما؛ لأتحَسَّس حرارتَهُما..

= ما بك؟!

- ها؟!

وجدتُ المديرَ أمامي يناديني، وجههُ عاد إلى مكانه؛ كأنهُ نُحِتَ من جديد!.

أملتُ رأسي للأمام، حتى كادَ يَلمِسَ صدره، وسألته بعينينِ خاويتين:

- هـ.. هل.. يداي باردتان؟!

تبدّلت ملامحُهُ الجامدة إلى استغرابٍ غيرِ مفهوم، ومدَّ يدهُ اليمنى القاسية ليتفقد حرارةَ يديَّ المتداخلتين،

= ليست باردة..

قالها وجفونه تنخفضُ تدريجياً بحيرة. همهمتُ بصوتٍ خافت، ودمعة لامعة تتوهج بعينيَّ، مختبئةً خلفَ غرتي المنسدلة:

- لكنها.. كانت هكذا منذُ البداية!

أفلتني المدير وجلسَ بقربي مُتربِّعاً بقدميه، شابكاً يديه بينما يُفَكِّرُ بعمق وتدبُّر:

"ما هيَ الطريقة الأنسب للتعامل معي؟! "

كرجل بالغ يرى أمامهُ شخصاً يحتاجُ للمساعدة، وليسَ كمديرٍ مُعتادٍ على التعامل مع طلابِ ثانويتِه المرموقة، تلك التي لا تَحتملُ أيَّ خطأ أو تهاون!.

حدّقَ فيَّ بنظراتٍ مطمئنة، نصفِ مغلقة، ثمَّ أدارَ بصرهُ يتفقدُ المكانَ بأسره؛

من باب المنزل حتى الشجرةِ الكبيرة، ثم نحو السياج الحديديِّ أبيض، لتَسقُطَ نظراتهُ أخيراً على الحديقة الواسعة أمام المنزل.

كنتُ أتأمَّلهُ وأترصَّدُ حركاته، أُحللُ ما يدورُ في خلدهِ من أفكارٍ وخطط.

- أينَ مُمتلكاتي؟!

سألته ببرود؛ مما جعل حاجبيهِ يتقاربانِ تساؤلاً،

= لا تهتم بهذه الأمور؛ فهيَ محفوظةٌ بعنايةٍ عند..

قاطعتهُ بينما أرفع رأسي بتأنٍّ مشؤوم:

- لماذا.. لمستماني؟!

تراخت ملامحه، وبدا عليه الحذر والارتياب. التفتَ برأسهِ نحو باب السياج، وظلَّ يحدقُ طويلاً منْ خلاله؛

راقبَ خطوات الأشخاص المضطربة وهم يسرعون على الإسفلت،

تتبَّعَ تطاير أوراق الشجر بفعل نسمات الهواء العليلة،

وأصغى لصوت السيارات المعتدلة التي توحي بالسكينة والاطمئنان.

ثم عادَ يحدقُ بي بابتسامةٍ لطيفة – صامتٌ لا ينطقُ بحرف. كانَ صمتهُ هذا بعد دقائق طويلة مِنَ التحديق، مستفزّاً لي بشكلٍ لا يطاق؛ فليس من الصعب أن تدرك بأن التصرف المناسب معي هو أن تنصرف من أمامي!.

نهضتُ معتمداً على الباب، ولم يمنعني بل نهضَ معي، وطلب مني بينما يُخرجُ شيئاً من جيبه، كانَ كفيلاً أن يغيّرَ مزاجي بشكلٍ جذري؛ حيث ناولني مفتاح المنزل بذات ابتسامته اللطيفة:

= ادخل واسترح بما أنكَ تجد البقاء وحدك أفضل لعقلك

- بما أنّكَ قلتَها؛ فأرجو منك المغادرة الآن

صرحتُ بها بلهجةٍ حاسمة بينما أنتزِعُ المفتاح من يده بأطراف أصابعي، ثمَّ أدرتُ ظهري وفتحتُ البابَ الموصد.

مضيتُ في خطواتٍ متقطعة داخل العتبة؛ عازماً على إنهاء هذا المشهد البغيض، غيرَ مُكترثٍ لمكانته؛ فهو ليس أكثرَ من متطفلٍ مأمورٍ في منطقتي!.

وقبلَ أن أُغلق الباب، وددتُ أن أرى التعابير التي ارتسمت على وجهه، وكانت تماماً كما توقعت..

هادئة، بابتسامة زائفة؛ فثارَ حنقي من هذا القرف المصطنع، زرطمتُ البابَ في وجهه بقوة مُتضائلة لم تُحدث أيَّ صوتٍ ثقيل يعبّرُ عن مدى اشمئزازي من القناع الذي يتقمصه!.

* سحقاً، كمْ أكرهه! *

مع هذا، لا أنفي أنهُ أنقذني – قبل أن لا تكونَ لمناجاتي قيمة.

---------------

أوصدتُ البابَ بإحكام، وخلعتُ منه المفتاح ورميتهُ فوقَ الطاولة بحدة؛ فطغى صوتهُ يرُنُّ في جنبات الممر. نزعتُ الحذاء بعناية، ثم رتبتهُ بإتقانٍ بقربِ الطاولة. ثُمَّ توجهتُ صَوبَ غرفة النوم في الطابق الثاني، بخطواتي التي تَصْدَحُ في جَوفِ خشبِ المنزل الذي يستشعر هيجاني ويحاول بفشلٍ امتصاص غضبي وتهدئة روعي، إلا أنّه لم ولن يمتصه؛ بفعلِ وابلٍ من الأفكار يغزو عقلي بوحشيةٍ صارخة، ويشعلُ دمي برغبةٍ جامحة في النزول إليه وقتلهِ على تزييف ابتسامتهِ معي!؛

فأيُّ أمرٍ يستدعي كلَّ هذا التبسُّمِ المقيتِ لأجله؟!؛

حقاً.. إني لا أعلم!.

دخلتُ غرفة النوم بخطواتٍ عَجلى مُتعرِّجة، ثم ألقيتُ بنفسي جالساً على حافة السرير.

فما إن استقرَّ بي المقام حتى تراخت أعصابي بالكامل؛ لتستسلمَ بأريحيةٍ للضعفِ الذي أخبئه، دونما استحياءٍ أو خوف من مراقبةِ أحدٍ لي. استلقيتُ وطوحتُ بظهري إلى الوراء، حتى تناثرَ شعري بعشوائية وفوضوية مُطلَقة.

أخذتُ أجولُ ببصري في تفاصيل السقف أبيض، باحثاً عن جوابٍ ما يزيحُ عن قلبي ثقلاً ما.

لكن.. دونَ جدوى؛ فكلُّ ما أجده هو المزيد من الأسئلة المُزعجة التي تُثقلُ رأسي بصداعٍ مهلك.

غطيتُ عينايَ بذراعيّ، وتنهدتُ بغصةٍ كامنة في أعماقِ فؤادي وأنا أتساءلُ بمرارة:

* لماذا تجبرني على التصرف هكذا؟! *

تصرفات المدير كشفت لي بأنهُ يترصَّد بي ويلاحق تحركاتي بدقةٍ متناهية، وهذا بلا شك.. لأنهُ مجبورٌ على فعل ذلك من جهة ما.. لكن.. من هي؟!، ولماذا أنا بالذات؟!..

ومع هذا.. ما أفعله تجاهه ليس أنا!.

هذا ليس أنا!،

لا يشبهُني البتة!.

ومع المديرِ بالذات؟!، مدير الثانوية العريقة ذي المكانة العالمية! – إنَّ هذا ليزيد الأمرَ سوءاً فوقَ سوء!.

أسندتُ ذراعي اليمنى إلى الأمام ورفعتُ جسدي بصعوبةٍ بالغة كي أختلسَ النظر من وراء ستارة النافذة؛ لأجدهُ واقفاً عند الشجرة، يتحدثُ عبر الهاتف بملامح جادة صارمة.

* في مكانٍ كهذا؟!..

أليسَ من الأجدى له أن يتحدثَ في مكتبه أو منزله؟!، لماذا تحديداً عند شجرة المنزل الخاص بي؟! – أم أنَّ الأمرَ يتطلب تقريراً شاملاً عني أنا بالذات؟!؛ لهذا يريد التأكُّد من عدم مغادرتي؟!..

وكيفَ لي أن أغادر أساساً وأنا بهذه الحال المزرية؟!..

يبدو..

بأنني أتعامل مع أمرٍ أكبر بكثير من المدير!.. *

تركتُ الستارة وأخرجتُ من الدرج بعض المسكنات؛ علّها تُخفّفُ عني قليلاً وطأة الألم المتفجر بكلِّ عِرقٍ بجسدي. استرحتُ برهة، ثم نهضتُ وسرتُ بخطواتٍ خفيفة لكنها بطيئة أثر التعبِ والإرهاق، متوجهاً نحو الحمام، لأغسلَ عني قذارة اليوم المقيت، وأستعيدَ كامل ذاتي المحمية.

