من مذكرات ليان :
"ها أنا أمسك بالقلم دون أن أكتب شيئًا .. بصراحة، لا أعلم لِمَ اقتنيت هذه المذكرة أصلًا ! ربما لأني أردتُ البوح بما أخفيه في أعماقي وفي جعبي أو تدوين كل ما يدور في زوايا ذهني ،حتى تلك الأشياء التي ....
أوه، أعتذر ، يبدو أنني اندفعتُ مباشرة إلى صلب الموضوع، ونسيت أن أعرّفكم بنفسي أولًا .. حسنًا، دعوني أفعل ذلك ومن ثم أنتقل للحديث عن تلك الأمور . لكن قبلها، عاهدوني ألّا تحكموا علي بالجنون او الوهم كما يقولون ، و في نهاية حديثي ستفهمون تماما لِمَ قلت هذا .
أثرت فضولكم ، أليس كذلك؟؟
حسنًا .. أُدعى "ليان .. ليان حداد" ، فتاة جزائرية تعيش حياة طبيعية ! أوه ..هل قلتُ للتو "حياة طبيعية"؟؟
يبدو أنني اعتدتُ ترديد هذه الجملة لمن حولي، تمامًا كقولي الدائم "أنا بخير"، لكن لا .. وألف لا، أنا لست بخير .. فلو يعلمون ما الذي أعيشه، وما الذي أسمعه كل ليلة ، بل وحتى مالا يراه الآخرون أراه أنا .. لما وصفوني يوما بالمجنون .. بيساطة لأنهم لم يجربوا طعم مرارة ما أعيش ، وبالتأكيد أنا لا أقصد رؤية الجن كما تبادر إلى أذهانكم، لكن ..
شيئًا من ذلك القبيل، نوعا ما..
المهم .. هممم .. أين كنت؟؟ أها، صحيح !
أعيش في العاصمة، وعائلتي ليست كبيرة نوعا ما، تتكون من أمي ( التي لن أذكر اسمها ) وأختي ميان ، ووالدي الذي .. هل ستصدقون إن قلت لكم إنني لا أتذكر والدي؟؟
نعم، كما سمعتم ..
فأنا لا أملك أي ذكرى حقيقية عنه منذ نشأتي ، لا من طفولتي، ولا حتى من السنوات التي عشتها معه ، لا أتذكر ملامحه حتى !
ووالدي ليس ميتا كما تظنون .. بل مختفٍ ! .
بدأت قصتي لما ذهبت معه وانا بعمر السبع سنوات في جولة سياخية لإكتشاف مدينة سيفار*1 .. فوالدي ( كما قالت امي ) كان يعشق الاستكشاف المناطق التاريخية وكل مايجري بهذا الكون من الأمور الغريبة ، وكانت هدفه هذه المرة ، أغرب منطقة بالجزائر ! .. " مدينة سيفار " .
لا أعلم إن كنتم تعرفونها او قد سمعتم عنها من قبل ، فكما يقال عنها " مدينة الجن " او عسى ان تكون مملكة الجن .. بصراحة انا لا أؤمن بهذه الخزعبلات لكن والدي كان واحدا من أولائك الذي صدقو ذلك ..
لا أعلم ماذا حدث بالرحلة ، لكن أذكر ان والدتي قالت بأن ذلك اليوم كانت آخر مرة ترى فيها والدي ، ورغم اني كما أخبرتكم اني لا اتذكر ماحدث لكنها قالت لي شيئا لم أستطع تقبله لحد الآن .. قالت " أنني عدت الى المنزل وحدي .. ! "
لم أصدقها بالطبع ..
كيف يعقل ذلك ؟؟ كيف لفتاة في السابعة من عمرها أن تعود بمفردها ؟ وأنا التي إن إبتعدت عن منزلنا بضع أمتارا أحسب اني قد ضعت فما بالك أن أعود لوحدي من سيفار الى عتبة بابنا ؟! .. سيفار التي تبعد عنا مئات الكيلومترات ؟ وانا اقطعها وحدي دون تعب دون ان اضل بالطريق او حتى أفقد وعيي !
فهذا الأمر لايتقبل العقل منطقيا .. إنه طرف خيط من الجنون ..
حتى أن امي إنتابها الشك لذلك ، فظنت أننا قد ظللنا الطريق صوب المدينة ومن ثم أترك يد والدي وأتفرق عنه لأصل وحدي الى المنزل !
