الثامن عشر من مارس 2018 :
بعد أقل من ساعة وصلت مروحية إخلاء عاجلة إلى موقع المعركة لإخلاء فرقة الملاقط بعد تعرضهم لأضرار بالغة نتيجة معركتهم مع العميل المشتبه بكونه المتحور ، عند وصول فريق الإنقاذ و الذي كان تابعا لمنظمة البلاك ووتر (BLACKWATER) و التي كانت تشرف بشكل جزئي و تعاوني مع وكالة الإستخبارات الأمريكية CIA على هذه العملية ، كانت ڤانديلا تقريبا على قيد الحياة و في حالة هستيرية شديدة و تتمتم بعبارات بعضهم غير مفهوم ، أما كلاوفر و ميث و جونز فكانوا و بصورة مرعبة قد تحولوا إلى أشلاء أمام ناظري ڤانديلا ، كان فريق الإنقاذ بحالة من الصدمة و التوتر من المنظر مع توقف لبضع دقائق لمعاينة حال الأشلاء المتناثرة لمعرفة لمن هي و جمعها معًا بعدما تم التحقق من أن المحيط خالٍ من الأعداء ، كان أحد فريق الإنقاذ طبيبة مختصة تدعى إيزا توقفت عند ڤانديلا لمعاينة إصاباتها و بينما هي تتفحصها انتبهت إلى بعض عباراتها التي كانت تتمتم بها ڤانديلا ، حيث كانت تقول بشكل متقطع :
ڤانديلا : إنهم وحوش! إنهم وحوش! لقد كانو وحوشًا !
سجلت إيزا هذه الحالة في مذكرة حالة ڤانديلا و قامت بتضميد جراحها و اصاباتها مع توثيق لاشتباه ارتجاج بسيط فالمخ و كسور متفرقة ببعض العظام ، و خلال ساعة تم تجميع الأشلاء و التعرف على أصحابها و من ثم نجح الإخلاء الطبي الذي توجه و بسرعة إلى القاعدة العسكرية في مدينة دوبنو في شمال شرق ريفنا .
بعد وصول المروحية الى مطار القاعدة كان فويتر و سيرهي فالإنتظار بعدما تم التواصل معهم و ابلاغهم بالفشل التام للمهمة و فقدان 3 أعضاء من طاقم الفريق ، تم انزال أشلاء الجثث و اخرجت ڤانديلا بمساعدة الطبيبة إيزا و في أثناء سيرهما وقف فويتر أمامهما و عليه علامات الصدمة و الاستفهام ، ثم قال :
فويتر : بالنظر إلى مصير رفاقها ،، كيف استطاعت النجاة من تلك المجزرة ! ؟
إيزا : لا أملك أي معلومات ، إنها تردد هذه العبارات منذ وجدناها ، لا زالت تعيش آثار الصدمة بشكل قوي للغاية ..
قلب فويتر نظراته بين الطبيبة و ڤانديلا ، ثم بقي يقلب نظراته بالارض بعدما أشاح بوجهه عنهما و بدأ يقول في خلجات نفسه :
فويتر في نفسه : ماذا حدث بحق الجحيم ؟ هل استطاع فرد واحد فعل كل هذا ؟؟ أي قوة هائلة تلك التي يملك ؟؟؟؟
و فجاة قطع حبل تساؤلاته سيرهي قائلا :
سيرهي : سيد فويتر ! مالذي سنفعله !؟ لا يبدو هذا مؤشرا جيدا !
فويتر : سيد سيرهي الأمر يبدو أعقد مما نظن ، هناك أشياء لا نعلمها قد حدثت مع فريق الملاقط ، بالنظر إلى حالة الناجية الوحيدة هناك أشياء أخطر و أكبر مما كنا نتوقع عن ذلك المتحور ، سنأخذ بعض الوقت لتحديد مكانه على الأراضي الأوكرانية حتى نتبين خروجه أو ظهوره في مكان آخر ، نتوقع منكم التعاون بأي معلومات مرتبطة بالأمر.
سيرهي : لا شك في ذلك نحن معكم على تعاون تام في جميع المعلومات الإستخباراتية ، لكن هل يعقل أن ما أصاب فرق. الملاقط فعله شخص واحد ؟؟؟ ألا يبدو ذلك غير منطقي البتة؟؟؟
سكت فويتر قليلا ، ثم قال :
فويتر : كل شيء ممكن ، ليس لدي أدنى فكرة عما هو أرجح حاليا ، ستتواصل معي بمجرد توصلك لأي معلومات ،، اتفقنا ؟
سيرهي : بلا شك ، انتظر مني خبرًا ..
السابع و العشرين من مارس 2018 :
كانت ساريتا فويهام زميلة لليريا فالعمل فالقسم القانوني لحقوق الإنسان في مكتب المدعي العام في ولاية بافاريا منذ حادثة ابنها الراحل ، تنتظر و بفارغ الصبر آواخر مارس لأجل وصول ابنتها روزا إلى البلاد بعد إتمامها درجة البكالوريوس في مجال الصيدلة بجامعة اكسفورد ، و كانت هناك مفاجأة تنتظر ساريتا من ابنتها كانت قد أخبرتها بها قبل وصولها إلى ألمانيا ، و كانت قد استقبلتها من المطار برفقة ليريا و بناتها و فيروزا محتفلين بتخرجها و عودتها بسلام إلى أرض الوطن ، و كان الوصول في الرابع و العشرين من مارس أعقبه راحة لثلاثة أيام استعداد للكشف عن المفاجأة التي وعدت بها قبيل وصولها.
اتفق الجميع على الاجتماع معًا في الساعة الثانية ظهرا من بعد ظهر السابع و العشرين من مارس في قاعة الطاحونة الباردة المطلة على طريق ST 2339 بالقرب من هيبيرتسهاوزن ، و كانت الدعوة موجهة إلى ليريا و بناتها و فيروزا و تم اخبارهم بضيف قادم بعد وصولهن جميعا ، كان مكان الاجتماع فالخارج قبالة القاعة في جلسة مطلة على الطريق الذي يحيط به الإخضرار من صوب و مظلة فوق الجلسة و جو نسيم عليل و غائم ، كان الجميع ينتظر وصول روزا لمعرفة مفاجأتها التي وعدتهم بها ، و في أثناء الانتظار ، تبادلوا بعض أطراف الحديث كفتيات و أمهات ، و كان بين ساريتا و ليريا حديث يتعلق بالماضي كان من بينها ذكر ابنها و زوجها الراحلين ، إلا أن ساريتا تذكرت شيئا في وسط الحديث فقاطعت قائلة :
ساريتا : لقد علمت خلال الأيام الماضية أن المحقق سفاين توصل لأثر جديد في قضية ابنك !
ردت ليريا باستغراب قائلة :
ليريا : أثر جديد ؟؟؟ ماذا تعنين ! هو لم يطلعني على أي خبر !!؟؟
ساريتا : هو أيضا لم يطلعني ، لقد علمت من مركز المعلومات الذي لدينا بالصدفة !
ليريا : هل تعرفين أي تفاصيل بخصوص الخبر ؟؟
ساريتا : كلا ، لقد علمت أنه عثر على شيء يتعلق بقضية الراحل ليونارد و لم استطع معرفة المزيد بسبب تكتمهم على المعلومة .. اتمنى انه شيء يمكننا من الوصول للفاعل الأساسي حتى تبقى روح ليونارد نائمة في سلام ..
ليريا : طالما أنه بريء ، هو يرقد بسلام منذ ذلك الحين عزيزتي .
دخلت روزا على الاجتماع في وسط تبادل الأحاديث مرحبة بالجميع قائلة :
روزا : أرجو من الجميع إقراضي مسامعهم قليلا !
نهض الجميع و هم في شوق لمعرفة مفاجأتها خاصة والدتها التي قالت :
ساريتا : هيا يا فتاة ماذا تنتظرين !
صمتت روزا قليلا استهلت حديثها قائلة :
روزا : تعلمين يا أمي أنني ذهبت إلى اكسفورد لوحدي و كان ذلك بالنسبة لي غربة صعبة و شيئا لم اعتد عليه بسبب الأجواء العائلية التي كبرت عليها في السنين الأخيرة ، نعم كان انفصال والدي أمرا صعبا و لكن لا يمكننا الحكم على قرارات الآخرين في حياتنا ، لقد ساهمت والدتي بشكل عظيم في الحفاظ على استقرار نفسي و ملئي بالحب و الإهتمام دائما و لهذا أنا سعيدة دائما ، عندما غادرت إلى لم يكن لدي أحد يعوضني عن العيش مع العائلة ، تواصل ابي معي و لم يقصر بشيء خاصة في المصروفات ، لكن لحسن حظي أنني تعرفت في تلك الجامعة إلى شخص ينتمي الى نفس حينا الذي نسكنه و هو ابن السيد هارلوتش ، آلفي رودينغن ، لقد تعرفت عليه بشكل غير مقصود و انا ابحث عن شيء أنتمي إليه ، لقد كان معي فكل أوقاتي و مصاعبي ، و لحسن الحظ حقا أنه كان معي ، تعال إلى هنا آلفي
يخرج لهم شاب طويل عريض المنكبين ، ذو شعر بني و لحية خفيفة و عينين عسليتين مرتديا ملابس رسمية سوداء وربطة عنق حمراء , ألقى آلفي التحية على الجميع و وقف بجانب روزا ممسكًا يدها و بدأ حديثه بقوله :
آلفي : يسرني أنني أقدم نفسي و روزا لكم بهذا الشكل الجميل بعد سنوات من التعارف و التقارب و المصاعب التي تجاوزناها معا الى يومنا هذا ، و أحب أن أقول لكم إكمالًا لما قالت له روزا ، أنني أنا و هي قد قررنا الزواج في هذه الأسابيع القادمة !