غسلتُ جسمي سريعاً، نشفتُهُ بعناية ودهنتُهُ بالمرطب، ثم لففتُهُ بمنشفة قطنية وجلستُ على حافة حوض الاستحمام، أنتظرُ دقائقَ معدودة ليجفَ المرطب ويأخذَ مفعوله.

في هذه الأثناء، كلُّ ما شغلَ بالي هو ألا أبذلَ أيَّ مجهودٍ إضافي، وأن أخلدَ في سباتٍ عميق، هادئٍ ومريح.

مرت الدقائق وكأنها دهر، وحينما جفّ المرطبُ أخيراً، لبستُ ملابس رياضية رمادية كانت معلقة خلفَ باب الحمام قد علقتها لي خالتي مسبقاً،

* حتى قبل مغادرتكِ، تفعلين ما أحتاجه!..

شكراً لكِ.. *

عدتُ إلى الغرفة ونظري مثبتٌ بشهوةٍ على السرير؛ أتوقُ بشدة إلى دفن نفسي أسفل الغطاء؛ عدا أنَّ تلكَ الشهوة سرعانَ ما تبدّدت، وحلَّ محلَّها فضولٌ جامح رغماً عنّي، كي أختلس النظر مرة أخرى نحو الفناء.

أخذَ جسدي كله وضعية التأهبِ والحذر بينما أشاهده يرتكئُ بثقة على الشجرة، كأنهُ يوهِمُ نفسه بأنه في منزله أو في مكانه الخاص!.

تركتُ الستارة بسرعة، ونزلتُ إلى الطابق الأول إلى المطبخ.

وجدتُ الورقة بيضاء معلّقة على الثلاجة، مُثبّتة بقطعة مغناطيسة حمراء؛ اقتربتُ منها وتمعنتُها باستياءٍ شديد، وأنا أزمُّ شفتيَّ بأسى وغيظ،

٫ كتومي،

اتصل زوجي وأخبرني بأن بهاء قد أصابته حمى شديدة

وأنت تعلم أن زوجي يتوتر بشدة عندما يصاب ابننا بالمرض

لذا لن يتعامل مع الأمر بشكلٍ جيد

سأغادر البيت الآن

كنت أرغب بقضاء كامل الشعر معك ككل سنة

لكن الأمر قهري • _ •

أحبك جداً ♥✿

ملاحظة • ^ •:

الغداء بالثلاجة فتأكد من أن تتناوله كله وإلا..!

الأحد

٢٠٤٤/١٠/٢

١١:١١ صباحاً ٬

- البارحة..

انتزعتُ الورقة ومزّقتُها لقطع عشوائية، ونثرتُها على الأرض بينما تضطربُ أنفاسي وتتسارع.

ثم تمتمتُ بسخطٍ ورفضٍ تام:

- ما خطبُ كلِّ شيء يمضي بغيرِ ما اعتدتُ عليه!

---------------

أخذتُ شهيقاً عميقاً لأهدئَ جماحَ غضبي، وأخرجتُهُ بزفيرٍ متتالٍ؛ كي أتأكدَ من خلوِّ عقلي من أيِّ شائبة تزيدُ من سوء حالي.

قعدتُ على الأرض وجمعت الأوراق الممزوقة ورميتُها في سلة المهملات. ثم نهضتُ منتصباً القامة، وفتحتُ الثلاجة لأستخرجَ علبة الحليب. توجهتُ إلى الخزانة التي بجانب الموقد وأخرجتُ منها كأساً زجاجياً شفافاً، وصببتُ الحليبَ في قلبه، ووضعتهُ على صينية زجاجية لامعة مُزخرفة على أطرافِها بورودٍ حمراء لم تكتمل زهرتها بعد. ثُمَّ، أضفتُ منديلاً ورقياً أبيضاً ورتّبتُهُ بجوار الكوب؛ ليكونَ كلُّ شيء ذو مظهرٍ مثاليٍّ أنيق.

سرتُ بترقبٍ إلى الممر متوجهاً نحو الباب الخارجيِّ للمنزل. انتعلتُ الخفَّ، وألتقطتُ المفتاح. ثم ألقيتُ نظرة خاطفة من عين الباب؛ لأتأكّدَ من أن كان المدير في مكانهِ أم لا.

رفعت حاجبي الأيسر بدهشة مريبة حينما رأيتُهُ لا يزالُ مرتكئاً على الشجرة، ورأسُهُ منخفضٌ للأسفل؛ فأخذتُ أتساءلُ في خلدي:

* هل هوَ نائم؟!، أم أنهُ يتظاهرُ بذلك بينما يعلم أنني سأخرجُ إليه حتماً؟!، وكيفَ يعلمُ ذلك أساساً؟!..

أم أنه.. ما زالَ يفكر في المكالمة التي أجراها للتو؟! *

وضعتُ المفتاحَ في بيتِه وأدرتُهُ حتى فُتحَ الباب. خطوتُ عتبة الباب بينما أغلقُهُ بيدي اليمنى، وسرتُ نحوه بخطواتٍ مسموعة غير مستقيمة؛ فرفعَ رأسهُ فوراً ليرتسم على شفتيه ابتسامة مصطنعة متكلفة.

توقفتُ أمامه على بُعدِ مترٍ واحد، ومددتُ ذراعي المرتعشة قليلاً؛ فسقطت قطرة حليب على الصينية، تسبح بداخلها،

- تفضل

نطقتُها بنبرة خافتة مرهَقة.

أمالَ فكَّهُ للأسفل بدهشة، وأمسكَ بالكوب بيده اليسرى؛ فشدّت هذه الحركة انتباهي،

وسألتُهُ دون إرادةٍ مني:

- هل أنتَ أعسر؟!

حدّقَ بي باستغراب وهو يُمسكُ بالكوب فوق الصينية. حينها أدركتُ أنّ كلماتي خرجت مني دونَ قصد؛ فاستدركتُ الحديثَ وأنا أغمضُ عينيّ، متظاهراً بابتسامة خفيفة:

- من النادر أن أرى شخصاً أعسر!

ضحكَ لي، ورفعَ الكوب من الصينية وبدأ يرتشفُ بهدوء، رشفة تلو الأخرى. ومن ثمَّ، تناولَ المنديل ومسحَ أثرَ الحليب الذي التصقَ بشفتيه. وأخيراً، أعادَ الكأس والمنديل إلى الصينية بينما يقول بعفوية:

= ما أطيبَ هذا الحليب!

ابتسمَ لي بصدقٍ وأكمل:

= أتدري؟ كنتُ أبحثُ عن هذا المذاق بالذات منذُ سنوات

تراخت ملامحي واتّسمت بالجدية،

- حقاً؟!

ربّتَ على كتفي بيده اليمنى،

= ادخل واسترح؛ فسأرسلُ لك أغراضك في مساء هذا اليوم

ثم غادرَ المكان بينما يلوحُ بيده اليسرى، مبتعداً عن فناء المنزل.

هذا الرجل.. يثيرُ الريبةَ حقاً!،

ما الذي يخفيهِ مدير الثانوية المرموقة عني وعن الجميع؟!..

إلا أنَّ الشيء الوحيد الذي أيقنتُهُ هنا هو أنني أعلمه، لكنني لا أتذكر أين ومتى علمته حقاً!.

كانت تصرفات خروجه واضحة أمامي بكل تفاصيلها؛ خطواته المنتظمة، يده اليمنى في جيب بنطاله، ويده اليسرى تلوحُ لي..

تشبهُ تصرفات شخصٍ ما كانَ يفعلُ هذا عندما يغادر.. هل، أنا على معرفة قديمة بالمدير.. وتناسيتُهُ أيضاً؟!.

حاولتُ البحثَ في ثنايا ذاكرتي عن خيطٍ يُذكرني،

" من يكون هذا الرجل؟! "

قبل أن يغادرَ تماماً وينقطعَ تركيزي عنه.

لكن دونَ جدوى؛ رأيتُه يتوارى تدريجياً عن نظري.

استنشقتُ نفساً عميقاً، ثم سددتُ بصري نحو الشجرة؛ اقتربتُ منها بخطواتٍ هادئة، وبدأتُ أتحسسُ بيدي اليمنى مكان ارتكازه بتمعنٍ وتأمل. بعد لحظات، عدتُ إلى المنزل، غسلتُ الكأس والصينية، ثم وضعتُهُما على المُصَفِّفِ كي يجفا. وبعدها، جففتُ يديّ بالمنشفة،

وفجأة..

استوقفتني فكرة أنني نسيتُ أمراً ما؛ فبدأت أجولُ بناظريّ أرجاء المطبخ؛ من اليسار إلى اليمين، ومن الأعلى إلى الأسفل، لعلَّني أتذكر ما الأمر، لكن انشغالي بأمر المدير كانَ يمنعُني من التذكر.