لكن كيف ؟؟
أذكر ان امي ، حاولت مرارا وتكرارا أن أخبرها بما حدث معنا لعلني أفيدها بشيء تقوده نحوه ، لكن أنا .. لم اكن أتذكر شيئا عن الرحلة ولأول مرة تخونني ذاكرتي ، بل وأنكرت أني كنت معه وقبت لها اني فُقت من وعيي لما وجدت نفسي بالغابة ولولا أني أعرف الطريق الى هنا جيدا لما عدت .
وفاليشهد الله أني لا أتذكر شيئا مما حدث ، إن كنتم تصدقوني فأهلا بكم ، وإن كان العكس فهذا أيضا لايعنيلي .. أنا فقط أسرد ماحدث .
كانت والدتي غاضبة مني كثيرا لأني أفلت يده وحملتني انني انا السبب بذلك ، ولا أنسى خصوصا لما قلت لها " انا لا أتذكر شيئا مما حدث " غضبت أكثر لاسيما أن النسيان لم يكن يوزر ذاكرتي اطلاقا ، ونسياني ماحدث كانت خيبة عظيمة لنفسي ولأمي التي تركتني بعدما ملت مني ومن محاولاتي التي بلا جدوى .
بدأ القلق والتوتر ينهش جسد أمي يتسلل الى قلبها ببطئ كمن وجد فريسته بعد طول انتظار ، بينما أنا بقيت مص....
_ ماالذي تفعلينه ؟؟ - قاطعني صوت خلف أعرفه جيدا مقاطعا لي كتابة مذكرتي-
_ ومادخلك ؟ - أجبت وأنا أدير رأسي صوبه ببرود -
قال وهو يدنو من أشيائي على طاولة الزينة ويقلبها بين الحين والآخر:
_ لم لاتكلميني كشخص طبيعي ؟؟
_ أترك مابيدك ولا تلمس أغراضي ! - قلت بحنق -
شعرت به وهو ينظر إلي نظرة الاستخفاف والسخرية أما أنا تجاهلتها بهدوء وأردفت مجيبة على سؤاله السابق :
_ بحياتك لم تكن شخص طبيعي - قلت مصححة بعدما ادركت ما أتفوه به - هذا إن كنت شخصا حقيقيا بالأساس .
_ وماذا عنك ؟؟ - قال مستفزا وإستطرد بكلامه قائلا - منذ نعومة اظافرك وأنت غير طبيعية حتى تفكيرك مختلفا عن الجميع .
كلماته أعادتني للواقع ، ولامست شيئا من صلابتي وكأنه بهذه الطريقة يذكرني ماذا يحدث معي .. زفرت ببطئ شديد وقلت معطية له ظهري مستأنفة كتابتي للمذكرة :
_ على الأقل أنا أعترف بذلك ..
لقد كذبت بذلك ، فلا أنا ولا من حولي يصدق أني طبيعية !
_ إعتراف مثالي - قال وكأنه قرأ افكاري -
ابتعلت ريقي بمرارة بينما اردف هو بنبرة ساخرة :
_ أو علي أن أقول ، محاولة جيدة لتبرير جنونك ؟
انهى كلامه بضحكة مستفزة ترددت صداها بزوايا الغرفة ، وضعت قلمي وأنا احاول التمسك بهدوئي قبل أن تنفلت أعصابي :
_ أنا لست مجنونة ! .. أنا فقط املك عقلا يفوق عمري .
_ لكن بهذه الكلمات لاتستطيعي انكار مايحدث لك ! ، ولا حتى لتلك الأصوات والهمسات التي تراودك كل ليلة .
كنت لا ازال امسك بحبل هدوئي وانا أتلقى كلماته كشيء من مرارة الحياة ، فنعم تلك كانت هي الحقيقة التي أحاول تجاهلها ، لكن من يستطيع إقناعي بها ؟؟
كان قلبي طوال سنواتي التي عشتها يتأرجح مابين الحقيقة والوهم فهكذا كانت حياتي .
إنتظرت حتى انهى من سخريته المعتادة وأنا بلاحول ولاقوة ، أستمع بهدوء الى تعليقاته السخيفة والتي إعتدتها طوال هذه الشهور ، فبقيت صامتة ليس وكاني لم أجد ماأقوله لكن مانفع الكلام إن كان لايجدي نفعا ؟؟
نمر بمرحلة نصمت فيها في وقت كان علينا ان نتكلم ، وأن نخرج مافي جعبتنا، فنصمت ليس بأننا لانعرف كيف ندافع عن فكرتنا وإنما تعبنا من الشرح ، التبرير ، وكأننا نعلم علم اليقين أن الكلام لايجدي نفعا أمام الجاهلين .