تعالت أصوات الفرحة و التبريك بين المتواجدين مع علامات الدهشة و الفرحة على ساريتا و ليريا حيث قاطعت ليريا هذه الفرحة قائلة :
ليريا : يالها من أخبار جميلة و لكن ألا يبدو أنكما قد تجاوزتما قضية استشارة كباركما في هذا الأمر ؟؟؟
آلفي : حسنا أنا من طرفي قد أنهيت حواري مع والدها و والدي و يتبقى عليها أن تتم الأمر مع السيدة ساريتا! -يضحك-
ساريتا : إذا كانت ابنتي قد وقفت بهذا الشكل الجريء أمامنا لتخبرنا عن قراركما فكُلّي يقين أنها اختارت الرجل المناسب و الصحيح و لا أقول إلا مبارك لكما لتهرم أنت و هي معا على وسادة واحدة -تدمع عيناها-
ثم أقبلت على ابنتها و عانقتها و اخذوا المباركات من البقية قبل أن يبدأوا بتجهيز وجبة الغداء على بركة هذه المناسبة.
و في أثناء تناولهم الطعام يرد اتصال هاتفي إلى آلفي ، الذي قام و استأذن ليرد على الاتصال فخرج على مسافة قريبة و رد قائلا :
آلفي : نعم ، لقد سار كل شيء على ما نريد ، سوف نجهز للزواج خلال فترة قصيرة قدر الإمكان ، -يضحك- كلا يا سيدي سيكون كل شيء كما نريد و لن تعلم هي بشيء حتى في يوم العرس كن مطمئنا ، أحلامنا ستتحقق رويدا رويدًا...
وصل سفاين إلى معهد الطب الشرعي في جامعة لودفيغ ماكسيميليان بميونخ قرابة الثالثة عصرا و معه محفوظات مغلفة بانتظار موعده لتقديم محفوظاته للفحص ، و في أثناء انتظاره ، لفت ناظريه من بين المراجعين شيلغي بانبيرغ ! و الذي كان يقف و معه مجموعة من الأوراق و عليه علامات القلق ، اقترب شيئا فشيئا نحوه ثم وقف بجانبه لبعض الوقت قبل أن يبادره بالحديث قائلا :
سفاين : مالذي سيأتي بتاجر كبير مثلك إلى مثل هذا المكان ؟
استمر شيلغي يحدق أمامه في صمت ثم التفت بهدوء و قال :
شيلغي : هل يمكن أن أعرف صفة السائل قبل أن أجيب ؟؟
سفاين : مجرد محقق...
نظر شيلغي إلى الأرض ثم مط شفتيه مستغربا ثم قال :
شيلغي : هناك أسباب كثيرة تجعل المرء يأتي إلى مثل هذا المكان ، مثل فحص النسب او المرور
سفاين : و كذلك الجنايات ..
شيلغي : بكونك محققًا ،، هل شاهدت مشتبها به في جناية يذهب إلى الطب الشرعي !!؟؟
تبادل سفاين النظرات مع شيلغي ، ثم قال شيلغي :
شيلغي : أتمنى أن تنتبه لعملك أكثر من انتباهك لاناس لا تعرفهم !
سفاين : شيلغي ، الجميع يعلم من أنت و لكن أمثالي فقط يعلمون ماذا تكون ! كن حذرا -يبتسم-
ثم توجه سفاين قسم المختبرات بعد أن سلم محفوظات بالاستقبال و توقف عند أحد المختصين و قال له :
سفاين : لدي محفوظات تم تسليمها بإسمي ، أريد النتائج في أقرب و أتمنى الحفاظ على الدقة ، إنها قضية حق لطفل غادر الحياة ظلما..
في تلك الأثناء ، اتجه شيلغي إلى قسم آخر تقابل فيه مع مختص يبدو انه على معرفة به ، ثم سلمه الأوراق و التي تحتوي على معلومات حول ثلاثة أشخاص ، ثم قال له :
شيلغي : أريدك أن تتحقق لي عن أي معلومات لأي فرد من هؤلاء الثلاثة في سجل التشريح ، سابقا و لاحقا ، أتمنى أن تسرع بقدر الإمكان...
و عند خروج سفاين عند الساعة الخامسة عصرا وصله اتصال هاتفي ما لبث أن رفع هاتفه ليرى رقم ليريا متصلًا به ، فتح الخط و أجاب :
سفاين : سيدة ليريا ؟ ماذا هناك ؟
ليريا : مالذي ليس هناك ! كان يجب أن أتصل بك مبكرا لكنني انشغلت بحفل خطوبة ابنة ساريتا ! كيف تصل إلى معلومات تخص قضية ابني ثم لا تخبرني !!!!!؟؟؟؟؟؟؟
سفاين : مـ .. ماذا ؟ من أين تعلمين أنني توصلت لشيء كهذا !!؟؟
ليريا : عصافيري في كل مكان ! أجبني مالذي توصلت له و لم تخبرني به !!!؟
تنهد سفاين ثم قال :
سفاين : سيدة ليريا أخشى أنني لم أصل لشيء بعد ، أنا فانتظار نتيجة شيء ما ، بمجرد أن تتبين ستعلمين كل شيء ,, و لست بلا ضمير حتى أخفي عنك شيئا في قضية ابنك ..
سكتت ليريا قليلا ثم قالت :
ليريا : هل هو شيء قادر على كشف شي يتعلق بالقضية ؟؟؟
سفاين : سيدة ليريا , لقد تجولت في سجن جيه ڤيه أي الأيام الفائتة ، و امسكت بعض الأدلة المتشبه بها ، النتائج يمكنها أن تحدد ما سنعرفه بخصوص ما حدث لابنك الأيام الأخيرة هناك...
ليريا : أدلة مثل ماذا ؟ -تضع يدها على صدرها-
سفاين : مثل بقعة دم أمام الباب الذي قيل أنه أُخِذَ منه !...
أغلقت ليريا عينيها ثم قالت بعد نفس عميق :
ليريا : لتفعل ما تراه صوابا ، المهم أن نصل إلى الجناة و يؤخذ حق ابني منهم
سفاين : صدقيني ، لن أذهب من هذه الحياة قبل أن أجعلهم يدفعون الثمن ، هذا وعدي لك و له و لحق الإنسان فالعيش..
الثامن و العشرين من مارس 2018 :
فالساعة التاسعة مساءا ، و على إحدى طاولات مطعم شفابينج الشهير المطل على شارع نورديندشتراس و المعروف بسمعته ، كان يتناول طعام كل من هارلوش رودينغن و نورتش فويهام والد روزا و جيسكي صاحب الوكر المشبوه ، و قد كان هناك مدعو رابع و لكنه لم يصل حتى الآن ، فتسائل جيسكي في منتصف صمتهم قائلا :
جيسكي : لماذا لم يصل السيد شيلغي حتى الآن ؟
نورتش : إنه مهموم في أمر ما ، لم أره في حياتي يطوف بين المباني الحكومية مثل اليوم -يضحك-
جيسكي : أخشى يا سيد نورتش أن يفوت زفاف ابنتك , كما تعلم هذه مناسبة لا تفوت !
هارلوتش : طبعا و بكل تأكيد أنت لن تحضر ذلك الزفاف ولا أي أحد من جماعتك ، أصبحوا يعرفونك جيدا بعد تصفيتك لذي اللفائف في وضح النهار !
نورتش : إذا لم يحضر السيد شيلغي زفاف ابنتي ، فلا بد أنني سأسمع مبررا قويا منه ، ليس من عادته تفويت مثل هذه المناسبات ، و أنت يا جيسكي ، يجب أن تستمر بالاختفاء عن الأنظار حتى يستقر الوضع ، لا نريد مشاكل أخرى مثل التي فعلت مع اولئك النسوة ، فقد كان يفترض بك فعل ذلك في وسط الليل و بصمت ! هل تظن اننا فالمكسيك حتى لا تكون هناك تداعيات لذلك؟
يصمت جيسكي قليلا و هو ينظر إلى الطاولة ثم يتنهد و يقول :
جيسكي : نعم ، أعترف حقا انه خطئي و لم أتصرف بشكل صحيح هذه المرة ، و لكن لن تتكرر أعدكم بذلك..
نورتش : يسعدنا سماع ذلك و لكن سيسعدنا أكثر أن تطبق ما تقول حقا ، كنت أتمنى أن تكون معنا في هذه المناسبة و لكن لا مشكلة ، إنها ليست أجواءا تروق لك -يضحك-
جيسكي : نعم و لكن على الأقل كنت فعلت ذلك تقديرا لك -يبتسم-
مد نورتش يده ليربت على كتف جيسكي و قال له :
نورتش : و سيسعدنا أيضا أن نراك تدخل هذا القفص يوما ما -يغمز له-
هارلوتش : نعم نعم دعنا نرى هل لديه نفس براعة ابني أم لا -يضحك-
نورتش : ابنك لو لم أكن أنا فوق رأس ابنتي لأخذ الأمر وقتا أطول ، ليشفع له وجهه الجميل ذلك ! -يضحك-
السادس من إبريل 2018 :
فالساعة التاسعة صباحا كانت ليريا قد وصلت إلى معهد الطب الشرعي في جامعة لودفيغ بإنتظار المحقق سفاين لمعرفة نتيجة الفحوصات ، و لكن كان سفاين قد تأخر لبعض الوقت قبل أن يصل و يرى ليريا و هي تنتظره فأقبل عليها قائلا :
سفاين : ماذا تفعلين هنا ؟؟؟؟
ليريا : أرجوك دعني اطلع على نتيجة الفحوصات ! لم أتذق نوما هنيئًا منذ علمت بأمر الفحص !
تنهد سفاين و هو يضع يديه على خصره رافعًا رأسه للأعلى لثوان ، ثم نظر إليها و قال :
سفاين : لا يمكنني إدخالك ، ستنتظرين هنا حتى أنتهي من التدقيق معهم ..