أملتُ رأسي إلى اليسار، بينما أضعُ يدي اليسرى على صدغي؛ مندهشاً من شدة براعة الطبيب بمعالجته لهذا الجرح الخطير بهذه الدقة المتناهية، ودون أن يضطرَّ لنقلي إلى المستشفى..

- أمرٌ مبهرٌ حقاً!

وما يزيدُ انبهاري أكثر؛ أن شعوري بالألم والصداع يكادُ يكونُ معدوماً، مقارنةً بكلِ ما مررتُ به..

- هآ

وماذا عن المدير الذي تبعني وقطعَ كل هذه المسافة إلى المنزل الذي أقطنُ به؛ لكي يطمئنَ عليَّ فقط؟!.. حتى أنه تأكدَ من سلامتي قبل أن يغادر!،

- هآه!..

ينبغي أن أهديهما هديةً صغيرة؛ تقديراً لما فعلاه لأجلي!

( هدية ستملأ قلبهما فرحاً؛ ولكنها ستكون بمثابة المرآة التي تعكس لهما حجم ضآلتهما أمام شعلة غضبي المتوهجة!. )

---------------

" السلام عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته، أعزاءنا المشاهدون، عبرَ برنامجنا " حقيقةٌ لا تتغير "؛

سنعرضُ عليكم بعد قليل موجزَ الأخبار، وما يليهِ من تفاصيل لأخبارٍ عاجلة وردتنا للتو "

كنتُ أتابعُ بهدوء نشرة الأخبار في اليوم التالي، في تمام الساعة السابعة صباحاً، في غرفة المعيشة المضيئة بأشعة الشمس الخافتة؛ والتي تنعكسُ أشعتُها على تموجاتِ الحليب بداخل الكوب الذي أرتشفُ منه باسترخاءٍ وبطءٍ شديدين.

كنتُ مستلقياً على الكنبة الزرقاء، أغطي جسدي بلحافٍ قطنيٍّ رمادي ناعم، وأنتظر بحماس ذلك الخبر الذي سعيتُ لأجله!.

* حقاً.. لا أطيقُ الانتظار! *

ظهرَ المذيعُ مجدداً بابتسامةٍ هشة، ليسردَ موجزَ الأخبار بصوتٍ ثابت:

" سلسلة جديدة من جرائم القتل الغامضة تضرب المدن الكبرى "

- جرائم غامضة..

أنا لا أعلمُ حقاً ما الهدف من تسميتِها غامضة؛ طالما الأداة معروفة والأدلة موجودة!.

فقط لأن القاتل غيرُ معروف.. سميت غامضة؟!..

ماذا لو كان القاتلُ ذاته يرتكبُ الجريمة بغموضٍ تام؛ لأنهُ يجدُ هذا ممتعاً فقط، ولا يريدُ لأحد.. أن يوقفَ متعتَه..

ولماذا قد يكونُ هذا.. ممتعاً؟!..

ثم جاءَ الخبرُ الثاني:

" اختفاءُ أشخاصٍ في ظلِّ ظروفٍ غامضة "

- ظروف غامضة..

هل حقاً هو اختفاءٌ غامض؟!، أم مجرد اختطافٍ واضح؟!..

ماذا لو أنَّ الاختفاء لهُ صلةٌ وثيقة بجرائم القتل تلك!.

جرائم وظروف غامضة؟!..

- حقاً.. إنه لأمرٌ محتوم!

نظرتُ بداخل الكوب متأملاً حركة الحليب الساكنة وتموجاته المتفرقة؛ وسؤالٌ يلمع في خلدي شَحُبت لأجلهِ ملامحي:

* لماذا يبقى الشيءُ غامضاً رغم وضوحِ تفاصيله؟! *

وأخيراً.. وصلنا للخبر الثالث، الذي أشرقَ وجهي لهُ بابتسامةٍ عريضة؛ أثرَ الفوزِ الساحق الذي تحقق،

" حريقٌ في غرفة العيادة التابعة للثانوية العالمية المرموقة – ثانوية القلعة الحجرية "

هذا المكان الذي يُنظرُ إليهِ كرمزٍ للهيبة والوقار، بات الآن جزءٌ منهُ متفحم!.

- عظمة!..

ابتسمتُ بشماتة، ورشفتُ رشفة، وتخيلتُ جميع الغرف الفاخرة في ذلك المبنى العتيق تحترق، والابتسامات المزيفة تختفي بين ألسنةِ اللهب!.

- الثانوية بأكملها؟!

* يبدو أنَّ عليَّ تحسينَ أدائي في المرة المقبلة! *

( كنتُ على يقينٍ تام أنَّ هذا الحريقَ هو بدايةُ حكايتي أنا.. أو لربما.. نهايتها!. )

بعد مضيِّ ساعة، أخذتُ حماماً منعشاً، ودهنتُ جسدي بالمرطب كالعادة، انتظرتهُ بضعَ دقائقَ ليجفَّ، ثم ارتديتُ ملابسَ رياضية مريحة.

تفقدتُ الساعة فوق السرير؛ فإذا بعقاربِها تقفُ بجمودٍ على الرقم تسعة.

همستُ لنفسي بمديحٍ صادق:

* إيقاعي الخاص دائماً ما يتميزُ بدقته وانضباطه وهذا أمرٌ يستدعي الفخر! *

خرجتُ من المنزل متوجهاً نحو المستشفى؛

لفحصِ صدغي والتأكد من حالتي الصحية؛

وأيضاً، لاستنشاقِ بعض الهواء النقيِّ اللطيف.

كانَ الصباح جميلاً جداً، مشهدٌ يبعثُ على الانسيابية والخفة، حيثُ لا يوجد الكثير من الناس في الطرقات، فلن أضطر لسماعِ أحاديثهم التي تتداخل مسببةً الضجيج،

ولن أرى تلكَ الابتسامات الواهية، حقاً!.. هل يمكنُ للصباح أن يكون أفضلَ من هذا؟!

بعد السيرِ لقرابة الخمسِ دقائق، وصلتُ إلى المستشفى الأشهر في محافظتي:

༺̥˚ مستشفى دار الشفاء ˚̥༻

كم أحبُّ الأسماء التي تصفُ مكانها وتبعثُ على الوقار والانسجام؛ فكلما قرأتُ اسم المستشفى، شعرتُ بأنني بأيدي أمينة.

لم أكن بحاجة لأخذِ موعدٍ من السكرتيرة؛ إذ توجهتُ مباشرة إلى الطابق الثالث، انعطفتُ يميناً، وطرقتُ بابَ عيادة الطبيب إياس السلوان؛ الطبيب والباحث المختص.

استجابَ بصوتهِ المألوف:

= تفضل

دخلتُ وألقيتُ التحية عليه؛ فما إن رآني حتى ابتسمَ ونهضَ مسرعاً ليحتضِنَني بقوةٍ دافئة. ثم أخذَ يربتُ بيديهِ الاثنتين على كتفيَّ ببطءٍ وثبات وهو يقول بنبرةٍ سعيدة:

= كنتُ أتوقع قدومكَ إلي، بني!

ابتسمتُ مصطنعاً:

- بسبب أخبار اليوم؟!

= يا لكَ من ذكي!

أجبتُ بهدوءٍ وثقة:

- هذا أمرٌ بديهيٌّ.. يا والدي!

---------------

ضحكَ بعفوية؛ بيد أن ضحكتَهُ سرعانَ ما تلاشت حينما وضعَ يدهُ اليمنى على صدغي، وبدأَ يتحسسُ المكانَ بحذرٍ شديد.

ثم قالَ لي بنبرةٍ قلقة خافتة، وهو ينزعُ الضمادة عن الإصابة:

= يبدو أنَّ الإصابة جديدة..

وأجزمُ أنها حدثت منذُ ما يقاربُ يوماً ونصفاً إلى يومين..

أجبتُ وأنا أرخي جفنيّ:

- أجل، قبل البارحة، تشاجرتُ مع ذات الطلاب، وقامَ أحدهم بضربي بصخرة على صدغي أدى إلى فقداني للوعي

اتسعت عينَي الطبيب إياس بذهولٍ تام،

وامتزجت ملامحُهُ بغضبٍ جامح بدا وكأنهُ أشعلَ الجو سخونة!.

شدَّ على كتفي بيده اليسرى بقوة، بينما يسألُني بحدة صارخة تكادُ تنفطر:

= لمَ لم تخبرني؟!..

لمَ لم تأتِ إلي أو تتصل بي حتى؟!

بقيتُ صامتاً أحدقُ في الأرض، أفكرُ باستياءٍ وبرعشةٍ طفيفة تعتري بؤبؤيَّ:

* هذا الأمر.. الذي نسيتهُ سابقاً – يا للسخافة! *

استشعرَ خوفي؛ فتضاءلَ غضبُهُ تدريجياً من ملامحه، ليعودَ إلى هدوئِهِ المعتاد.