وبنفس الوقت تبقى تلك الكلمات عالقة بحنجرتنا ، لن نستطيع اخراجها ولا إبقاءها أكثر فنميل الى طريقة اخرى نعبر فيها عن مشاعرنا .. إما الصمت او البكاء وكأننا عاجزين عن ترجمة مايجول بداخلنا ..
وأنا ماكنت لأختار الخيار الثاني فصمتي كان اهون بكثر على ان أسقط دموعي بشيء لايستحق ..
_ ماذا تكتبين ؟؟
ألقى سؤاله علي فجأة مخرجني من افكاري ثم أردف بتفاجئ وهو يلقي بنظره صوب مذكرتي :
_ تكتبين عني ؟!
ضحكت بسخرية :
_ ولم اكتب عنك ؟ ، من تكون لتستحق الكتابة عنك ؟ .. عالم ؟ شخصية تاريخية ؟؟ من تكون ؟
_ آه فهمت ..أنت تكتبين عن حياتك الوهمية صحيح ؟
إختفت إبتسامتي فورا واردفت ببرود مصطنع وانا أغلق المذكرة فجأة :
_ وماذا في الأمر ؟ ألديك مانع ؟!
أطلق ضحكة عالية ، استفزتني كثيرا :
_ المسكينة تظنين أن هنالك من يصدقك ؟ قطعا لا !
_ أغرب عن وجهي ! - همست بخفوت وبنبرة حادة لم يصل اليه صوتي -
_ لا أحد سيصدقك ! .. فما فائدة كتابتك لتلك الكلمات .
أنا أعرف أنه يحاول مضايقتي ، وأن اتراجع عما افعله لكن انا .. لن اتراجع بسهولة ، لا ليس بعدما بدأت لتوي ولن اتوقف عن ذلك حتى يصل صوتي للجميع ، حتى تصل إستغاثاتي لكل من حولي .
لكن .. أجيبوني بصراحة !!
أنتم تصدقونني صحيح ؟؟ حتى لو أنكم لم تفهمو شيئا من قصتي ؟
أرجوكم اجيبوني بصراحة ..
إنني مظطرة أن أبوح بما يحدث لي فوجدت ظالتي بهذه المذكرة ، ثم ليأتي هذا الكيان الغريب الذي لا اعلم من اين اتى ولم يلاحقني فيمنعني عن ذلك ؟؟
مستحيل !
_ للمرة الأخيرة أغرب عن وجهي ياهذا ! .. كل هذا بسببك ، الناس صاروا يحدقون بي بغرابة وانا أحادث الهواء ، ينظرون إلي كأنني مجنونة وكل هذا بسببك ! لأنك لاتكف عن ملاحقتي ، ولا عن سخريتك لي او حتى القاء تعليقاتك السخيفة التي تدمر جزء من جدران قوتي .. إرحل !
كنت أتحدث بانفعال ، غاضبة منه ومن تصرفاته الغير مبررة ، أما هو فكان هادئا ينظر الي ببرود وكأنه حقق مراده اخيرا ألا وهو .. ايقاظ ثورة غضبي !
لم يتحرك قيد الأنملة أو أن ينفذ ماقلته ، أسلوبه هذا البارد جعلني احنق أكثر فنظرت ليساري لم احد ما أقذفه صوبه سوى تلك القارورة البلاستيكية التي بها المياه المعدنية ، أمسكتها سريعا وقذفتها باتجاهه فمرت عليه بدون حدوث شيء ..
وكيف لي ذلك ؟؟ فهو كيان ، بل ظلا دوما يلاحقني ولايراه احد غيري ، كأنه روحا تطاردني بلا هدف واضحا منذ البداية ..
بينما هو سمعت ضحكاته الساخرة مني قبل ان يتلاشى ببطئ ويغادر المكان مخلفا وراءه اللاشيء وكأنه لم يكن هنا ، أو ليس له وجود .
تنهدت تنهيدة طويلة ، ألقيت نظرة صوب مذكرتي ولم تكن لي رغبة بإكلامها ، فأمسكتها ووضعتها جانبا ، تحديدا بزاوية المكتب كي لاينتبه لها أحد .
عدلت جلستي وانا أتخذ وضعية الاسترخاء ، أميل رأسي للخلف وأغمض عيناي بهدوء مستقبلة الظلام من حولي وكأني أريد تصفية ذهني من التفكير .