ثم غادرها مسرعا إلى الداخل و عاد هي إلى كراسي الإنتظار ، و لم تمضي عشر دقائق حتى عاد ماشيا بتململ و بيديه مجموعة أوراق مغلفة بكيس شفاف ، نهض ليريا و بادرت بسؤاله قائلة :
ليريا : مالنتائج ؟ هل هناك شيء جديد؟؟
أكمل سيره حتى وصل إلى المقاعد و جلس بجوارها و هو ينظر إلى الأرض ثم نظر إليها و قال :
سفاين : اجلسي فضلا ..
و بعد جلوسها قال :
سفاين : قبل عدة أسابيع استطعت استصدار طلب من لجنة التحقيقات لدى النيابة بأن نقوم بفحص شامل لسجن جيه ڤيه أي ، و طبعا كانت هناك عدة محاولات سابقة و لكن لم يتم التعاون معنا بشكل جيد ، و عندما نجح معنا الأمر و انطلقنا نفتش عن أي آثار في ذلك السجن استطعنا الوصول إلى آثار مشبوهة على التربة عند الباب الخلفي للسجن ، أخذنا عينات من كل شيء اشتبهنا بأنه يعد أثرا ، و بقينا نرسل العينات إلى هذا المعهد حتى اكتملت ،، و اليوم ظهرت النتائج و ،،، وجدنا أن إحدى الآثار التي أخذت من التربة ، لديها تطابق بنسبة 92% مع الحمض النووي لابنك الراحل ،،،
استمرت ليريا تنظر بصدمة إلى سفاين دون أي كلمة ، ثم قالت فجأة :
ليريا : و ،، و ماذا يعني هذا ؟؟
سفاين : كمية الدم التي يمكن أن تبقى في التربة الجافة و ببعض التسرب فالداخل و ببقاء كمية كبيرة من أبنية الحمض النووي شبه سليمة ، هي ليس كمية دم قليلة ، ربما تعرض ابنك لجرح كبير قبيل نقله من أمام الباب الخلفي ، بمعنى آخر ، لقد تعرض لاعتداء ما فاللحظات الأخيرة له هناك ..
صمتت ليريا بعد كلامه و أسندت بظهرها إلى حائط و عيناها نحو الأرض و بوجه خال من التعابير ، بينما كان سفاين يشبك بين أصابعه و وجهه منتصب للأمام و عليه علامات الحزن ، و في وسط صمتهما قالت ليريا :
ليريا: لقد أدخلت ابني الروضة عندما بلغ الرابعة من عمره ، و كان يفوق أقرانه من الأطفال خاصة فالرياضيات و الألعاب البدنية ، كنا أنا و زوجي نتشارك معه أحداث يومه فالروضة و كان يحكي لنا ما جرى معه بهدوء عجيب ، لم يكن ليونارد ولدًا طائشا حتى بلغ الثامنة من عمره ، حينها ،، بدأ يصبح ولدا اجتماعيًا متحمسا بعض الأحيان ، كانت فيروزا طريدته في جميع المراحل الدراسية حتى آخر سنة ، برغم أنه كان يعلم إعجابها به ، و مع ذلك كان يخفي إعجابه أيضا ، ليأتي و يحدثني بما قالته و ما فعلته له خاصة نظراتها له ، -تبكي بصمت- لقد رأيت في ابني أحلاما كبيرة ، و لا زلت إلى اليوم متسائلة : مالذي وجدوه في ابني حتى يقوموا بتلك الجريمة ضده ؟ ألن تخبرني يا سفاين ؟ هل كان هناك شيء مميز في ابني حتى تأخذه عصابة تجار الأعضاء تلك؟
تبادل سفاين النظرات مع ليريا ، قبل أن ينظر إلى الأرض للحظات ، ثم عاد بنظره إليها و قال :
سفاين : لن أكون صادقا إذا أخبرتك بأن ما حدث مجرد جريمة لم تكن الضحية فيها مقصودة بعينها ٫٫٫ لقد كان ليونارد هدفا بعينه لأولئك المجرمين ، و لكنني لا أملك أي دليل على ذلك.. لقد كان هنالك المئات من الأطفال في نفس المدرسة ، و أيضا قد جاءوا له بأفراد رسميين من الشرطة حتى لا يدعوا مجالا للاشتباه ، كل شيء مثير للحيرة في هذه الجريمة !!
ليريا : هل نعلم أشخاصا غير الذين تورطوا بالقضية ، كانوا قد ذهبوا إلى المدرسة التي أخذوا ليونارد منها !!!؟؟؟
سفاين : تم استجواب جميع الأفراد و الرتب العاملين في مركز الشرطة ذاك ، الأفراد الذين اخذوه كانوا ينفذون أمرا رسميا ولا يعلمون حقيقته ، لم ندعهم إلا بعد عشرات جلسات الإستجواب بحقهم ، القائمون على تنفيذ الأمر ، أعني أولئك الثلاثة ، حتى هم لا يعلمون من المدبر الرئيس للجريمة ، ربما كان يعلمه حارس السجن الذي تمت تصفيته أمام أعيننا بالمحكمة ذلك اليوم ..
مسحت ليريا دموعها ، و سكتت قليلا قبل أن تقول :
ليريا : هل سيبقى حق ابني مهدورًا هكذا في وسط ظلام هذه الجريمة ؟؟
سفاين : ما زلت مدينًا لك بوعد ، سأجد الفاعل مهما طال الزمن...
كان روتل في مكتبه منهمكا في التفكير بمقر عمله في ولاية بولاخ في ميونخ ، و بينما هو في خضم تفكيره يصله اتصال مفاجئ على هاتف المكتب ، رفع الخط و أجاب قائلا :
روتل : ماذا هناك ؟
المتصل : لديك زائر عاجل ،،
روتل : من ؟؟؟؟
المتصل : يقول أنه السيد فويتر !!
أخذت ملامح روتل تتقلب و نهض و هو يقول :
روتل : دعه يدخل ، لا تسمح لأحد بالدخول بعده إلينا !
و خلال دقائق ، كان فويتر قد دخل و عليه تعابير الغضب ، حيث سار بسرعة و وقف أمام طاولة روتل و وضع يديه على طرفها و قال و هو ينظر في عيني روتل و بنبرة غاضبة :
فويتر : سيد روتل ! أعتقد أننا عقدنا معك إتفاقا بمشاركة جميع المعلومات التي نعلمها بخصوص قضية ذلك المشروع ! هل يوجد هناك أي أشياء لا نعلمها !!!؟؟؟
نهض روتل من مكانه و ملامحه مستاءة من نبرة فويتر و قال له :
روتل : ماذا هناك ! ما هذه الجلبة هكذا دون مقدمات ؟؟؟
فويتر : لقد خسرنا فرقة كاملة عند مطاردتنا لذلك المتحور ! لقد صار بعضهم أشلاء متناثرة ! هذا لا يتفق مع معلوماتك التي أخبرتنا بها بخصوص قدراته !
روتل : و ما أدراني بطريقتكم !؟ ربما أنتم المسؤولون عما حدث بعدم دراستكم لطبيعة ذلك الشيء !
فويتر : لا أعتقد أنك ستفضل رؤية ما سنفعله إذا اكتشفنا اخفاءك لأي معلومات هامة بهذا الأمر !
روتل : لا أفضل أن ترى ما سأفعل إذا تم تهديدي ! أنت لا تتحدث مجرد موظف حكومي هنا !
فويتر : أوه حقا ؟ هل سيناسبك أن نفتح ملفاتكم للمجتمع الدولي ؟ مثلا ملف المنظمة الأمنية التي نشأت لديكم مؤخرا ؟؟؟
عاد روتل لمقعده و جلس مرتخيا و قال :
روتل : تعني منظمة NL ؟ ها أجل أجل ، أنني على علم بكل شيء يتعلق بها ، ليس بها شيء يثير الضجر لنا !
فويتر : ماذا تعني !؟ هل ستبدأون باللعب في هذا المجال ؟ صدقني لستم بحجمه !
روتل : سيد فويتر , ليس لدي ماء يمكنك تعكيره ، خلال وقت قصير سيكون هناك إجتماع دولي لأهم المنظمات الأمنية الدولية ، و ستكون هذه المنظمة ضمن هذا الاجتماع لتبادل المعلومات و الخبرات ! بمعنى آخر ، هذا ليس شيئا نخفيه -يمد يديه جانبا-
بقي فويتر صامتا لبعض ثوان ثم قال :
روتل : لن يكون هذا ملفكم الوحيد ، لن تكون بخير إذا تم اكتشاف أي اخفاء للمعلومات ، لن ندع عملنا للحظ البتة !
روتل : لماذا أنتم الأمريكيون متهمون بهذا الملف بشكل مبالغ ؟؟ هل هناك شيء لا نعلمه مثلا؟؟؟ إذا كان كذلك فبأي حق تأتي إلى هنا و تتحدث و كأنك صاحب الأمر!!؟؟
امتعض فويتر و ازداد غيظه و هو ينظر إلى روتل الذي رمقه بنظرة واثقة و باردة ثم نهض روتل و اتجه بهدوء نحو فويتر الذي قال له :
فويتر : ربما لم يحن الوقت المناسب لتعلم كل شيء ، كن على تعاون معنا كما تم الاتفاق من قبل و ...
يقاطعه روتل و هو يمد إصبعه نحو فويتر ، فقال روتل :
روتل : انتبهوا جيدا أيها الأمريكيون ، الألمان ليسوا عمّالًا لديكم ! ان كنتم ستتعاونون معنا ، ستشاركوننا كما نشارككم ، انتهى الحديث ...
و بنظرات غاضبة من فويتر و باردة من روتل ، بقي الاثنين في صمت لبعض ثوان ، قبل ان يتحرك فويتر غاضبا ليخرج و يغلق الباب خلفه و بقوة أمام نظرات روتل الساخرة ، عاد روتل إلى كرسييه و رفع الخط و اتصل قائلا :
روتل : صلوني بقائد الفرق الميدانية لإستخباراتنا ، أمر عاجل !..