ثم ثبتَ نظره على صدغي مكملاً حديثَهُ بنبرة حانية لكنها حازمة:

= لا شك أنَّ الطبيب الذي عالجَ جرحَكَ ماهر.

ومعَ ذلك.. كانَ يجبُ عليك على الأقل أن تتصلَ بي، وتسردَ لي ما حدث؛ لأذهبَ أنا وأتعامل مع هؤلاء الطائشين بنفسي!

دُهشت من ردة فعله على الرغم من أنني اعتدتُ عليها منذُ الصغر؛ إلا أنها دائماً ما تذكرُني بأنَّ هناك من يهتمُ بي حقاً!.

لأكونَ صريحاً.. أنا لا أعلمُ كيف أتصرف في مثل هذه المواقف أبداً..

لذا خفضتُ رأسي ونظرتُ إلى الأسفل..

كان هذا أسلوبي الوحيد في الاعتذار إليه.

تنهدَ قليلاً، وقالَ لي بنبرةٍ هادئة مطمئنة، بينما يشيرُ بيدهِ اليمنى إلى سرير الفحص الطبي:

= تمدد كي اتفحصَ صدغَك، وأيضاً أريدُ منكَ أن تخلع بلوزتك؛ حتى أتفقدَ ظهرك وأتاكد من عدم إصابة الدِعامة بأيِّ ضرر

نفذتُ ما طلبهُ مني، وجلستُ أولاً على طرف السرير، ثم خلعتُ البلوزة ووضعتُها بجواري.

بدأَ يتفقدُ صدغي بدقةٍ وعناية بمصباحِهِ الطبيِّ، وأخذَ يهمسُ لنفسه، وعيناهُ مملوءتان بالدهشة:

= يا لهذهِ الدقة في العلاج – لقد تطورت مهاراتُهُ بسرعة!

اقتربَ حاجبيَّ من بعضِهما باستغراب،

* تطورت.. مهاراتُه؟! *

= لماذا انكمشَ حاجباك؟ أتشعرُ بوَجَع؟

حللتُ حاجبيَّ فوراً، وأجبتُ بينما أغمضُ عينيَّ:

- لا، فقط الإضاءة أزعجتني قليلاً..

همهمَ بابتسامة لطيفة، ثم شرعَ بتطهيرِ الجرح وتضميدِهِ بضمادةٍ جديدة معقمة. بعد انتهاءه، طلبَ مني أن أستلقي على بطني ليتفحصَ ظهري. استلقيت، ثم مسحهُ بشاشةٍ طبية رطبة، وبدأَ يتحسسُ ظهري ببطءٍ شديد، وكلما حركَ يدهُ يسألُني إن كنتُ أشعرُ بشيءٍ ما، وكنتُ أُجيبُهُ أنني لا أشعرُ بشيء ولا حتى وخزة طفيفة، تمتمَ لي بتركيزٍ أنَّ هذا جيد بينما يستدير بكرسيِّهِ نحو الطاولة ليخرج من درجها مادة هلامية تُستخدمُ على الجلد قبلَ الكشف، ودهنَ بها كاملَ ظهري. انتظرَ قليلاً، ثم مررَ جهاز الكشف وهو ينظرُ إلى الشاشة.

كنتُ أترقبُ بصمت ما النتيجة المنتظرة، حتى نطقَها أخيراً بابتسامة خفيفة:

= يبدو أنَّ الدِعامة ما زالت بحالةٍ لا بأس بها، وهذهِ أخبارٌ جيدة

* لا بأسَ بها؟!.. هل تضررت؟!، كيف؟!..

أنا - لا أتذكر بأنني.. أذيت ظهري؟!.. *

- أجل..

أجبتهُ بنبرة باهتة، نظرَ إليَّ بنظرةِ تعجبٍ غير معتادة وسألني إن كنتُ بخير؛ فأجبتهُ بصراحة اعتيادية:

- أنا فقط.. أكرهُ هذا النوع من الفحوصات

أدركَ ما كنتُ أقصده، ونهضَ عن كرسيه بسكوت ثقيل. شعرتُ أنَّ كلامي هذه المرة قد آذاهُ قليلاً.. غير أنني تجاهلت الشعور فحسب. طلبَ مني بنبرة مُقلقة بأن أرتدي البلوزة وأجلسَ أمامهُ ليناقِشَني بموضوعٍ ما. ارتديتُ البلوزة بينما أُحدقُ به وهو يرتبُ أوراقَ المرضى، وتساءلتُ في سِرِّي بحذرٍ مَشحونٍ بالتوتر:

* ما هو الموضوع الذي سيُحاسِبُني به؟!، هل بسبب ما قلتُهُ له؟!؛ لكن هذا ما أقولُهُ دوماً عند الكشف!..

لا، لا..

هل لأنني لم أتصل به البارحة؟!؛ لكنني كنتُ مُشغولاً بأمر المدير!..

ربما أنا أبالغ بالتفكير؛ لربما يريدُ فقط أن يعطيني بعض المال لأشتري بهِ بعض الضروريات، أو وصفة دواء من الصيدلية لصدغي؛ لمنع الصداع والآثار الجانبية.. *

= توقف عن التحديقِ بي وتعالَ اجلس على الكرسيِّ أمامي!

أمْلَى بها بصوتٍ عالٍ وحاد؛ ففزعتُ من طريقة كلامه، ومضيتُ متوجهاً إليه بخطواتٍ ثقيلة مضطربة، وشعورٌ بالخوفِ والتوتر يضغط على صدري وكأنني - فعلتُ جريمةً لستُ فاعلها!..

فما الذي سيحدث.. بعد قليل؟!..

---------------

جلستُ على الكرسي أمام مكتبه وأنا أنظرُ إلى الأرض؛ مُحاولاً بيأس إخفاءَ توتري الذي كان واضحاً في ارتجافة رجلي اليسرى. تنهدَ الطبيب إياس تنهيدةً عميقة، كانت كفيلة بأن تصعقَني من الداخل، وكأنها تُنبئُ بأنه سيقول لي شيئاً.. لن أتقبلهُ أبداً!.

= انظر إلي!

قالها بحزم وهو يعقدُ ذراعيه.

ابتلعتُ ريقي، وأخذتُ شهيقاً سريعاً من فمي، ثم رفعتُ نظري البارد نحوه بينما أُخرجُ الزفيرَ ببطء من أنفي.

وأجبتهُ بنبرة واضحة هادئة:

- أسمعكَ جيداً، تفضل بالتحدث

= بني.. ما بكَ لا تُفصح لي عمّا بقلبك كما في الماضي؟!

رفعتُ حاجبي الأيسر باستغراب؛ فسؤالُهُ كانَ غريباً جداً وغيرَ مفهوم،

- المعذرة؟!

نهضَ فجأة وضربَ بكلتا يديه على طاولة مكتبهِ بغضبٍ جامح بينما يصرخُ في وجهي بصوتٍ جهوريٍّ:

= لماذا لم تخبرني مِن قبل أنهم ما يزالون يتعرضونَ لك! – قد ظننتُ أنهم لن يتعرضوا لك، بما أنًَك تخبرني دائماً بِأَنَّكَ تلزِمُهم حدودَهم؛ لكنني كنتُ مخطئاً تماماً!..

ضمَّ أصابع يديه بقبضةٍ ساحقة،

= هذهِ المرة – قد تجرأوا على ضربك، ضربة مبرحة، شوهت وجهك، خلّفت به ندبة، وفوقَ كلِّ هذا – أفقدتكَ وعيك!..

أخبرني!..

ماذا سيفعلونَ بكَ في المرة القادمة؟!..

صَكَّ بأسنانهِ بعنف، قبلَ أن يكمل بنبرةٍ جادة عميقة:

= هل سيذهبونَ بكَ إلى أبعد من ذلك..

هل.. سيحاولونَ قتلَك؟!

بقيتُ ساكناً، لم أقوَ على الحراكِ أو التفوّهِ بحرف؛ إذ شلَّ جسدي تماماً.. أثّرَ كلمته التي ترددها شفتيَّ باضطرابٍ مرعب:

- قـ.. قتلي!..

{ لقطة لرَجُل يحزم ربطة عنقه بغرور }

خفضتُ رأسي مطأطئاً ظهري،

* لا أريد التصديق بأن.. تلك اللقطات الغامضة تعيد إليَّ الذكريات المنسيّة – وأنا..

مستيقظ!.. *

يدايَ تشتبكانِ معاً بحركاتٍ عشوائية،

عينايَ ترتعشان؛ وكلُّ المشاهد تتداخلُ معاً بضوضاء صاخبة،

وشفتاي..

ما زالتا تُردَّدانِ الكلمة مراراً وتكراراً بلا توقف:

قتلي.. قتلي.. قتلي!

- أنا.. سأُقتَل!