لكن لم أكد أن أستمتع بذلك الهدوء الذي يحيط بالمكان حتى سحبني عقلي من واقعي المر الى .. " ومضات المستقبل " .
قد تستغربون من الاسم الذي أطلقته للتو ، لكن ستفهمون لاحقا لم اسميتها بذلك ،
فقط كل ما أحتاجه منكم .. بعض الصبر ، لاتقولون لي أنكم لاتجيدونه فمعي ستقومون بذلك مهما كان الثمن .. بالنهاية لكل شيء وقته المناسب .
" داهمت برأسي ومضات من الغد البعيد .. أو علي ان أقول القريب ، لمحت فيها انصراف ميان من المنزل ، لا ليس منزلنا وانما كان منزل رفيقتها التي كانت تصاحبها في الطريق ..
شاقا منتصف الطريق ثم ... إنتبهت إلى وجود سيارة سوداء التي اندفعت بسرعة مجنونة بنفس الطريق اللتان كانا يشقانه قبل أن ...
لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تجمد الدم بعروقي لما وجدتها تنصدم فجأة صوب ... ميان ؟؟! "
العودة :
إنتفضت فجأة من مكاني حين تطرأت برأسي هذه الومضة ، فتحت عيناي باتساع وتسلّل الخوف إلى قلبي الذي طفق في الخفقان بقوة كمن أراد الفرار من قفصه .
وعقلي الذي وجد منعطفا آخر بدأ بخلق السيناريوهات التي تخص أختي ميان كلّها هزّت عرش قلبي ، وأنا خائفة من ما سيحدث لها ..
بالطبع ستقولون أن هذا مجرد وهم أو حلم خافت جسّده عقلي لإرهابي لكن .. أنتم لا تعلمون الحقيقة .. لاتعلمون ولو جزء منها ! .
وجدت أقدامي تتحركان صوب باب غرفتي لأنصرف منها بسرعة وأنا على أمل ضئيل في داخلي اني أستطيع أن أصلح الوضع قبل أن يبدأ ويتفاقم أكثر .
غفلت في تلك اللحظة أن المرء لا يستطيع تغيير ماكتبه الله ، لكن من كان ليقول لي تلك المقولة في تلك الأثناء ؟!
تجاهلت كل شيء من حولي وكان جلّ إهتمامي وتفكيري أن أنقذ ميان فحسب..
_ ماما أين ميان ؟ - قلت حين لمحت أمي فجأة -
_ أين تكون مثلا .. ؟ إنها في غرفتها.. - قالت أمي بسخرية -
لم أهتم بما وجّهته لي من تعليقها الأخير فلم يكن لدي وقت لأتنازع معها وانا بهذا الوضع .
لذا إتجهت إلى باب غرفتها ولم أطرق هذا الأخير بل فتحته وانا أطل برأسي و...
قابلني في وجهي فقط الصمت الثقيل الذي سيطر على الغرفة التي إعتدتها أن تكون صاخبة لكن اليوم يبدوا أن صاحبها ليس موجود وهذا مايفسر هذه الأخيرة.
الأنوار كانت مغلقة وما يضيء الغرفة سوى النور الخافت للشمس الذي إنعكس على زجاج النافذة .
أيقنت أن ميان خرجت من المنزل ، فعدت للوراء وأنا أقفل الباب ، نزلت للأسفل بخطى سريعة وكلي يقين أن ميان عند صديقتها لكني أردت أن اتحقق من الأمر أولا ..
_ أمي ألم تقولي أن ميان بغرفتها؟ - تحدثت وانا ارفع من نبرة صوتي ليصل إلى أمي -
_ نعم ! .. لم تسألين ؟ - أجابت مستغربة -
_ لأني لم اجدها هناك ! - أردفت سريعا -
_ حقا ؟ لكني انا متأكدة أنني تركتها منذ قليل بغرفتها - قالت والدتي بتفاجئ -
زفرت بتوتر ولم ولم أعقب على كلامها وإنما تحركت قدامي وانا أستدير نحو الباب للخروج ولم التفت لأمي التي كانت تصرخ علي أن اعود لكني لم أهتم ...
كان منزل " وردة " - صديقة ميان - قريب من شارعنا فلم استغرق كثيرا من الوقت حتى وصلت لمنزلها .
أثناء الطريق كنت افكر بكل شيء ، ماذا لو كانت هواجسي ستتحقق ككل مرة ؟ ماذا لو أني فقدت أختي ؟ وووو ...