العاشر من إبريل 2018 :
كان لوينير في ظهيرة هذا اليوم قد وصل لقصره الكبير بعدما أنجز عدة أعمال تتعلق بتجارته ، و بمجرد وصوله إلى غرفة المعيشة طالبا من خدمه تجهيز مائدة الغداء وصله اتصال على هاتفه ليرفع الخط و يرى اسم المتصل ، فيروزا ، ثم ترتسم ابتسامة عريضة على وجهه قبل ان يرد قائلا :
لوينير : أهلا و سهلا عزيزتي!
فيروزا : دعنا من سخافاتك ! هل ستوافق على القرض أم لا ؟؟
لوينير : ما هذا فيروزا ! نحن لم نتفق بعد !! لقد انتظرت والدك ليسدد متأخرات الإيجار شهورًا عديدة ! و لكن أعتقد أن الوضع الآن أصبح تحت بند المماطلة و لا يمكنك إنكار ذلك!
فيروزا : أنت من رفع سعر الإيجار حتى يصبح أبي عاجزا عن سداده في وقته ! كل هذا من أجل أن تضعنا في وضع حرج لنقبل شروطك ! و لكنك لا تعلم أن هذا لن يحدث حتى في أحلامك الساذجة هل تسمع !؟؟؟؟
يضحك لوينير ضحكة ساخرة ثم و بنبرة مصطنعة اللطف يقول :
لوينير : ربما عليك أن تقبلي قدرك لا أكثر ، ربما لكي يصبح ذلك المنزل بيت والدك يجب عليك أن تقدمي خطوة نحوي ، ربما لن يكون هناك خيار أفضل من هذا عزيزتي ,,,
صمتت فيروزا و بعينيها الدموع ، قبل أن تقول بنبرة ساخطة :
فيروزا : عليك أن تتأكد من دخول الشياطين إلى الجنة إذا أردت ان تراني اخطو تجاهك !
ثم اغلقت الخط في وجهه و مسحت الدموع عن عينيها ، لتدخل عليها أمها التي سارعت بالجلوس بجوارها ، نظرت في عينيها الدامعتين و مسحت عنها بلطف و قالت :
لويتا : هل كان هو مرة أخرى ؟؟؟
أومأت فيروزا برأسها إيجابًا ، فأخذتها أمها على صدرها و ضمتها و هي تدافع دموعها ، و قالت :
لويتا : كوني على ثقة يا ابنتي ، أنني لن أقول لك شيئا ضد إرادتك ، و سأفعل ما بوسعي مع والدك ،،،
فيروزا : هل يعقل أن أبي متواطئ معه للضغط على حتى أوافق ؟؟
لويتا : لـ لا أعلم حقا ، والدك لا يخبرني بكل شيء كما تعلمين ... -تقلب ناظريها-
فيروزا : ليس عدلًا أن أقضي عمري مع مجرم مثله ، إنه مختل يمكنه إزهاق الأرواح إذا تطلب الأمر ! لقد سمعتي ما حدث للرجل الذي أنقذني ، كان رجلا مسالما ذنبه أنه ساعد فتاة مثلي ،،، و لا زلت إلى اليوم غير قادرة على تخطي ذلك الأمر ،،،
لويتا : الحياة ليست عادلة في كثير من الأحيان يا بنيتي ، و هل كنت أتمنى العيش مع رجل مثل والدك ؟ ،،، ربما كان والدك رجلا جيدا في كثير من حياته ، لكنه بعد عودته من الجيش لم يعد ذلك الرجل الذي يمكنني أن أسند عليه رأسي ، لقد خسر كثير من عاطفته وإحساسه ، لقد أصبح من المؤلم رؤيته فاقدًا ذاته و مبادئه بهذه الصورة ....
فيروزا : ربما هو أيضا واجه عدم عدل الحياة معه إلى أن وصل إلى هذه الحالة التي نراها اليوم ،، و لكنني لن أسامحه أبدًا إذا علمت بأي طريقة انه متواطئ مع ذلك السافل لارغامي على القبول به ، -تنظر لوالدتها- لن أسامحه أبدا و لن أعطيه أي عذر
لويتا : كوني مطمئنة ،، لا أظن أنه يصل إلى هذه المرحلة حقا،،،،،
فيروزا : و ماذا سنفعل بأمر المنزل ؟؟ هل يمكننا الذهاب إلى مكان آخر ؟؟؟
لويتا : دخل والدك حاليا لا يكفي غير حاجاتنا الأساسية و نفقات علاج أخيك و دراستك ، النقل و الإيجار في مكان آخر يحتاج ادخارًا لعدة أشهر ، هذا إذا نجحنا في الإدخار أصلا ،،،
تنهدت فيروزا و وضعت يديها على رأسها و رفعت رأسها إلى الأعلى ثم قالت :
فيروزا : لتفعل أيها الرب ما تشاء ، و لكن أنقذني أرجوك,,,
ثم نهضت من عند أمها و قالت :
فيروزا : سوف أخرج لبعض مهامي الدراسية ، سأعود فالليل قبيل التاسعة ،،
لويتا : هل ستقابلينه ؟؟؟؟
تبادلت الأم و ابنتها النظرات ثم قالت لويتا :
لويتا : أرجوك ، لا تفعلي شيئًا تندمين عليه لاحقا ، فكري في نفسك قبل التفكير بنا ، هذا رجائي منك -تبكي-.
تعانقت الأم و ابنتها بدموع صامتة ، ثم خرجت فيروزا من عند أمها و في رأسها هدف قررت فعله بأي ثمن ...
فالساعة الثالثة عصرا كان لوينير قد أنهى غداءه و استراح في حديقة منزله يحتسي بعض القهوة السوداء ، و يقلب عدة أوراق تتعلق بملكية القصور و المنازل ، فجاءته إحدى الخادمات مستأذنة منه لتعطيه خبر وصول زائر له ، و هي فيروزا ، فطالب بالإسراع بتجهيز غرفة معيشته و أسرع نحو الغرفة و جهز منظره بسرعة و جلس بعدها ينتظر قدومها ، حتى جاءت و بيدها حقيبة صغيرة تمسكها بيديها و هي ترمقه بنظرات حاقدة ، ثم نهض و أقبل عليها قائلا :
لوينير : مرحبا عزيزتي ! زيارة غير متوقعة حقا ، و لا تعلمين كم أنا سعي
فيروزا : ليس لدي وقت لأضيعه معك ! دعنا ننهي هذا الأمر اليوم !
لوينير : تفضلي و اجلسي أولا قبل أن نتحدث تفضلي -يمد يده-
جلس الإثنان قبال بعضهما البعض ، بابتسامة و نظرة سعيدة من لوينير و ملامح مقتضبة و ساخطة من فيروزا
ثم باشر لوينير الحديث بقوله :
لوينير : بما أن القهوة فالطريق ، دعينا نبدأ بسبب زيارتك الغالية ،،،
فيروزا : ماذا ستفعل إذا أخبرتك أننا سننتقل من هذه البلدة ؟ و لتشبع أنت منزلك ذاك ؟
لوينير : سهلة ! أذهب و بكل بساطة أشتري ذلك المنزل الذي انتقلتم إليه ! مفاجأة صحيح ؟ -يضحك-
أغلقت فيروزا عينيها غضبًا ، ثم قالت :
فيروزا : لا يمكنك فعل ذلك ! نتفق مع صاحب المبنى أن لا يبيعك ! لماذا لا تدعنا و شأننا !؟؟ كم مرة قلت لا أريدك ابتعد عني ؟؟
لوينير : -يتنهد- أنتي لا تعلمين معنى أن تقع في حب أحدهم ٫٫ ما زلتي تجهلين معنى ان تُكوى بنار الحب !
فيروزا : هذا ليس حبًّا بل هوسًا نرجسيًا بغيضًا مثل صاحبه ! أنت مجرد وضيع تظن أن كل شيء يأتي بالمال !
لوينير : حسنًا ما لم يأتي بالمال سيأتي بطرق أخرى ، كما تعلمين ! اما ان تتزوجي بي و يحصل والدك على ذلك المنزل و سداد جميع المستحقات عليه ، أو سيبدأ بالتعثر يمينًا و شمالًا بحثا عن منزل لا يمكنني شراءه ، و هذا سيكون مستحيلا بالنسبة لي !
ثم مد لوينير يده نحو فيروزا و قال :
لوينير : هل ستوافقين على نعيم يشملكم جميعًا ؟ أم تختارين بداية التعاسة لكم بنفسك ؟؟ هيا عزيزتي ، لم يعد هناك سبب للمكابرة ، سيكون لديك الوقت لتتقبلي كل شيء ، العائلة هي الأهم ,, ألست على حق ؟؟؟
باتت فيروزا في طريقين لا ثالث لهما ، تنظر ليد لوينير تارة ، و أخرى تنظر لعينيه بكره عميق ، و لا زالت تقلب الأفكار في رأسها ، هل تختار نفسها ، هل تختار عائلتها ، هل هناك خيار ثالث ، أظلمت الدنيا في عينيها ، و اخفضت نظرها الى الطاولة أمامها و بنظرات منكسرة ، قبل أن ترفع رأسها و تقول :
فيروزا : هل سأكون ب......
يقاطع حديثهما فجأة اطلاق نار كثيف على كامل القصر !! تحطم زجاج النوافذ و تطايرت الشظايا في كل مكان ، سقط الاثنين على الأرض وسط صراخ فيروزا المذعورة من هول ما حدث فجأة ، انخفض لوينير و اقترب منها و قام بتغطيتها ثم نادى صارخا :
لوينير : من هناك ؟؟؟؟؟ أين أنتم يا رجال !!!