{ لقطة لطفل ينتحب بينما يحتضن وردة بيضاء داخل كفيه الصغيرين }

لم ألحظ قدوم الطبيب إياس حتى استقرت يدهُ بحزمٍ على كتفي؛ فقطعت قبضتهُ الثابتة تدفُّق اللقطات المنسيَّة، وصرَفَتني عَمَّا كنتُ فيه من ذهول!. تحركت يدهُ الأخرى وقبضت على كتفي الآخر؛ ليدفعني بلطفٍ نحو الأعلى حتى استقام ظهري، وكأن محاولته هذه ستمنعني من الغوص أكثر في عمق اللقطات المشوشة!.

رفعتُ رأسي بلهاثٍ متقطع؛ وأدركتُ فوراً بأنهُ لا مفرَّ من النظرِ مباشرة في عينيه، إلا أن ذلك يزيد الأمر سوءاً علي؛ إذ تُذَكِّرُني نظراتُه بنظرات تلك المرأة وكَأَنها..

ما زالت عالقة في بالي حتى النُّخاع!..

{ لقطة لعيونها الذابلة وهي تحدّق في عينيه الباردة، بينما الدماء منتشرة في كل مكان }

¶ دماء!

نزعتُ قبضتيه بعنفٍ عن كتفيّ متجاهلاً صدمتهُ الواضحة في هبوط جفنيه. نهضتُ وقبضتُ بقوة على معطفه الطبي، أشدُهُ نحوي بعدوانٍ وأنا أصرخُ في وجهه دون وعي:

- ماذا تخفي عني؟!

أتظنني لن ألحظ؟!

أتظنني لن أدرك؟!

أتظنني جاهلاً ينتظرُ من يُعلِمه ما وراء غموضِكم!..

حاول فكَّ قبضتيَّ عنه بينما يطلبُ مني الهدوء برويةٍ وحزم؛ لكن..

كلُّ ما كنتُ أريدهُ هو ليس الهدوء، ليس أن أهدأ!،

بل..

الصراخ و.. الصراخُ فحسب!..

أكملتُ ثورتي متجاهلاً محاولاته الفاشلة لفكِّ يديَّ عن معطفه:

- أنت.. تسألني بثقة؛ وكأني أنا من يكتم الأسرار!..

تنهدت بضيقٍ حار،

- هآ..

لماذا تظن.. أنَّ إخفاءَ الأمورِ عني سيجعلُني سعيداً؟!..

أتظنني أتجاهل؟!

أتظنني لا أهتم؟!

أتظنني.. فـ.. في كل يوم..

توقفت!..

توقفت الكلمات عن الخروج، وبدأت تتعثرُ على شفتيَّ؛ أدركتُ فوراً أنَّ عيناي تحاولانِ حبسَ دموعٍ لم تعدْ تطيقُ البقاء!.

هلعتُ في داخلي.. لم أعرف كيف أتصرف؛ فأنا.. لا أبكي! – تحديداً.. أمامَ أحد!..

قبضتاي بدأتا ترتجفان حتى تراختا عن معطفه..

ضحكت!..

ضحكاتٍ مكتومةٍ مُرَّة، محاولاً كتمَ ما بي وعدم البوح بالمزيد!..

انتهزَ الطبيب إياس الفرصة؛ فوضعَ يدهُ أسفلَ ذقني ليحاذي رأسي برأسه..

إلا أني شعرتُ بما ينويه؛ فتراجعتُ إلى الخلف بحركة خاطفة، كيلا يرى تلك الملامح المثيرة للشفقة!..

أدرتُ ظهري له متوجهاً نحوَ سرير الفحص بحركاتٍ متخاذلة توشِكُني على السقوط. ارتكزتُ بيديَّ على السرير وجسدي كُلُّهُ يرتجف، وبدأتُ أتنفسُ بسرعةٍ جنونية أحاول بيأس إيجادَ ثغرةٍ واحدة أستعيد فيها تركيزي المعدوم!..

أستعيد.. أستعيد..

{ لقطة لها وهي.. جُثّة هامدة على البلاط أبيض }

مهلاً..

---------------

مهلاً..

لا تقولي لي بأنَّ هذا ما حدث حقاً!..

طبقتُ يديَّ على رأسي بعنف، لا أطيق سماع هول الجملة القاتلة على روحي!

« كل ما عليك هو أن تعتني بهذه الفوضى هنا! »

- كيف نسيتُ أمراً بهذه الفظاعة!..

ركضَ الطبيب إياس إليّ وأخذَ بعجلةٍ يزيحُ يديَّ عن رأسي، بينما يقولُ لي كلماتٍ لم أكنْ أعي منها حرفاً؛ فكُلُّ ما كنت أعيه بوضوح.. هو شفتاه التي تتحركانِ كالعادة و..

جُرمَتُهُ المروعة!

تلك القطرات المثيرة للشفقة بدأت تنهمرُ من عينيّ بغزارة وأنا أسأله بصوتٍ مرتجفٍ محروق:

- أ.. ألستَ طبيباً؟!..

لماذا لا تعالج ما أ.. أقترفته أيديكم؟!..

لماذا لا تمسح الـ.. الدماء التي سفكتموها أمامي؟!..

لـ.. لا..

بل كم مرة مسحتُمْ فيهِ ذاكرتي لتخفوا عني نجاستكم؟!..

أكملتُ بضحكة مُدمعة:

- أنا.. لست الوحيد الذي يتخذُ قناعاً هنا..

وأنفجرت بزئيرٍ ساخط:

- وأنت أيضاً تتخذُ اقنعة كثيرة أيها السفاح اللعين!

..

- ها؟!..

..

- مـ.. ماذا؟!..

..

- ابتعد عني.. لا!..

❅❆❅❆❅❆❅❆❅❆

هناك، من ينتظرني!

❅❆❅❆❅❆❅❆❅❆

تيك توك، تيك توك

* ما هذا الصوت؟! *

فتحتُ عينيَّ ببطءٍ مُثقل، لأَجِدَ ما حولي لا يزالُ مُظلماً؛ لوهلة ظننت أَنَّي عُدتُ إلى ذلك الفراغ السرمديِّ حتى انعكسَ على طرف عيني ضَوءٌ خافت، فأملتُ رأسي نحو مصدره، ليتبيَّنَ لي تفاصيل مشوشة لكُتبٍ على الرفوف؛ تذكَّرتُ مباشرة بأني في غرفة عيادة الطبيب إياس، وبأني.. جِئْتُ لزيارته ولتفقد صدغي أيضاً..

= استيقظت أخيراً!

رددت كلمته باستغرابٍ وتعب شديد:

- أ.. أخيراً؟!..

حاولت الجلوس؛ إلا أن ظهري لم يقوَ على الحركة؛ إذ يضغط عليه بقوة شيءٌ ما. أملت رأسي إلى الجهة الاخرى، لأنشط تركيزي أكثر بينما اتحسس بذراعي اليسرى أسفل ظهري بتساؤلٍ مريب:

* لماذا.. هناك ضمادة؟! *

= يبدو بأنك تتساءل عن الضمادة، بني!

همهمتُ بإرهاق؛ مجيباً بذلك عن سؤاله.

جلس بقربي وبيده سجل العلاج الخاص بي.

وبدأ يدوِّن فيه بتمعنٍ غريب، بينما يُحدِّثُني بابتسامة مطمئنة:

= ألم أقل لك بأنَّ دِعامة ظهرك، بحالة لا بأس بها؟، وألم أقل لك حينها – أنني سأُعيد فتح الجُرح مجدداً؛ لأُثبِّتَ الدعامة بقطعة داعمة، ريثما يحينُ موعد العملية القادمة؟

أدرت رأسي المثقل إليه، بينما تتسع عينايَ بخوفٍ غامض غيرِ مفهوم:

- ستعيد؟!

= بني، ألا تتذكر؟

- أتذكر.. ماذا؟!..

وضع يده على شعري وأخذ يعبثُ به بلطف،

= ما ناقشناه؛ بخصوص الدعامة والعملية القادمة؟

انخفضا حاجباي بدهشة وحيرة؛ فهبطت جفوني من قوة ضغطهما،

- ما.. ناقشناه؟!

« طلبَ مني بنبرة مُقلقة بأن أرتدي البلوزة وأجلسَ أمامهُ ليناقِشَني بموضوعٍ ما »

- هآ.. أجل..

ربت على راسي بلطف،

= وألم نناقش، أننا سنُركب لك قطعة داعمة؛ لأن طبيب الثانوية، أعادَ فقط، خياطة جرح ظهرك؟

- ها!..

حاولتُ النهوض؛ مستنداً على ذراعه الموضوعة فوق رأسي، ضغطت عليها بكلتا يديَّ بثبات، ورفعتُ جسدي ببطء بمساعدته لي أيضاً، حتى استقام ظهري وجلستُ اخيراً.

ثمَّ سألتُهُ بنبرةٍ حادة نابعة من خفقان قلبي المضطرب:

- متى.. أعادَ طبيب الثانوية.. خياطة جرح ظهري؟!