مئات الأسئلة السلبية تطأرت برأسي ولم اجد جوابا لها ، فصرفتها عن ذهني بعدما وصلت الى وجهتي اخيرا .
وقفت أمام الباب بهدوء تام ثم رفعت قبضة يدي وطرقت بهدوء ولم تمر ثوان ليست بالطويلة حتى وجدت الباب يفتح ويظهر صاحبها .. فتاة متوسطة الطول بنفس طول أختي ميان تقريبا ، وجهها دائري بلون بشرتها البيضاء التي تبدو وكأنها شاحبة ، عينيها خضروين تجعلك حين تنظر إليهما وكأنك قد تهت في غابة عميقة ، عينيها صغيرتان تشبه كحبات اللوز وعن خدودها المتوردتين بطريقة تجعلك لو تقبلهما بنهمٍ ... كانت هذه " وردة " صديقة "ميان" .
_ ليان ؟؟ - قالت بصوت هادئ لكن ظهر عليه الإستغراب -
_ اعذريني لاني جئت في وقت غير مناسب من دون ان اخبركِ .. لكن أتيت فقط لأسال عن ميان.. هل هي هنا ؟ - قلت باإحراج -
_ بالطبع .. تفضلي .. انها بالداخل - قالت ذلك وهي تفسح لي المجال للدخول -
هدأت نبضات قلبي حين سمعت ماقالته للتو فخطوت للداخل وانا كلي امل ان اجدها بخير رغم إنقباض قلبي الذي لايزال متوترا ..
وجدتها كالبلهاء متكأة على الأريكة وهاتفها بين يديها تروحي بأنها كانت تستخدمه قبل مجيئي .
_ ليان ؟ مالذي تفعلينه هنا ؟؟ - قالت بضجر -
_ امي قلقة عليك .. لم لم تخبرينا بمجيئك هنا .- قلت وانا الومها على فعلتها الغير مبررة -
_ للتو اتصلتْ بي أمي واخبرتها بمكاني .. فماذا تفعلين هنا ؟ .
_ كف عن ذلك .. لابأس طالما هي هنا فلاداعي للعودة بإمكانك أن تجلسي معنا ندردش قليلا معا -قالت وردة مقاطعة شحنة الغضب التي كادت أن تنفجر في وجه الآخر -
إزدردت ريقي بصعوبة ثم أخذت مكانا بجانب ميان التي كانت منزعجة من مجيئي وهذا ماظهر على ملامحها فقلت بخفوت لأجيب على سؤالها وانا أبرر موقفي :
_ قلقت عليكِ .. خصوصا أنني لم اجدك بالمنزل .
_ شكرا على قلقك لكن هذا لاداعي .. فهذا واضح كوضوح الشمس أنني عند وردة إن لم أكن بالمنزل .
_ ماذا عن مرام ؟ - قلت مذكرة إياها بصديقة أخرى -
وجدتها تتأفف ولم تجيب بينما أنا إبتسمت بسمة غامضة على الأقل أنا بقربها ولن اسمح لأي شيء يحدث لها يكفي عدد الضحايا الذين ماتو بسببي ..
مرت ساعة وانا اراقبهم يدردشون وقد علّت ضحكاتهم المكان خصوصا أن وردة تعيش مع جدتها بعدما أن توفى والديها وهذا ماجعلهم يستغلون المكان لإفصاح و الحديث عن كل شيء مايدور حياتهم اليومية ، بينما جدتها كانت في الأعلى مستغلة هذه الاخيرة بالنوم بعيدا عن صخب الحياة .
فقت من تفكيري حين لمحت خيالا اسودا غير واضحا يمر بسرعة خاطفة نحو الحمام .. لم يكن واضحا وإنما مجرد ظلا أسودا متحرك بسرعة غريبة يخطف بصري في آخر ثانية .
كان الحمام قريبا من غرفة المعيشة التي كنا بها ، كان كفيلا بأن ترى من بعيد داخله لكنهم ... لم ينتبهوا .. وكيف لجاهلون أن ينتبهوا بما رأيت ؟؟
بالطبع لم أبقى بمكاني وإنما استاذنت للذهاب للحمام لرؤية مالأمر وبالفعل ذهبت الى هناك بخطى سريعة وانا اعلم ما مصدر هذا الخيال .
فور دخولي للحمام أحسست ببرودة المكان رغم أننا في بداية شهر أغسطس بداية فصل الصيف ..