ازدادت قوة اطلاق النار لفترة لم تزد عن الدقيقتين ، ثم توقف كل شيء فجأة ، كانت فيروزا قد فقدت وعيها من الخوف و أصاب لوينير الهلع الذي بدأ يناديها بإسمها عدة مرات ، فلم تستجب معه ، ثم زحف قليلا قرب احدى النوافذ و رفع رأسه ليرى الوضع بالخارج ، توقف إطلاق النار تماما و كانت حديقة قصره تعرضت للإطلاق العشوائي مما سبب تشوه الكثير من أجزائها ، قبل أن يسمع صوت الحرس الذين نادوا بإسمه عدة مرات ، نهض لوينير و قال صارخًا :
لوينير : من ! من كان هولاء ؟؟؟ من يجرؤ على إطلاق النار على بيتي ؟؟؟
الحارس : لم نستطع التحقق ، لقد كانوا على مسافة بعيدة قليلا من القصر !
لوينير : فعلوا ذلك في وضح النهار ! إنهم ليسوا مجرد عابثين ! اتصل بالإسعاف فورا لدينا حالة هنا بسرعة ،،،
و خلال عشر دقائق كان الإسعاف قد وصل ، و تم الكشف عن وضع فيروزا الصحي و لم يكن بها شيء سوى صدمة نفسية شديدة بقيت آثارها مدة وجيزة ، في تلك الأثناء ، كان لوينير يحاول الاتصال بخاله شيلغي ، الذي لم يجب على أي من اتصالاته ، بدأ الخوف يتسرب داخله و بدأ يفكر بشكل عشوائي قائلا في نفسه :
لوينير : هل يعقل أنه السبب ؟ هل هناك أشخاص يقفون خلفه ؟؟؟
ثم بادر واتصل بجيسكي الذي رد بصوت عال :
جيسكي : ماذا هناك يا لوينير ليس لدي وقت لحديثك !
لوينير : ماذا بك لماذا تتحدث هكذا !!؟؟ هل حدث معك شيء ؟؟؟؟
جيسكي : لقد احترق مستودعنا ! مستودع بضائعنا احترق ! لقد دمرت ملايين اليورو دفعة واحدة أمامنا هكذا !
لوينير : لست وحدك الذي حدث معه شيء يجب أن نتقابل عاجلًا !
جيسكي : ماذا تعني !!! ماذا حدث معك ؟؟؟؟
لوينير : لقد عدت من الموت يا رجل ! في منتصف حديثي مع فيروزا ابنة ذلك الجندي ، تم إغراق منزلي بوابل من الرصاص دون معرفة الفاعل ! لقد فعلوا ذلك في وسط النهار !
جيسكي : لوينير ! مالذي يجري ! من الذي يفعل بنا هذا !!! ؟
لوينير : حقا لا أعلم ، رأسي تدور به الأفكار و لا أستطيع الوصول إلى خالي ,, أخشى أن هذه تبعات موت ذلك الملثم !!
جيسكي : ماذا ؟ ما علاقة ذلك البالي بما يحدث ! من يعرفه أصلا ؟
لوينير : لقد كان خالي يحذرني منه منذ علم أنني أخذت فيروزا منزله قبل فترة ، لقد كان يتحدث عنه كشخص خطير جدا و أنني لن أنجو منه ، و بعد أن قتلناه تصرف معي بعنف و خوف ، و كأنه خشي تبعات ذلك !
جيسكي : ربما خالك يعلم شيئًا لا نعلمه ! على كلٍّ دعني اتحرك لمعرفة ذلك ، لن ينجو أي أحد عبث معنا بهذا الشكل ، لقد دمروا تجارتي و سوف أدمر حياتهم مهما كان عددهم ! و ستكون معي في هذا الأمر هل تسمع!
لوينير : لقد كدت أخسر فيروزا اليوم ، سنجعلهم يدفعون الثمن غاليا ، أعدك ،،،
استفاقت فيروزا من إغمائها ، و بدأت تتلفت حولها بقلق قبل أن يطمئنها لوينير بقوله :
لوينير : لا تقلقي كل شيء على ما يرام ، لقد ذهبوا ،،،
نظرت إليه بخوف و قالت :
فيروزا : مالذي حدث ! لماذا أطلقوا النار علينا !!!؟؟
لوينير : لا نعلم شيئًا حتى الآن ، تحرك الجميع لمعرفة ذلك ، ما يهم الآن هو إعادتك لمنزلك بسرعة ، هدفهم نحن و ليس أنتي ،،،
فيروزا : انظر إلى وضعك ! هل ما زلت تظن أنني سأكون معك في يوم من الأيام ؟ لا يمكنني أن أقضي عمري مع شخص لا أعلم متى تصيبني رصاصة في رأسي في يوم ما !
ثم اقتربت منه بهدوء و وجهت اصبعها نحوه قائلة :
فيروزا : إياك أن تفكر مرة أخرى بأننا سنكون معا ! أحذرك للمرة الأخيرة ! بعد ذلك سأكون مستعدة أن أخسر كل شيء في سبيل ألا أدعك تعيش مرة أخرى !
ثم غادرت و بصوت خطوات عال قبل أن تغلق باب القصر خلفها بكل قوة ، و سارت نحو باب القصر الرئيسي و لوينير ينظر إليها من النافذة بنظرات منكسرة غاضبة ، ثم قال
لوينير : إذا لم اقتلعكم من ارضكم التي تختبئون فيها و أرسلكم إلى الجحيم ، لن يكون اسمي لوينير !
بعد خروج فيروزا من القصر ، رأت سيارة من طراز جيب شيروكي أمام القصر كانت قد توقفت بقوة ، ليخرج منها جيسكي الذي كان يرتدي نظارته الشمسية و قام بنزعها و عليه علامات الغضب الشديد ، ليخرج أمامه لوينير الذي قال له :
لوينير : ليس لدينا وقت ، هيا بنا إلى مكانك بسرعة ، -ينادي بصوت عالٍ- يا رجال ! اجمعوا لي كامل الطاقم و ليعلم الحاضر الغائب هيا بسرعة !
كانت فيروزا تنظر إلى حالهم و هي في ذهول و استغراب حادث نفسها فيه قائلة :
فيروزا : ماذا يحدث مع هؤلاء؟؟؟ من الذي يهددهم إلى هذه الدرجة ؟؟؟؟ -تمشي- يجب أن يعلم والدي بذلك !
و في أثناء قيادة دولفر السيارة ، بادر لوينير كلامه للبقية قائلا :
لوينير : مازلت لا أفهك كيف حدث حريق مستودعكم ! ؟ من المفترض أن لديكم حرسًا و كاميرات عليه !
جيسكي : لأنه و ببساطة تم قتل جميع الحرس !!! و لا نملك كاميرات مراقبة لان جميع أنظمة المراقبة المتاحة مكشوفة و يمكن الوصول إليها من الجهات الأمنية و ذلك سيسبب لنا صداعًا لن ينتهي ، كل ما آمله هو إيجاد شيء في كاميرات المراقبة القريبة من مكاننا !
دولفر : أخي ، أقرب مكان مراقب يبعد عنا قرابة الثلاث كيلو مترات ! لا يمكن تمييز السيارة التي وصلت إلى مقرنا منه ،،
لوينير : إذن و ماذا أيضا ! هل نتركهم هكذا دون عقاب ؟؟؟
جيسكي : و لكن أنت قادر على فعل شيء !
لوينير : ماذا تعني ؟
جيسكي : لقد هوجم منزلك كما أخبرتنا ! لتدع الشرطة إلى منزلك و تفتش فالأمر لربما يخرج منهم طرف خيط ، عندها سنتكفل بالباقي !
لوينير : نعم نعم ! لقد طلبت الشرطة و تركت مدير حرسي يتعامل معه ، لكنني احتاج الى خالي في هذا الأمر ، لا يمكنني الوصول إلى أماكن أعمق بدونه !
و بمجرد وصولهم إلى مقر جيسكي ، لاحظوا عددا من السيارات السوداء من نوع أودي A6 بعدد 6 سيارات ، كانت واقفة أمام بوابة مقرهم ! ليقول جيسكي بقلق :
جيسكي : ماذا يحدث !!! من هؤلاء ؟؟؟؟
دولفر : إنهم !!!
ثم توقفوا بجوارهم و ارتجلوا من سيارتهم ، ليخرج الرجال من السيارات التي أمامهم بألبستهم الرسمية دون ربطة العنق ، ثم يخرج من أحدها رجل طويل القامة بشعر بني مربوط أسفل الرقبة و لحية عادية أسفل فكه ، يرتدي بدلة بلون أحمر قاتم و يضع نظارة شمسية و يمسك بيده سيجارة ذات لفافة كبيرة ، و بمجرد أن رآه جيسكي ارتبك و اقترب منه قائلا :
جيسكي : اعذرني سيد فيلدر أنا...
فيلدر : اخرس ! اخرس ايها الفاشل ! هل تعلم ماذا خسرنا اليوم !!؟؟؟
جيسكي : أقسم لك أن هذا حدث فجأة ! إنه عمل منظم ، حتى السيد لوينير تعرض للهجوم على قصره !
التفت فيلدر نحو لوينير ، ثم أشار له بتحية على صدره ، و عاد إلى جيسكي و قال له :
فيلدر : لقد خسرت كمية بضائع تقدر ب7.5 مليون يورو ! هل تعلم ماذا يعني ذلك !؟؟ يعني أن السيد آنيلكا سيقطع كرتك في أقرب وقت ممكن ! هل تسمعني ؟
جيسكي : لا تقلق يا سيدي ! سنجد من كانوا وراء ذلك و نسلمهم لكم عاجلًا ، فقط اعطني بعض الوق...
فيلدر : أسبوع واحد ! خلال أسبوع واحد سوف تجدون الفاعل ، و إلا ستكون نهايتكم الحزينة ! لا إعادة للتحذير في قاموسنا ! ،،،،، هيا ، سنعود أدراجنا ..
غادرت سيارات فيلدر المكان و بقي جيسكي واقفًا مكانه و هو ينظر إلى الأرض بنظرات متوترة و قلقة ، ثم التفت إلى لوينير و قال له :
جيسكي : يجب أن نجدهم بسرعة ! سوف يقتلوننا بلا رحمة !