= بني.. أأنت..

لا تتذكر ماذا حدثَ لك؟!

---------------

- لا!..

كانت إجابتي الباهتة له كفيلةً بأن تُحيلَ ابتسامتهُ المطمئنة إلى تحديقٍ طويلٍ فيَّ، بنظراتهِ التي تفيضُ حزناً عميقاً.

لم أكن أعلم.. لماذا كل هذا الحزن؟!

هل فقط لأني تناسيت ما ناقشناه؟!

هل تناسي ما قاله أمرٌ كبير بالنسبة له؟!

ولكن..

كيف تناسيت أمراً بغاية الأهمية كهذا؟!

هل يعقل بأن العملية قد بدأت تؤثر على عقلي؟!

= بني

حدقت في عينيه القلقتين، أبحثُ عَمَّا سَبَّبَ حُزنَهُما العميق ذاك. لكن هذا زاد من خفقان قلبي؛ فتعمُّقي الثاقب بهما جعلني أشعر بالذنب حيال جعلهِ يقلق علي دون سببٍ وجيه!.

طأطأتُ رأسي بينما أشُدُّ على ذراعه بندم مُبطن:

- أعتذر، لكني.. نسيتُ ما ناقشناه؛

فهل تسمح بإعادة ما ناقشناه، يا والدي؟!

زمَّ شفتيه بتفكيرٍ عميق، بينما يتفحص ملامحي بسكونٍ تام.

إلا أن هذا التحديق السريع توارى حينما أغمض عينيه برفقة ابتسامة دافئة ارتسمت على شفتيه؛ ومن الواضح لي بأنها مصطنعة..

يبدو أنه يحاول أن يطمئن قلبي ويشعره بأن قلة انتباهي ونسياني لما ناقشناه لا بأس به..

كما لو أن هذا يحدث مع كل طبيب ومريضه، وليس مع.. ابن وأبيه..

ثم قال لي بنبرة جادة تبعث على الوقار من رفعة جفنيه البطيئة:

= عندما كنتَ غارقاً تحت تاثير المخدر، قَصَدتُ مدرستك الثانوية..

سقطت يداي عن ذراعه لتشتبكا معاً بسرعة غير مستقرة، بتداخلٍ عشوائيٍّ بحركة أصابعي، مما أدى هذا إلى زيادة توتري بدلاً من أن يقلله!.

= وبما أَنَّ في صباح اليوم نَشَبَ حريقٌ في غرفة العيادة؛ فقد كانت الثانوية خالية كما توقعتُ تماماً

ربط ذراعيه بتركيزٍ عال،

= ودونَ إطالة،

قَصَدتُ مكتب المدير مباشرة، وعرَّفتُهُ بهويتي؛ بأنَّني الكفيل الشرعي لك..

اتسعت عيناي خوفاً من أن يكون قد عرف ما قلته لطبيب الثانوية؛ حين أوصى بأن يتصلوا بوالدي ورفضتُ أنا ذلك!.

هل يُعقل أن الطبيب قد أخبره؟!؛

هل ذلك.. سبب حزنه العميق؟!،

لكني لم أقصد ما قلته حينئذٍ!..

هل بات الآن يظن بأَني لا اعتبِرُهُ والداً لي؟!،

أو أني لا أرضى به ولا أعتدُّ به كوكيل ووالد لي!..

شعرت بأني في ورطةٍ وشيكة؛ محاصراً ما بين خفقان قلبي ونبضات الساعة.

كنتُ اترقب بصمت، أنتظر أن يسألني ما الذي تفوهت به للطبيب؟!

مهلاً..

هل أخبره الطبيب أساساً بما قلته؟!

هل لم يَكفِهِ أني أحرقت عيادته؟!

هل يكون هذا مؤشراً لي أن اتمادى..

= استقبلني المدير وأجلسني، وبدأ يذكُرُ ما حصلَ لك؛ لا أخفي عنك بأنني قد تملكني الغضبُ قليلاً، وكنتُ على وشك الذهاب إلى الوزارة لأطالب بإِغْلاقَ هذه الثانوية المُقَصِّرة، لولا أن إصرار المدير الغير متناهي على عدم القيام بهذا – قد منعني!

رفعتُ حاجبي الأيسر بذهول؛ بينما أُطلق من شفتيّ المُرتَعِشَتين ضحكة خفيفة،

- حقاً؟!

= بني..

سأغلقُ كُلَّ من يحاول أن يمسك ولو بشعرة!

صرَّحَ بها بحزمٍ وثقة تدُلُّ على أنه قادرٌ على فعله..

لكن هذه سخافة!؛ ففكرة أن يقدر على إغلاق أرقى الثانويات في العالم أمرٌ مستحيل بل معدومٌ أصلاً!؛ حتى لو صدقَ تهديده وذهب حقاً إلى الوزارة ليُقدمَ تقريراً يُفيدُ بإغلاقِ هذه الثانوية العريقة؛ فلا شك بأنهم من كانوا ليغلقوا عيادته، لجرأته في تقديم شكوى ضدها والتقليل من مكانتها المرموقة!.

= وأفادني بأنهم قد تعاملوا بحزم مع هؤلاء الأربعة

تمتمتُ باستهانة وسخرية:

- مع أنني أتعاملُ دائماً بحزمٍ معهم!

= بمَ تمتمت، بني؟

سألني إياها وهو يضع يده اليمنى على كتفي؛

فأجبتُهُ بهدوء وأنا أبتسم بخفة:

- تمتمتُ شاكراً لك على مجهودك يا والدي

ضحك بعفوية، ثم قال بابتسامة كبيرة:

= تذكرتُ أمراً هاماً يجب أن أُطلِعَكَ عليه، بني!

---------------

- تفضل بالحديث

أزاح ذراعه عن كتفي، ليضمها إلى صدره ويربطها مع ذراعه الأخرى،

= عند إنتهاء فصلك الدراسي الأول، سأعلمك القيادة

قالها وعيناهُ تضيقان من عرض ابتسامته التي تملأ محياه؛ فبادلت هذه الابتسامة بضحكة خفيفة مُتكلّفة مدعياً التفاجؤ والحماس،

- حقاً؟!

= أجل، ولكن بالمقابل، يجدرُ بكَ الحصول على درجاتٍ كاملة؛ فأنا لا أطمح أن يكون أحد من أبنائي ذا مستوى متدنٍّ في أي شيء!

ارتفع طرف شفتي اليسرى بثقة، بينما تُنزلُ عينايَ جفنهما ببطءٍ وغرور،

- يا والدي – هل تناسيت من مثّل الطلاب في حفل التخرج السنة الفائتة؟!

أمال راسه لليمين بأعتزازٍ وفخر،

= إذاً، لِتَكُن كذلك للسنة الثانية، بني!

❅❆❅❆❅❆❅❆❅❆

وبعد نصف ساعة،

دوَّنَ لي الطبيب إياس وصفة طبية تتضمن بعض الأدوية والكريمات، وحثَّني على شراءها بينما يناولني إياها مع الكثير من المال. أخذتهم منه، ووضعتهم داخل جيب البنطال الأيسر بابتسامة مصطنعة؛ ثم ودعته وودعني، وخرجتُ من العيادة ومن المستشفى بأكمله.

وقبل أن أطأ بقدمي فوق الرصيف الخارجي، داهمتني هالةٌ سوداء حالكة من وراء سور المستشفى، هناك، من يترصدني وينتظر الفرصة المناسبة للأنقضاض علي، إلا أنني لم أتوقف، وتابعت السير بثباتٍ وهدوء؛ كيلا يشكَّ بأنني أحسست بأعينه تخترق جسدي كالدبابيس السامة!.

وطأتُ الرصيف، ووضعت يديّ في جيبيّ البنطال، وسرت بخطواتٍ قصيرة مُتأنية؛ لأتمتع بحفيف الأشجار وأوراقها المتساقطة، ولأصغي بتأملٍ ووئام لزقزقة العصافير الرنانة التي تملأ المكان بصدى يبعث الحياة في جوفي.

وعلى حين غرة..

صمتَ الكونُ بأسره؛ حينما انتفضَ جسدي جراء استشعاره بظل كيانٍ يلوحُ في الأفقِ البعيد من ورائي!.

همست لنفسي بريبةٍ حذرة:

* من يترصدني؟!، وما الذي يريده مني؟!؛

هل هو لص؟!، أم مجرد مريض يريد التوجه إلى الصيدلية؟!

أو لربما – أنا أتوهمُ فحسب!، ولا يوجد هناك أي شيء! *

وصلت الصيدلية أخيراً، ودخلتها بينما أفتَحُ بابها بترقب – أُراقبُ بحذر؛ ما إذا كان سيدخلُ أحدٌ من بعدي أم لا!..

≠ أهلاً وسهلاً!