_ مالذي تحاول أن ترمي إليه ؟ - قلت للكيان الذي أمامي بعدما عرفته -
كان ظلا أسودا لشاب طويلا لم تظهر ملامحه جيدا لكنني قد أحسست بإبتسامته التي لطالما استفزتني تلك الابتسامة التي أعرفها حتى دون أن اراها بوضوح . وهذا ما أكد شكوكي بقوله الساخر :
_ أراكِ قد إتبعت هواجسك وأتيت إلى هنا !
_ وما في الامر ؟ مادخلك .
_ ما رأيك بالعودة إلى منزلك ؟ وتتركي اختك وشانها .
_ ما رأيك ان تعود إلى ما جئت منه وتكف عن إزعاجي ..
_ قطعا لا - قال ببرود -
_ وانا كذلك.. أبدا لا - أحكمت كلتا يداي وانا أضمهما نحو صدري-
بقي ينظر إلي وقد فرت من عينيه شرارة التحدي رغم أني لا اراهما جيدا لكني كما قلت لكم أحسست بذلك بينما أنا إبتسمت بسخرية وقلت:
_ صدقني إن كان لديك نزعة من التحدي فأنا أكثر .
_ لن تستطعين إنقاذها - قال بصوت حاد -
_ سنرى - أجبت بتحدٍ أكبر -
كان هناك شيء ما في داخلي يخالف كلامي لكني لم أعره إهتماما للبته للتو فجأة إخترق صوت ميان أختي محادثتنا الحادة .. وهي تقول لي من وراء الباب .
_ ليان ألم تنتهي بعد ؟انا سأغادر .
القيت نظرة خاطفة نحوه وقلت لها ونظري لايزال مثبتا عليه :
_ قادمة .
شعرت به وهو يبتسم بسخرية لي بينما أنا تجاهلت وجوده وخرجت من الحمام وكأن شيئا لم يكن..
وجدت ميان واقفة بمقابلتها وردة التي كانت تكلمها بموضوع لم اسمعه بمكاني لأني كنت بعيدة عنهم.
تقدمت وحينما لاحظا وجودي توقفوا عن الكلام فجأة فعلمت آن ذاك أن الموضوع يخصني ..
_ لنذهب .. - قالت ميان فور أن لمحتني -
حركت رأسي مؤيدة فكرتها وانا انتبه إلى مرافقة وردة معنا مما أكدت هواجسي التي مرت علي منذ البداية.
توقفت فجأة وانا أشعر بقلبي يكاد يخرج من قفصي الصدري . تنفست باظطراب وقلت فجأة :
_ دعوني أنا من اتقدمكم .
تعمدت قول ذلك لاني أردت أن آخذ الحيطة واتفقد الطريق أولا بينما ميان وصديقتها لم تمانعا بما قلته بل إعتبراه كشيء عادي.
خرجنا من المنزل وأنا ألقي بنظري حول الشارع وكأني أحرس وأراقب ماسيحدث على حين غرّة .
كان الشارع هادئا بطريقة مرعبة وتثير الريبة في خلايا جسدي ، لم المح لا لوجود سيارة او اي شيء يدعو للشك او القلق
إبتلعت ريقي بترقب وأكملت سيري الامام وورائي ميان ووردة التي سمعتها تقول :
_ صحيح .. ميان أاخبرتك بما حدث معي بالأمس؟
_ بشأن جدتك ؟ ..
_ لا .. بشأن اللابتوب الخاص بي الذي تعطل ..
_ لا تقوليها ! كيف حدث ذلك ؟
قبل أن تجيبها وردة انتبهت هي وإنتبهنا الى سماع صوت صفير السيارة بمحاذات في طريق الذي نعبر منه .. خفق قلبي بقوة جعلتني ألتفت بدون وعي إلى ميان وأنا اصرخ بأعلى صوتي ..
_ ميان انتبهي !
كنت أهتف برعب وانا أستدير إلى ميان التي تجمدت بمكانها ، دفعتها بيداي بكل ما أملك من قوة في الوقت ذاته لمحت وردة تسحبها وهي تفيقها من صدمتها في الوقت المناسب بينما أنا سقطت أرضا بقوة على جنبي الايسر وقد كادت السيارة السوداء أن تصيبني في اللحظة الأخيرة التي توقفت فيها فجأة .
لاتزال انفاسي أشعر وكانها تسلب مني ، ولكني حين رأيت أختي ميان في حضن وردة تنفست الصعداء أخيرا وارتسمت على شفتي إبتسامة مرتعشة صغيرة رغم أن قلبي لا يزال منقبضا ولا اعلم لم ! .. ربما لأن الخطر لم يحلّ بعد ؟! ..