لوينير : من هؤلاء ؟؟ لماذا خفت منهم هكذا !؟
جيسكي : هذا فيلدر وارسن ، أحد أذرع تنظيم الموكرو ,, أنه موردنا الأساسي و يعمل أيضا في تجارة السلاح ، و خلفه الزعيم آنيلكا ، جميع تحركات الموكرو في بافاريا يديرها هو ، و هو صاحب نفوذ كبير جدا !
لوينير : إذا كان هذا آنيلكا بهذا النفوذ ! لما لا يساعدنا في إيجاد الفاعلين ! ؟
جيسكي : يعتبرون هذا خطأنا نحن ! لن يرحمونا إذا انتهت المهلة التي حددوها لنا
لوينير : كيف يمكننا إيجادهم و لا نملك أي دليل يصل بنا إليهم ! ميونخ مثل كومة القش و هؤلاء إبرة في داخلها ! سيأخذ ذلك منا وقتًا طويلا !!
فجأة تتوقف سيارة من طراز مرسيدس بنز S 350 بشكل عاجل فيأخذ الجميع تأهبهم لسحب السلاح ! قبل أن يخرج شيلغي من السيارة و عليه علامات غضب شديد جدا و بيده مجموعة أوراق , ليتجه بخطوات عجلة إلى لوينير و يلكمه على وجهه بقوة فيسقط أرضًا ! ثم يتدخل جيسكي قائلا :
جيسكي : سيد شيلغي ! ماذا هناك !؟؟ لماذا تتهجم على ابن اختك ؟؟!!!
ثم قال شيلغي بصوت صارخ :
شيلغي : أحمق ! أحمق ! يالك من وغد حقير أنجبته أختي ! قلت لك لا تعبث في هذا الأمر لكنك لا تستمع لما أقول ! لقد أعمتك تلك الباردة المقيتة حتى جلبت لنا الدمار !
لوينير : ماذا هناك ! ماذا هناك ! ماذا حديث يا خالي !!؟؟ لماذا أنت غاضب هكذا !!
شيلغي : خذ ! -يسلمه الأوراق- أمسك !!! انظر إلى حماقتك
نهض لوينير من على الأرض ، و نظر إلى الأوراق ثم قال و يمسكها :
لوينير : ما هذه !
شيلغي : انظر ! هل تذكرك هذه الوجوه بشيء ؟؟؟
نظر لوينير فالأوراق فإذا هي ثلاثة أوراق فيها معلومات شخصية عن 3 أفراد ، و ورقة بها تقرير تشريح جثة ، 3 أوراق بها شهادات وفاة لنفس الأشخاص الثلاثة و ورقة بها تحليل DNA لأحد الثلاثة ، ثم بدأ يتذكر و قال :
لوينير : هؤلاء ؟ هؤلاء رجالي !؟؟
شيلغي : أولئك الثلاثة الذين أرسلتهم لمنزل ذلك الملثم ! لم يعودوا إليك فقمت بإرسال غيرهم لاحضار تلك الفتاة ! أولئك الثلاثة كانوا قد قتل اثنان منهم و تم العثور عليهم في قبو منزل ذلك الملثم ! و أما الثالث ! فقد كانت مخدرة قبل قتلها ، و جاء صديقك العزيز هذا -يشير إلى جيسكي- برجاله و رأوه ملفوفا بنفس لفافات ذلك الرجل فأطلقوا عليه النار ظنًّا أنه نفس ذلك الملثم الذي داهم قصرك ! لقد خدعكم و جعلكم تقتلون أحد رجالكم دون علمكم !!!!
أصيب الجميع بالصدمة ،،، و اخذ جيسكي و لوينير يتبادلان النظرات في رعب شديد ! فلم يكونا يتوقعان ولا في أبعد إحتمال أن ذلك الملثم الملتف باللفائف في ذلك اليوم كان جالسا على كرسيّه بينما داهموه هم و رموه بوابل من الرصاص ، أنه رجل من رجال لوينير كان تحت التخدير الشديد و تم قتله بغير قصد !
ثم بعد لحظات من الصمت قال جيسكي لشيلغي :
جيسكي : من يكون ذلك الملثم ! و ماذا سيحدث الآن !!؟؟
نظر شيلغي لهما و قال :
شيلغي : ما سيحدث ، هو أنكم ستدفعون الثمن غاليا ، سندفعه جميعا ! و لا أشك أن الهجمات التي تعرضتم لها اليوم كانت من صنيعه ! لا يسعني القول إلا ،،، إلا أن تنتظروا موتكم بهدوء !!!!!!
لوينير : -صارخا- اخبرني يا خالي من هذا ! مالذي تعرفه ولا تريد قوله لنا !!!!
شيلغي : إنه (الوحش) !!! إنه (الوحش) !!!
ثم التفت إلى سيارته و أخبر سائقه بأن يفتح الباب ، ثم ركبها و غادرهم ، تاركًا إياهم في صدمة و هلع و خوف منقطع النظير !
رفع شيلغي هاتفه و اتصل بأحدهم و قال :
شيلغي : لا تتدخلوا في أي شيء ، أوقفوا جميع النشاطات مؤقتًا !!! لندعهم يتحملون مسؤولية أفعالهم ......
السابع عشر من إبريل 2018 :
كان فيلدر قد وصل إلى مقر الجنرال في الساعة الثامنة صباحًا ليرى مالذي وصلوا إليه جيسكي و رفاقه ، بعدما خسروا مبالغ طائلة جراء احتراق البضائع المرسلة إليهم ، و لكن عند وصوله لم يباشر النزول من سيارته ، بل اكتفى بجعل السائق يضغط على بوق السيارة بشكل متكرر ، و لكن لا توجد أي اجابة ،، فقرر النزول مع بعض الرجال لمعرفة سبب عدم خروجهم إليهم ، كان هدوء المكان مثيرا للريية بالنسبة لفيلدر الذي استطاع الدخول من باب المقر الخارجي الذي لم يكن حتى مغلقًا و لا يوجد أي حارس عليه ، ثم بدأ بالتمشي قليلًا في باحات المقر و الذي هو عبارة عن مستودع كبير جدا بعدة جدران داخلية تفصل بين مساحاته ، و استطاع الوصول حتى إلى مكتب الجنرال الرئيسي ، و لكن دون أي وجود لأحد من أفراد الجنرال ! بدأ يتمتم بينه و بين نفسه قائلا :
فيلدر : بحق الجحيم ! أي اختفى كل هؤلاء ! أيعقل أنهم قد خرجوا للإشتباك مع أحد !؟؟؟
ثم نادى تابعًا له و قال له :
فيلدر : اتصل بجيسكي فورًا ، لا بد أن لديه تفسيرًا !
تم الاتصال به عدة مرات ، و لكن كلها تعطي نفس المعلومة : الرقم غير مسجل فالخدمة !
و بمجرد ما أن يأس فيلدر من محاولات الاتصال قال :
فيلدر : هناك خطبٌ ما ! لا يمكن أن يكون قد هرب ، لأن نصل إلى كل طرق التهريب الغير قانونية ، ولا يمكن أنه سلم نفسه إلى الشرطة لأنه يعلم أننا سنصل إليه هناك و بسهولة ،، لذا يبقى لدينا إحتمالان : إما أنه قتل ! أو حدث شيء قاهر معه ،
ثم رقع هاتفه الشخصي و اتصل بسرعة ، و في لحظات تم الرد عليه فقال :
فيلدر : سيدي , يبدو أن الجنرال و رجاله مفقودون !!!
السيد : أوه ! حقًا ؟؟ الجنرال و فريقه ! جميعهم مفقودون !!؟؟ ماهذا يا رجل !
فيلدر : بحسب المعلومات المتوفرة لدي , لا يمكنه الهرب منا سواء هروبًا خارج الولاية أو بتسليم نفسه إلى الشرطة ، سيكون لديه سبب قاهر ،،
السيد : و كيف يمكنك تخمين ذلك ؟؟؟
فيلدر : لقد تعرض للهجوم من أطراف مجهولة قاموا بحرق بضائعه ، و لديه شريك آخر تعرض لإطلاق النار على قصره ، لربما لديه أعداء نشطين في هذه الفترة ..
السيد : إذن ، سنقوم بجولة صغيرة على بعض زملائنا فالعمل ، لعل أحدهم أراد الجناية على نفسه !
كانت فيروزا و والدتها في منزلهم قد أنهوا تجهيزاتهن لحضور حفل زفاف روزا و آلفي الذي سيكون فالرابعة عصرًا ، و كان بليند أيضًا قد قرر الحضور لهذا الحفل بعدما ألحّت عليه فيروزا حتى يقوم ببعض التنفيس عن نفسه بعد جلسات العلاج للتخلص من الإدمان ، سمعوا طرق الباب ، فظنوا أنه والدهم تيلمر فذهبت فيروزا نحو الباب و فتحته ، و لكن ما وجدته لم يكن والدها ، بل طردًا صغيرًا مغلفًا بشكل قوي ! ثم حضر بليند و شاهد معها ذلك الطرد فقال :
بليند : فيروزا !!؟؟ ما هذا الطرد ؟ هل كنتي بانتظاره ؟؟
فيروزا : كلا ! لسنا بذلك الثراء حتى أقوم بطلب عبر الإنترنت -ابتسامة ساخرة-
بليند : دعيني أرى ما بداخله !
ثم تذكرت فيروزا ما حدث للوينير ! فخشيت أن يكون شيئًا ضارًّا فأمسكت أخيها عنه و قالت :
فيروزا : كن حذرًا ! ربما هو شيء ضار !
بليند : و من أين خرجتي بهذا التخمين !!!!!؟؟؟؟؟
فيروزا : لا أعلم ربما هناك من يريد فعل المشاكل لنا كما حدث لك !