رحبت بي الصيدلانية بلطف؛ فتوجهت إليها وقدمتُ لها الوصفة الطبية،

- تفضلي

استلمتها مني، وتأملت محتوياتها بتركيز؛

ثمَّ قالت بابتسامة هادئة:

≠ هذه الوصفة ستكلِّفُكَ أربعين ديناراً

أومأت برأسي إماءة فهم، وأنا أخرج المال من الجيب؛ فولَّت هي لتجمع كل ما هو مدون.

أثناء انتظاري لها، كنت أعدُّ المال بحرصٍ وعناية، حتى تجمدت أوصالي فجأة وتوقفتُ عن العد – حيث انحنى جسدي قليلاً بوضعية دفاعٍ وحذر، إذ بقربي.. كيانٌ مرعب، متعطش للدماء والأبادة!.

اختلست النظر يساري، لأجدَ شخصاً يفيضُ خطراً محتوماً، ويَنبعُ منه شرٌّ متشبِّع بلذَّةِ قتلٍ مذمومة!.

التفتُّ نحوه بحركة غير إرادية وسريعة، ورمقتُ عينيه بازدراءٍ واضح، ظهر من هبوط حاجبيّ وإمالة رأسي.

لكني سرعان ما تراجعتُ للوراء خطوة حينما استشعرتُ من نظراتهِ برودة تُنذرُ بالموت الحتمي!.

حضورٌ مهيب،

هالة مرعبة،

نظرة باردة،

هل يعقل بأنه.. أحد القتلة الغامضين الذين تتحدث عنهم الاخبار دوماً؟!؛ فبرودة نظراته التي تخترق عظامي كسكاكين جليدية، تجبر خلايا جسدي أن تستعد للهرب لا للمواجهة!

= ماذا؟!

* نبرته.. ضعيفة ومبحوحة؟!

هل هو مريض؟!، ربما كان في المستشفى وجاء ليشتري الدواء فحسب.

يبدو أن عقلي حقاً قد تأثر من العملية!.. *

≠ تفضل، هذه لك

قاطعت الصيدلانية تبادل النظرات هذا بنبرة وديّة، وهي تناولني كيس الدواء الخاص بي. سارعتُ إلى عَدِّ المال؛ فوضعتُ أربعينَ ديناراً على الطاولة، بينما أُعيدُ الباقي إلى جيب البنطال، ثم خرجتُ بِثَبَاتٍ من الصيدلية، دونَ أن ألتفتَ لهُ حتى.

إلا أن فضولي لمعرفة من هو، دفعني للاستخباء وراء شجرة على الجانب الاخر من الصيدلية.

مضت خمس دقائق، ولا يزال لم يخرج!..

* ما الخطبُ هناك؟!، لماذا لم يخرج بعد؟!؛ هل يعقل بأنه يهدد الصيدلانية؟!، هل يعقل بأنه قتلها؟!، كان يجب علي أن لا أغادر الصيدلية قبل أن.. *

يدٌ باردة لمست كتفي!.

تحجرتُ مكاني واقشَعرَّ جسمي كُلُّه!؛ لكني بحركة خاطفة قبضتُ بيدي اليمنى على ساعد تلك اليد لأثبتها بأحكام. ثم التفتُ بسخطٍ شديد لأرى من ذا الذي تجرأ على لمسي!..

فإذا بي ألقاه..

ذلك الشاب.. يقفُ أمامي بجبروتٍ مرعب!

---------------

اتسعت عيناي في ذعر مكتوم، وعصفت داخل عقلي أسئلة تصرخ بي، تحاول هزَّ صمودي أمامه:

* كيف.. ومتى؟!

كيف خرج ومتى غادر الصيدلية!

كيف استطاع أن يصل إليّ دون أن يخرج من الصيدلية حتى!

هل أنا أتوهم؟!

هل هو مثل تلك المرأة المملوءة بالدماء؟!

هل هو أحد لقطات الماضي!

هل هو ذكرى مَنسيّة!

هل هو حقيقي أم انا أتخيل فحسب! *

جمعتُ شتات نفسي وصفعت يده عني بقوة صارمة، حدقت بحدة مطلقة في عينيه الباردتين، وصُحتُ به بصوتٍ عالٍ ونبرة مُهددة:

- إن حاولتَ لمسي مرة أخرى، سأدفنك تحت هذه الشجرة السحيقة!

أدار الشاب نظراته في المكان، والتفت برأسه يميناً ويساراً، وكأنه يبحث عن شيءٍ ما، أو لربما يتفقد إن كان أحدٌ هنا أو هناك.. لكي يتسنى له.. قتلي؟! -– لكن..

كيف سيقتلني إن كنتُ قد دَفَنتُه أسفل هذه الشجرة أولاً؟!

= أجبني..

ما شعورك وأنت فأرُ تجارب لنا؟

- فأر تجارب.. لكم؟!

هزَّ رأسه صعوداً وهبوطاً بابتسامة مقززة،

- في الواقع لا أشعر بشيء؛ فمن يعلم..

رفعت رأسي بكبرياءٍ يمحي وجوده المعدوم، مُكملاً كلامي بغرورٍ يقتله:

- لربما أنتم فئران التجارب الذين سأدوس عليهم لاحقاً!

= عظمة!

نطقها، ورأسه في لمح البصر صار عند أذني، لتتردد كلمته داخلها بنذير مَشؤوم!.

اتسع بؤبؤا عينيّ وارتجفا برعشةٍ لا تتوقف؛ فهذه السرعة.. لا يعقل أن تكون حقيقية – هذا مستحيل!

أنفاسه الساخنة كانت تلامس أذني بقرف؛ إلا أنها ليست أكثر قرفاً مما سأل به:

= أنت وأنا.. فأرا تجارب لهم، فما رأيك أن ندوسَ عليهم معاً؟

دفعته عني بسخطٍ وغلظة، بينما ألتزم الصمت التام، لِئلّا أُعطيهِ أي إجابة تبرد لهيب فضوله؛ غير أنهُ لم يكن ينتظر جواباً مني أساساً، فأكمل حديثه بنبرة واثقة ومشؤومة:

= أيها الفأر، أسمعني جيداً..

ذلك الذي تظنه أكبرَ داعمٍ لك، ذلك الطبيب إياس الذي كنت عنده قبل دقائق.. سيصبح قريباً جداً، وسيبقى طوال عمرك، كوصمة ألمٍ، عارٍ واشمئزاز على قلبك..

ثم ابتسم ابتسامة سوداء، وأردف:

- فاستمتع!

شعرت لوهلة وكأن قلبي توقف عن الخفقان، وتجمد الدم في عروقي؛ إذ أخذت الذكريات تتسارع في رأسي، لأسترجع كل لحظة، كل كلمة، وكل شعور عشته معه، كما لو أني أعيشها للمرة الأولى، وبشعور مختلف تماماً!.

اشتعلت عيناي بشراسةٍ لا تُحتمل، وتقلصت قبضتي بقوة حتى كادت أظافري تنغز في راحة يدي، واقتربت منه خطوة، محدقاً فيه بنيةٍ جادة وعزيمةٍ أكيدة على دفنه تحت قدميّ، ثم زمجرت بصوتٍ أجشّ مملوء بالحقد والسخط:

- إياكَ وأن تتفوه بكلامٍ لا يليقُ بحجمك وإلا.. ستندم يا هذا!

ضحك بهستيرية، واضعاً يده اليمنى على وجهه حتى كاد يختفي بأكمله بين أصابعه؛ كنت أراقبه بحذر ممزوجٍ بالاندهاش، حيث لم يظهر لي من وجهه سوى عينه اليسرى وحدها، التي تتلألأ بغرابةٍ مريبة من بين فراغات أصابعه.

ضحكهُ الغثُّ المستمر أشعل نار الغضب في عروقي، باشمئزازٍ مثيرٍ للشفقة.

وبلمح البصر، أزال يده عن وجهه، ورفع رأسه عالياً بشموخٍ لا يُضاهى، كالنسور التي تنظر بدونيَّةٍ مطلقة إلى العصافير الضئيلة الهزيلة تحتها.

كانت ملامحه سوداوية قاتمة، كسواد ليلٍ حالك، بل أشدّ!.. كسواد كهفٍ فارغ، لا تعلم من أي جهة قد يظهر منها ويفترسك – تماماً كما هو الحال معه الآن، وراءي!

أنفاسه البطيئة القريبة جداً من أذني، تَنفُثُ بلذة قتلٍ واضحة، وبنيّةٍ شَرِهة لتمزيق رقبتي!

دفعت جسدي للأمام، واستعددتُ ببدني كله، عازماً على الانقضاض عليه بكل قوتي.. استدرت، وقفزت إليه، لكن المفاجأة الصاعقة كانت بأنه.. قد اختفى بلا أيّ أثر!

أخذتُ أدير جسدي في كل الاتجاهات، أتفقد المكان بحثاً عنه.. لكني لم أجد شيئاً، وكأنه لم يكن موجوداً أساساً!