هي بخير .. هي بخير !
_ أأنت بخير ؟؟
افقت من افكاري على صوت الشاب - صاحب السيارة - وهو يدنو مني بقلق وتوتر واضح ممددا لي يده ليساندني في النهوض .
عدت للواقع وانا أنقل ببصري نحوه والى يده بنظرات غاضبة ، لقد كان السبب في هذا كله كاد أن يتسبب في حادث اختي ، نهضت بمفردي ولم أكن أحتاج إلى مساعدته أو إلى يديه التي كانت ممددة نحوي ، لم أكن احتاجها رغم إصابتي في ذراعي بعض الكدمات والجروح الطفيفة ..
_ ألست ترى أمامك ؟ ام انك اعمى!
_ أعتذر عما بدر مني كنت اتكلم بالها..
_ كنت على وشك أن تقتل الفتاة بسبب فعلك الطائش انت وهاتفك السخيف .
_ أي فتاة ..؟؟
هل يبدوا لكم كلامه جدي ؟ أم أنه يحاول فلت اعصابي هذه الفترة الأخيرة ..
_ رائع .. ها انا ذا أراك تتحول من أعمى إلى غبي ..
_ ماذا؟؟
أرأيتم ؟ قلت لكم أنه غبي !
قبل أن أصرخ عليه لأجم عليه شحنات غضبي شعرت بيد ميان على كتفي بطريقة جعلتني ألتفت إليها بلهفة بعدما نسيت امرها لكنها سبقتني بحضنها لي المفاجئ .
_ ليان !
كان هذا صوتها كفيلا بأن تظهر لي كمية الخوف والقلق علي وأنا التي تفوقت عليها بهذا كله ..
نظرت للواقف المتسمر أمامنا بطرف عيني وكان واضح أن الفتاة التي أقصدها لم تكن انا بل كانت التي تعانقني .. وبالفعل وجدته يتفحص أختي بنظرة خاطفة وكأنه يتأكد من سلامتها .
بينما أنا رفعت يدي لأمررها على شعر أختي بحنان بالغ رغم أنني انا من كنت أحتاج ذلك الحنان قبلها لكني ماذا افعل عاطفتي دوما ما ماتفوز علي .. لطالما كنت أشعر أنني أنا الأخت الأكبر رغم فارق العمر بيننا - عامين - لكن "ميان" لم تكن مثلي فهي بطبعها طائشة ، تتحدث كثيرا ، وفوق هذا كله كانت بلا مسؤولية . لكنني انا كنت عكسها ، ربما لأني أمتلك عقلا يفوق عمري ..
رأيتها تشدد من ذراعيها حولي بقوة وكأنها تخشى أن أتبخر أو ان أنفلت منها فجأة وأما عني فكنت أحتويها بذراعي بصمت ، آه لو تعلم كم هي غالية علي ، لا تعلم ذلك الشعور المميت حين ارتجف قلبي بصورتها في ذهني وهي ساقطة على الأرض وقد خارت قواها كجثة هامدة .
كنت بالكاد أستطيع التماسك أمامها لأبدو قوية وأني لا أزال بخير في نظرها رغم أن قلبي كان على وشك الانهيار اذا اصابها مكروه .
فككت ذلك العناق وأنا أتفحصها بعيناي الثاقبتين بانتباه لم يكن عليها أي مكروه او إصابة تظهر عليها في ذراعيها او وجهها ..
_ أعتذر يا آنسة .. لم أكن أقصد ب..
إستدرت له وحولي هالة غاضبة أود أن أطلقها على وجهه لكن لم أستطع بسبب أن ميان قد أغلقت بوقي بحركة سريعة قبل أن أبدأ صراعي .
كانت تجرني نحوها بقوة وسط جماعة من الناس قد بدأت بالظهور لرؤية مالأمر بعدما أحدثت ضجيجا بصوتي الذي لا أستطيع التحكم فيه .
بعد دقائق ، أتت ورائنا وردة التي كانت تتكلم مع ذلك الأبله وددت في تلك اللحظة أن أصرخ بوجهه لكن .. ميان منعتني .
صمتُ قليلا رغم موجات الغضب لا تزال تداعب كياني لم أصمت لأني رغبت بذلك وإنما بسبب إلحاح ميان علي قبل أن أفتعل المشاكل .
مشينا سيرا على الاقدام نحو منزلنا ولكن هذه المرة على الرصيف بخطوات وئيدة . راغمني شعور بالسعادة حين واجهت هواجسي وإعترضتها لم أكن أعلم بتلك اللحظة أنها بداية لجحيمي ..
خفق قلبي مرة أخرى بغير عادته وانا ألمح خيالا أسودا يتحرك بين ثنايا الاعمدة بشكل خافت يمر بسرعة غريبة ثم يختفي فجأة لكني لاحظته على حين غرّة وانا أشعر بهالته تحيطني، لم أراه لكني شعرت به بحاستي الفائقة التي تتنبه لكل شيء ... كنت أعلم أنه هناك يراقبني من بعيد ، وددت في تلك اللحظة أن أذهب إليه لأريه اني نجحت في اعتراض الهواجس بدون أن اعلم أني قد إعترضت القدر وهذا كان أول خطيئة لي .
أنتم لم تفهموا بعد صحيح ؟؟ حسنا سأوضح نقطة ما ثم ادعكم لتكملوها .
أسمعتم من قبل "الحاسة السادسة؟" ، لاشك بأنكم قد سمعتم عنها من قبل ولو لمحة صغيرة . وإن كنتم تتساءلون ماسبب الحديث عنها .. فنعم ظنكم في محله .. أنا أملك بما يسمى "الحاسة السادسة."
منذ طفولتي ..وانا أتنبأ بكل شيء قبل أن يقع ، تأتيني بشكل أحداث او صورا خاطفة لا أفهمها إلا بعد أن تتحقق أمامي .. لست عرّافة او أدّعي قراءة الغيب وإنما هي هِبَةٌ من الله - التي لطالما كانت بالنسبة لي عبئ ثقيل-
لا أعرف كيف ومتى وُلدت بداخلي كل ما أعلمه اني بدأت بالشعور فيها وانا في سن العاشرة من عمري ... أتذكرون الاسم الذي أطلقتُه عليها؟
"ومضات المستقبل" .. لا شك أنكم لا تزالون تتذكرونها .. هي ومضات لا تأتيني كاملة بل حدث مفاجئ ينبهني لفاجعة على وشك الوقوع .
وقد وعدتكم أن أشرح لكم كل شيء في الوقت المناسب وها انا ذا أفعل أول نقطة لكن ..لتعلمون امرا ما :
ما حدث اليوم
لم ياتي بصدفة طبيعية ...
بل كانت إحدى تلك الومضات التي رأيتها مسبقا .
وها انا ذا أحاول أن اعارضها وقد نجحت ..
فبالعادة حين تأتيني بشكل سريع كما حدث منذ قليل لن أستطيع إيقافها وبهذا يجتاحني اني السبب بهذه الفاجعة لأني كنت اعلم بها مسبقا ولم أجرب أن أمنعها .. لكن اليوم هي متعلقة بميان ! وإن أسمح لها بذلك إطلاقا .
_ ليان !
توقفت فجأة متصلبة بمكاني حين سمعت صوتا حادا يهتف بإسمي ، نظرت إلى ميان توقعت أنها هي لكنني وجدتها تسبقني بخطواتي عندما وصلت للمنزل .. القيت نظري نحو وردة لكنها لم تكن تناديني قطٍ .. إذن لماذا شعرت أن هناك من يناديني ؟؟ .. أربما تكون إحدى هواجسي او خيالاتي .
_ لا .
إستدرت فجأة وانا متيقنة أن هناك من تتكلم للتو بوضوح هذه المرة ، إستقبلني الهواء الذي كان يجول بالمكان هادئا بطريقة غير مريحة زادت من حدّة توتري أكثر .. إنتبهت أن ذلك الصوت قد أجاب على سؤالي أيعقل أن صوتي الداخلي كان مسموعا لتلك الدرجة ؟
_ ليان ..
لا هذه المرة قد سمعت اسمي يلفظه ذلك الصوت الغريب .. يالله أكاد أجن من هذه الهمسات من يعقل أن يناديني ؟! لا أحد أم.. لحظة ! أيعقل أن الكيان الغريب هو من يحاول فعل ذلك لإخافتي ؟ ..
بمجرد أن تطرأت برأسي هذه الفكرة تحولت ملامحي من التوتر إلى اللامبالاة بتلك الهمسات .. إستدرت وأنا أتجاهلها .. خطوت بخطوات منتظمة نحو عتبة الباب ودفلت للداخل رامية ورائي كل مايثير توتري وقلقي بلا معنى .
Farah Inksoul