بليند : دعيكي من الأوهام لقد تركوني منذ زمن
ثم أمسك ذلك الطرد و فيروزا تنظر إليه بقلق ، أخرج بليند مفتاحه و قام بتمزيق اللاصق الذي كان يلف الطرد ، و بعد أن نزع كامل التغليف عنه وجد مستطيلا ملفوفا بمناديل فأزاحها بلطف , فإذا هي حزمة كبيرة من الأموال !! و أخذته الرعدة و هو يبادل نظرات الدهشة و الأرتياب مع شقيقته التي قالت :
فيروزا : أموال؟؟؟؟ لماذا أُرسل إلينا مبلغ كهذا ؟؟؟؟
بليند : أنظري : إنها بطاقة !
فتح بليند البطاقة فإذا بها العبارة التالية :
-أنتم أحق بهذا المبلغ ، 78000 يورو-
أخذت فيروزا شهيقًا و وضعت يديها على فمها و هي تنظر إلى أخيها ! الذي توقف ليضع لحظات يحاول استيعاب ما قرأه , ثم قالت فيروزا :
فيروزا : من يا ترى يكون قد فعل ذلك !!!؟؟؟
بليند : إنه شخص يعلم من نحن ، و بالتأكيد لن يكون في تلك العصابة ، هل يمكن أن ذلك المعتوه لوينير قد يكون فعلها لأجل استمالتك إليه ؟؟
فيروزا : كلا كلا ! إنه يعلم أنني لا أقبل المساومة بالمال ، و أيضًا لن يمنحني فرصة كهذه لسداد المستحقات التي علينا !
بليند : هل يعقل أنه تاب من مطاردتك ؟؟
بقيت فيروزا صامتة لبعض لحظات تقلب ناظريها بين أخيها و محيطها ثم قالت :
فيروزا : لا أعلم ، لكنني أعرف أنه مختل ولا يتراجع عن نواياه ، أخي أشعر أن وراء هذا الأمر شيئًا آخر!
بليند : مثل ماذا ؟؟
فيروزا : لا أعلم ! أشعر بالحيرة لا أستطيع التفكير !
ثم دخلت عليهم والدتهم التي صدمت برؤية المبلغ بين يدي ابنها و قالت له :
لويتا : بليند !!! مـ مالذي ! ماهذا الذي في يديك !؟ هل هذه أموال !؟؟؟
بليند : إنها تلك الأموال التي أعطيناها للعصابة حتى تدعني و شأني !
لويتا : كيف علمت ذلك !؟؟
ثم أراها تلك البطاقة ، ثم بدأت تتلعثم بالكلام و قالت :
لويتا : و مـ ماذا سنفعل ؟؟ ها ؟ أين ستذهب هذه الأموال !؟
نظر بليند لاخته و لوالدته ثم نظر إلى تلك الأموال و مدها إليها و قال :
بليند : لتكن كفارة عن جميع اخطائي ! ليأخذها والدي و يسدد عنا جميع ديوننا !
بدأت لويتا بالبكاء و هي تعانق ابنها على ما قدمه إليها ، و سرت فيروزا بذلك سرورا أدمعت عيناها له و قالت لأخيها :
فيروزا : نعم ! هكذا أردت أن أراك يا أخي دائما .
ثم انضمت إليهما في ذلك العناق قبل أن تقول والدتهما فجأة :
لويتا : لا أريد أن تنتهي هذه اللحظات ، و لكن لدينا حفل زفاف و فرحة مع والدكما ، لذا دعونا ننهي استعداداتنا ..
في قاعة الطاحونة الباردة ، كانت التجهيزات انتهت تقريبا ، و كان في منتصفها كلٌّ من هارلوتش و نورتش يشرفان على إنهاء التجهيزات ، اقترب هارلوتش و قال لشريكه :
هارلوتش : كل شيء جاهز ! يمكنني أن أقول مبارك عليك هذا النجاح ! -يمد يده-
و بالمثل ، مد نورتش يده مصافحًا يد هارلوتش الممدودة و قال :
نورتش : إنني أنسب فضل هذا النجاح لابنتي أولًا ، حتى و إن لم تكن هي تعلم طبعًا -يضحك- و لكن اليوم فرحتي فرحتين يا شريك !
هارلوتش : ليكن طريقك مفتوحًا ، لنراك تهيمن على البلدة بالكامل قريبا !
ثم تعانقا عناق الأخوة للحظات ثم التفت نورتش ليرى ساريتا خلفه ، التي كانت تنظر لهما بنظرات مبهمة ، فاستأذن نورتش من شريكه ليذهب إلى طليقته ، فوقف أمامها و يديه في جيبه ، و أمامه ساريتا بفستان أسود مرصع ، فقال لها :
نورتش : لم أرك منذ زمن ، بعض الجماليات لا تتغير حقًّا !
ساريتا : مالذي يهمك في هذا الزواج لتقوم بكل شيء بنفسك هكذا ؟؟
نورتش : اوه ! طليقتي العزيزة ستشكك في أبوتي في يوم كهذا ؟ هذا كثير يا امرأة !!
ساريتا : نورتش ,, كن حذرًا ! لن تنجو مني إذا حدث أي شيء يعكر زفاف ابنتي !
نورتش : صدقيني أنني أريد ذلك بقدرك ، على الأقل لكي أثبت أنني والد ناجح مع ابنته !!
امتعضت ساريتا بملامحها بنظرة منتقصة له ، ثم غادرت .
بدأ الحضور بالإجتماع ، و وصل ضيوف من كبارة المدينة ، و وصلت ليريا و بناتها و كذلك لويتا و ابنائها و اجتمعوا في طاولة القاعة الرئيسية ، و بدأت المعزوفات لتعلن بدء حفل الزفاف و انتشر الخدم يوزعون الطعام و الشراب على الضيوف ، كان الشريكين جالسين في طاولة مستقلة عن باقي الضيوف ، و بادر هارلوتش حديثه لشريكه قائلا :
هارلوتش : ما زلت لا أفهم لماذا لم يحضر شيلغي حفل اليوم ، هل يمكن أنه منشغل إلى هذه الدرجة ؟
نورتش : أنه يتصرف بغرابة الأيام الأخيرة ، هناك خطب به حقا !
هارلوتش : و ماذا عن لوينير ؟؟
نورتش : ألم تسمع بخبر تعرضه لإطلاق النار !
هارلوتش : لم أصدق ذلك الخبر ، ماذا يحدث في زملائنا في العمل ؟ هل بدأت أعمال شغب دون سابق إنذار هكذا ؟
نورتش : عندما نتفرغ من هذا الحفل سيمكننا اكتشاف كل شيء ، تلك الفعلة كانت جريئة جدا في وسط البلدة أيضا !
قطع حديثهما إعلان خروج العريس و العروس إلى القاعة ، و خلال لحظات خرج الاثنان بأبهى صورة لهما و بخطوات ثابتة رافقها تصفيق حار من الحاضرين ، ثم وقف الاثنان عند طاولة موظف الأحوال المدنية و كان شاهد آلفي هو بليند ، و شاهدة روزا هي فيروزا ، أتم موظف الأحوال عقد الزواج أمام الجميع ، ثم بدأت الفرقة الموسيقى بعزف موسيقى رقص قام لأجلها العديد من الحضور ينتصفهم الزوجين برقص هادئ رومنسي نال إعجاب الحضور بتصفيق حار آخر ، كانت فيروزا و ليريا و عائلاتهم قد انتهوا من الرقص و عادوا إلى طاولات الضيافة ، و عليهم علامات الفرحة و السعادة ، قالت ليريا :
ليريا : هذه أول مناسبة سعيدة للغاية لي منذ زمن طويل ! ياللهول لقد ضحكت و أكلت دون شعور مني !
لويتا : اليوم كان دور هذين الزوجين و غدا دور أبنائنا -تغمز- عندها سنرى كم سترقصين و تأكلين -تضحك-
تبادلت ليريا النظرات مع بناتها و أبناء لويتا بطريقة ماكرة و قالت :
ليريا : و أنتم متى تحلقون إلى هذه الأقفاص ؟؟؟
بليند : آآ أعتقد أن الجميع يجب عليه انهاء دراسته ! هكذا -بشكل خجل-
و فجأة يقاطع بهجتهم أحد الخدم قائلا :
الخادم : سيدة ليريا ، سيدة فيروزا هناك شخص في الخارج يريدكما على عجل !
ليريا : يريدنا !؟؟ من هذا يا ترى ؟؟ -تنظر لفيروزا-
الخادم : لا أعلم لقد أرسلني بهذا الطلب فحسب ،،
بمجرد أن أنهى ذلك الخادم كلامه ، وقع في قلب فيروزا و ليريا خوف كبير فجأة ! و أخذا ينظران لبعضهما بصمت قبل أن ينهضها و يطلبا الإذن من الباقين ، خرجت الإثنتان على عجل إلى مخرج القاعة ، فوجدتا سيارة من طراز كاديلاك اسكاليد بتعديل شركة (INKAS) ! ، اخذت الرياح تهب على المكان ، بينما هما يقتربان من السيارة إلى أن صارتا في مكان قريب من السيارة ، ثم قالت ليريا :
ليريا : من هناك ؟؟؟ هل أنتم من قام بمناداتنا ؟؟
كانت فيروزا متوترة جدا و تقف خلف ليريا ، و تنظر بجوار كتفها إلى السيارة التي أمامهما ، فجأة ، يفتح باب الراكب ! يخرج قدمه ليقف على الأرض ، ثم يخرج بكامله إلى الخارج ! يظهر امامهما ذلك الرجل الملثم ! بينما يتجمد الدم في عروقهما ناظرتين إلى هذا المنظر محاولتين استيعاب ما هو الذي يحدث أمامهما ! لم تكن اللفافات مشدودة كما فالسابق ، بل كانت مرخية بشكل واضح و يظهر من اسفلها سواد كامل ، تبدو كما لو كانت بدلة كاملة ، أغلق ذلك الملثم باب السيارة و سار نحوهما بهدوء ثم توقف على بعد لا يزيد على مترين ، اخذت الرياح تتلاعب بلفافاته و هو يقف وقفة صامتة أثارت الرعب في قلوب المرأتين ، فجأة ، قالت فيروزا و أنفاسها تتلاحق :
فيروزا : أنت !! أنت !!! آآ أنت هو نفس ، نفس ذلك ،،
الملثم : يبدو أنك غير قادرة على استيعاب ما حصل ! لا بأس ، نحن في خضم البداية الآن !
في هذه المرة ، لم يكن صوته ذلك الصوت الهادئ البارد ، بل كان بنبرة تبث الخبث و الشر و القوة ،،، تدخلت ليريا و قالت :
ليريا : من تكون يا هذا !!؟؟ ألم تكن ضحية ذلك اليوم على أيدي المافيا ؟؟ إذا لم تكن كذلك ! فمن الذي مات !؟؟ أو ، أو ربما أنت لست ذلك الشخص !!
ضحك ذلك الملثم ضحكة ساخرة ،، ثم بدأ بنزع اللفافات عن يديه وصولا إلى رأسه ، و أمسك بالوشاح الأبيض الممزق الذي يغطي جسده ، ليسحب كل ذلك دفعة واحدة ، و يظهر بشكله الذي أخفاه طوال الوقت ، شاب وسيم بطول يفوق ال180 سم ، بشعر مفرق من فوق عينه اليمنى ، و وجه بملامح حادة و شرسة ، بانطباع جيرماني شرقي و عينين بلون أصفر فاقع يرى من بعيد ، يرتدي بدلة سوداء يغطيها معطف طويل من نوع ذو الصفين (Double-breasted) ، و بنظراته مرعبة جدا ، هال ليريا و فيروزا ما ظهر أمامهما , و أخذت ليريا تنظر إليه و إلى فيروزا ، ثم قالت :
ليريا : من هذا يا فيروزا ! إنه ليس ذو جسد محترق كما ذكرتي !
فيروزا : لـ لماذا !؟ لماذا قلت لي أن جسدك ! كان قد احترق !
الملثم : نعم ! لقد كان جسدي يحتاج التغطية لبعض الوقت ، كان ذلك كل شيء ، و لكن هذا لا يهم الآن ،،
ليريا : أخبرنا من تكون ! أنت لا تبدو لنا شخصا مسالما ! و أيضا ، من أين تعرفنا ؟؟؟
اظهر ذلك الشخص ابتسامة مخيفة ، ثم رفع احدى يديه و قال :
الملثم : سيدة ليريا ، تلك المرأة صاحبة القضية الشهيرة ،،، قضية فقدان الإبن و ما رافق تلك القضية من أهوال لم تتوقعي رؤيتها في حياتك ! إضافة إلى فقدانك زوجك العزيز ، الذي لم تعلمي مالذي كان واقعًا فيه قبل أن يختفي ، ان معرفتك ليس بالأمر الصعب حقا ، و فيروزا كنت قد عرفتها سابقًا بالموقف الذي جمعنا مع الحشرة لوينير ! و لكن
ثم مد يديه إلى الجانب و قال بملامح مبتسمة باردة :
الملثم : و لكن ، ماذا لو وجهت لكما نفس السؤال : هل أنتما تعرفانني !!!!!؟؟؟؟؟؟
ليريا : مـ ماذا تعني بسؤالك هذا !!؟؟؟
بدأت فيروزا تتنفس بصعوبة ، و لكنها تقف بمقدار ما يجب أن تبقى واقفة على قدميها ، بقي ذلك الشخص لبضع لحظات صامتًا ، ثم قال :
ليريا : أمامكما أنتما و من يهمكما أمرهم داخل هذه القاعة عشرون دقيقة ، إما أن تغادروها معنا ، أو ستتحملون نتيجة ما سيحدث !!!
فيروزا : مـ ماذا تعني ! ماذا هـ هناك ؟؟؟ -تنظر إلى ليريا-
ليريا : توقف عن العبث معنا ! اذهب من هنا و إلا سأتصل ب..
الملثم : سيدة ليريا ! لماذا لم تجيبي على سؤالي ! ألا تعرفينني حقا !!!
بدأ التوتر الشديد يظهر على ليريا ، إضافة إلى شعور باطن بالخوف ، ما زالت غير قادرة على فهم ما يجري أمامها ، و لكنها تثابر للحفاظ على موقفها أمام فيروزا ، ردت على ذلك الرجل قائلة :
ليريا : كلا لا أعرفك ! لا تعد هذا السؤال مرة أخرى هل تسمعني !؟
الملثم : حقا ؟؟؟ هل نسيتي ذلك اليوم ؟؟؟ في يوم وداعنا لبيسمارك قبيل سفره ! و قلتي أنني لا أعلم متى أضع خطامي عند نشر الحقائق ! و تسائلت ببراءة , من الذي يقوم بسجن فتى فالثانية عشر من عمره !! هل نسيتي ذلك حقًا ؟ -ابتسامة شرسة-
كان كل شيء يبدو و كأنه توقف دفعة واحدة ، بعد سماع ليريا هذه العبارات ، توقفت عن استيعاب أي شيء و عادت إلى ذلك اليوم تتذكر تفاصيله كما كان ، مرورا بما حدث بعدها ، في يوم القبض على ابنها ، و يوم استيقاظها فالمشفى ، و يوم المحاكمة ، و ذلك اليوم الذي وضعت شاهد ابنها بنفسها ! و رثت خلفه رثاءا لم يكن فيه كلمة واحدة ، بل كان أيامًا و ليالي من البكاء و اللوعة على فقدان صغيرها ، في ذلك اليوم ، كانت تظن أنها تجاوزت الألم من خلال دفن كل شيء دفعة واحدة ، لكن كل ذلك خرج مرة أخرى ، و عاد ذلك الحنين و لكن معه كل هذا الخوف و الرعب و عدم القدرة على الفهم ،،، عدم القدرة على فهم من يكون الواقف أمامها ! و لكنه قال كلامًا للتو ، لا يعلمه إلا من كان في ذلك المنزل يومها ، فقط تلك العائلة التي كانت تعيشة بسعادة قبل يومهم المظلم ، و الآن و أمام ناظريها كل شيء قد مضى ، يبدو و أنه كان كذبة كبيرة ، طغت على حياتها لمرة واحدة كل هذه اليمين ، بدأت الدموع تخرج من عينيها ، و تلعثمت قبل أن تقول :
ليريا : كـ كيف ؟؟ كيف تعرف هذا !؟ -تبكي-
الملثم : ليريا ! ألم تعرفينني بعد ! هيا ! أنطقي اسمي ! ذلك الذي لطالما رفعتي به إلى السماء ! هيا !
أيقنت ليريا ، أنها لا تحلم ، اجهشت ببكاء شديد ، و فيروزا تنظر إليهما ، و هي تضع يديها على فمها و عيناها قد غرقتا بالدموع و هي تتمتم بقولها :
فيروزا : لا ! مستحيل ! مستحيل ! غير ممكن !!!!!!!!
ثم قالن ليريا بصوت عالي :
ليريا : أنت ! هل أنت ! ابني ليونارد !!؟؟؟؟ ابني الذي دفنت شاهده بيدي ! طفلي الذي بكيت الدم من عيني و صار كبدي رمادًا لفراقه ! ابني بعد كل هذه السنين ! لم يكن ميتًا !!؟
تحولت ملامح ذلك الملثم إلى برود قاتم و نظرة باهتة ، و قال لها :
الملثم : لقد تأخرتي كثيرا في استيعاب ذلك !
اتجهت ليريا بخطوات مرتبطة وصولًا إليه قبل أن تقول له بصوت عالي :
ليريا : لماذا ! إذن لماذا !! لماذا عشت أنا كل ذلك الجحيم الدنيوي ؟؟؟ لماذا اكتويت بكل تلك النيران !!؟؟؟ لماذا لماذا لماذا -تصرخ عاليا و تضربه على صدره-
جثت فيروزا على ركبتيها و هي تحاول ربط جأشها بعد ما دخلت في حالة انهيار شديد و بكاء صامتٍ مرير ، أغلقت وجهها بكامل يديها و رأسها مطأطأ نحو الأسفل ، و هي تسمع صوت ليريا العالي و صراخها المرير من هذه الحقيقة التي خرجت أمامهما في يوم كهذا ، ذلك الولد الذي كانت تحلم به عند كبرها ، و الذي غادر حياتها مبكرا ، ها هو ماثل اليوم أمامهم في حال لم تستطع تفسيره ، إنه نفس ذلك الرجل الذي أنقذها من لوينير ، و باتت معه بضع ليالي هاربة ، حتى أعادها لمنزلها ، و نفسه الذي رأته بأم عينيها يموت بطلقات تلك العصابة ، عندما فتحت عينيها لترى مرة أخرى أمامها وقوف الأم و ابنها ، كان ليونارد قد امسك يد والدته و قال بصوت مخيف :
ليونارد : ليريا ! لا فائدة من تساؤلاتك هذه الآن ، قرري ! إما أن أن تأتوا معي الآن ، أو كونوا على استعداد لما سيحدث قريبًا !
ليريا : ابني ! هل هذا هو كلامك و ردة فعلك بعد كل هذه السنين !!؟ ألا يحق لي أن أعلم أين كنت كل هذه السنين !؟؟ هل هذا حال تواجهني به بعد كل هذا الغياب ؟ و لماذا تناديني بإسمي هكذا ! مالذي أصابك ؟؟
ليونارد : إذا أردتي إجابة لكل ذلك ، فهي ببساطة : كل شيء يجب أن يعود إلى المكان الذي ينتمي إليه !!!
نهضت فيروزا و هي تشعر بكل تلك الغرابة و الغموض حول ليونارد ، مسحت دموعها و اقتربت عدة خطوات قبل أن تسمعه يقول :
ليونارد : أليس هذا صحيحًا يا أمي ؟؟؟
أو بالأحرى ,, أيتها المرأة التي كنت أظن أنها أمي !!!!!
نهاية الجزء الأول....يتبع