ولربما حقاً.. لم يكن موجوداً! – ربما أنا أتوهمُ فحسب!

- هآه..

أخذتُ شهيقاً وزفيراً عميقين ومتتاليين، حتى استقرت أنفاسي، وعاد تركيزي ليُسيطر على عقلي المُتعب.

❅❆❅❆❅❆❅❆❅❆

عند وقوفي أمام باب المنزل، نقلتُ كيس الدواء إلى يدي اليمنى، وأخرجتُ المفتاح من جيب البنطال الأيسر لينعكس على معدنه المُعتم بريقٌ لامع صادرٌ من الأسفل. شدني هذا لأعلم مصدر البريق؛ فانكمشت ملامحي تعجباً واستغراباً حينما رأيتُ رسالة ملقاة على عتبة الباب. أعدتُ المفتاحَ إلى جيبي، وأخرجتُ مكانه المنديل، انحنيتُ والتقطتُ الرسالة بحذر، ثم نهضتُ من جديد. لفتَ نظري فوراً جوهرةٌ حمراءُ برّاقة، كانت مثبتة في منتصف الرسالة، وتُحدث ثقلاً وضغطاً يدفعها لأن تميل وتتدلى للأسفل.

لوهلة، تبادر إلى ذهني أنها قد تكون من العم إياس، عدا أنَّ هذه ليست عادته البتة؛ فهو دائماً ما يُرسل إليّ رسائل نصيّة فقط، ولم يعتدْ على هذا الأسلوب الغريب مطلقاً. لففتُ الرسالة بالمنديل جيداً كي لا ألمسها مباشرة، ورميتُها داخل كيس الدواء. بعدها، استخرجتُ المفتاحَ مرة أخرى، فتحتُ الباب، ودخلتُ المنزل.

---------------

بعد أن أنهيتُ أموري، جلستُ على الكنبة الزرقاء في غرفة المعيشة، تنهدتُ قليلاً بضجر بينما أرتدي القفازات بيضاء.

تناولتُ الرسالة من الطاولة، وباشرتُ بفتحها مُزيلاً عن منتصفها القطعة الجوهرية الحمراء بحذرٍ شديد، ووضعتها فوق المنديل الذي لففتُهُ بها مسبقاً والموضوع على الطاولة أمامي. بعدها، فتحتُ الغلاف، وأخرجتُ الورقة الموجودة بداخله، ووضعتُ الغلاف هو الآخر بجانب القطعة الجوهرية على نفس المنديل.

( لأكون صادقاً، لم أكن أُبالي أبداً بمضمون الرسالة إلى أن.. )

ما لفت انتباهي فيها، أن ورقتها سوداء قاتمة ومطوية على جهة واحدة، وليست باللون أبيض الصافي كما هو معتاد دائماً. تساءلتُ بحيرةٍ تأكل لامبالتي ببطء:

* هل أخطأ صاحبها في العنوان؟!.. فهي راقية للغاية – عنوان؟!.. *

مهلاً!..

أنا لم ألحظ كتابة أي معلومات على الغلاف – أليست مجرد ورقة بيضاء فحسب؟!

سحبتُ الغلاف بحركة خاطفة من على الطاولة، وتمعّنتُ فيه جيداً لأجزم شكي.

وحقاً.. كان نقياً وصافياً لدرجة جعلتني أرتاب وأقلق!، فلا شيءَ يلوث صفاءه؛ لا عنوان المستلم، لا الموقع، لا التاريخ، لا الوقت، وحتى اسم المرسل، كلها كانت معدومة، لم أجد حرفاً واحداً مكتوباً عليه، فقد كان نقياً حد التقيء!

فوراً أيقنتُ أن الوضع باتَ جدياً للغاية الآن. أعدت الغلاف لمكانه على الطاولة، وبسطتُ الرسالة، والترقب بادٍ في رفع حاجبي الأيسر، لم أكن أعلم بأن قراءتي لمضمونها.. ستغيرني تماماً!

تمعنتُ بتركيزٍ صارم في محتوى الرسالة، أُراقبُ كُلَّ تفاصيلها التي تُهدِّدُني بصمتٍ يَطوقُ رقبتي؛ ورقة سوداء، لونُها كلونِ رمادِ جريمةٍ محروقة، وتطريزٌ أبيض على أطرافها الباهتة، يُشبه محاولة قتلٍ لم تكتمل!.

ومع هذا،

فهي ليست مجرد ورقة تُقرأ، بل هي نافذة انفتحت على منافسة لم أودّ يوماً خوضها؛ منافسة يختبئ فيها من يعلم أكثر مما ينبغي عني!.

وخطُّها..

أنيق ومختلف، يحمل في طياته تهديداً مبطناً خفياً، كل حرفٍ مرسوم بعنايةٍ فائقة، يتغير ويميل حسب تفاقم غرور كاتبه، وكأنه يتحدث معي مباشرة بنبرات ترقبٍ وتحدٍ واضحة.

وحركات الحروف..

مستفزة، تجعل عملية القراءة مزعجة ومثيرة للحنق، وتُجبِرُني أن أتخيله واقفاً أمامي بكل كبرياءٍ وخيلاء، يرتل الرسالة بوتيرةٍ بطيئة ومغيظة، لا يُسرع فيها ولا يُبطئ!

وفي أعلاها..

علامة – ليست مجرد خدش أو شكل عشوائي، بل هي رمز، رمزٌ محفور بدقة، لـ " الوشق "؛ ذلك المفترس الغامض، الصامت، الذي يتربص بفرائسه في الظلام، لا يهاجم إلا حينما يضمن القضاء عليها تماماً!.

يا له من اختيارٍ موفقٍ ومقصود!

كأن كاتبها يريدُ أن يزأر في وجهي صارخاً:

" أنا أراقبك من بعيد..

أنا أتربص بك في الخفاء..

وأنا على وشك الانقضاض..

فاستعد! "

هذه الرسالة..

وقحة!،

كأنها تحدٍ صريح لقدراتي، أو ربما استهزاء بدهائي، الذي لطالما تفاخرت به، واعتدتُ أن أكون فيه الأقوى والأذكى!.

شعرتُ بمزيجٍ غريبٍ ومتناقض؛ من الغضب والفضول، ومن التوتر والإعجاب - فمن يكون هذا الذي يظن أنه يعلمني؟!، من يكون هذا الذي يمتلك الجرأة البالغة ليقف في طريقي، ويضع نفسه الرخيصة وجهاً لوجه أمامي؟!

برودة سرت في عروقي، لم تكن خوفاً منه البتة، بل صدمة قوية! – صدمة لأن هناك من تمكن من كشفي، واخترق حصوني، وتحدى دهائي الذي لا يُقهر!

هذا المرسل..

أعجبني!

يا له من خصمٍ جديرٍ بالاحترام!

يا له من لغزٍ يستحق الحل!

أقسم بالله، أنني..

سأكشف هويته،

سأمزّق قناعه،

وسأجعله يتمنى لو لم يواجهني بورقةٍ تافهةٍ سخيفة!

حقاً يا مرسل الرسالة..

سأجعلك عبرةً لكل من تسوّل له نفسه أن يعبث معي؛

فيبدو أنك تأمّلت طويلاً جمال الحريق المبهر، ونسيتَ تماماً بأنني أقدر أن أصوّر أبهى منه!

ومع هذا..

هناك جزءٌ مني، جزءٌ صغيرٌ جداً، يشعر بالفضول..

من يكون هذا الذي يعلمني جيداً، ويعلم ما ارتكبته، دون أن أترك أي أثرٍ يوحي بي؟!

من يكون هذا الذي يملك هذه الموهبة الفريدة؟!

والتي.. سأضمها إليّ قريباً!

---------------

٫ لا أدري حقًّا كيف أشكرُكَ على اللَّوحَةِ الفَنِّيَّة

التي أتقنتَها بِأَلسِنَةِ اللَّهِبِ المُشتَعِلَة!

هل كان ذلك لأنَّها مُستَخرَجَة

من تَفَحُّمِ الحِجارَةِ العَرِيقة؟!

لكن.. هل تَدري ما الذي أبهَرَني حقًّا!

جُرأَتَكَ بِالقيامِ بذلك!

حقًّا، لقد جَعَلنَي أُعيدُ التَّفكِير

↲ بِمَفهومِ الجُرأَة! ↳

ليَكُن بِعِلمِكَ، أنني أدري أنك من أفتَعَلَ هذا الحَرِيق

في الثَّانَوِيَّةِ المرموقَة!

لكن.. هل تَدري ماذا؟!

أنت حقًّا أثَرتَ رَغبَتي بِالتَّقَرُّبِ إِلَيكَ،

رَغمَ قُربِي مِنكَ! ٬

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سلسلة يروي الدم الحكاية: الجزء الأول: وهم

المؤلف سيرين
2026/05/28 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة