ميدغارد

ميدغارد

24 1

منذ اليوم الذي تسللت فيه شظايا الجليد من نيفهايم إلى موسبيلهايم، ليتشكل الكائن الأول داخل غينوفا غاب ... ادركت حينها أن الوجود نفسه لم يولد من السلام بل من التصادم. من تضاد الأشياء وتمزقها ببعضها البرد والنار. الخلق والدمار. الحياة والموت. وربما لهذا السبب تستمر كل الأرواح في هذا العالم بالصراع دون توقف... لأن الكون نفسه ولد وهو يصارع. هذا العالم أغرب بكثير مما نتوقع نشعر دائمًا أننا وصلنا إلى الحقيقة، ثم نجد أنفسنا ما زلنا في نقطة البداية. فنحاول المضي قدمًا والوصول إلى الحقيقة، فنجد أنفسنا مرة أخري في نقطة البداية، وكأنها دوامة لا تنتهي تستمر بالحدوث دون توقف حتى الموت... لكن ماذا بعد الموت؟ ماذا سيحدث هناك؟ وهل يوجد أصلا مكان نصل إليه ؟ في الحقيقة، هناك الكثير مما أريد معرفته، والكثير من الأسئلة التي أريد طرجها، والكثير من التجارب التي أريد خوضها. أريد أن أعرف كل شيء عن أي شيء .. لكن..... ما فائدة ذلك أصلا؟ لماذا أريد أن أعرف ؟ ماذا سأحصل من هذه المعرفة؟ ربما السعادة. لكن ما فائدة السعادة نفسها ؟ ما غايتها ؟ ما الذي يجعلني أرغب بالسعادة؟ ولماذا أملك رغبات أصلا؟ وهل لهذا كله قيمة حقيقية فعلا؟ ربما لو كنت بشرًا لكان لهذا قيمة أكبر. فالبشر يعيشون حياة قصيرة تنتهي بسرعة، ولهذا قد يرغبون بالكثير من الأمور قبل النهاية. هذا غريب حقا .... إذا كانت حياتهم قصيرة إلى هذا الحد، فلماذا يتمسكون بها ؟ ما الهدف منها ؟ لماذا يسعون لحمايتها بكل الطرق رغم أنهم من أضعف الكائنات ؟ ومع ذلك فهم من أكثر الكائنات غرورا وأنانية ورغبة في الحياة. عندما خلقتهم، لم أر فيهم هذا. لم يكونوا بهذه الهيئة أو بهذه الوحشية. هذا يزعجني حقا. أنا أكره ألا أعرف، وأكره أن أقول إنني لم أكن أعرف تسللت خيوط الشمس من نوافذ القاعة الضخمة، مما جعل الظلام يتراجع إلى الخلف مفسحا المجال لنور يوم جديد دوامة أخرى تتكرر دائما. بدأ الضوء يحيط بكل شيء ببطء، متسلقاً الأعمدة الرخامية البيضاء التي زينت القاعة من الباب حتى العرش. كانت تلك الأعمدة تمنح القاعة هيئة وغموضاً أثناء الاجتماعات السياسية والخطط العسكرية، وقد تبدو دافئة ورومانسية خلال الحفلات والأمسيات الممتعة التي تقام بعد الانتصارات أو عند تحقيق أمر عظيم. لكن مهما اختلف معناها ظل هدفها واحدا تثيبت القاعة ومنعها من السقوط. ذلك هو هدفها، والشيء الذي صنعت لأجله، وكانت تؤديه بلا كلل أو ملل. مثلها مثل العرش. فالعرش موجود دائماً ليذكرك بأن هناك سيدا لهذا المكان سواء في الحرب أو الاحتفالات، هناك دائما ملك يحتاج إلى عرش براه الجميع، ويهابونه، وربما يحيونه إنها دوامة أخرى من دوامات الحياة. قد يختلف شكله أو مكانه، وربما لا يكون له شكل أصلاً، لكنه بيقى دائماً عرشاً. ويجلس عليه دائماً شخص واحد، لا يمكن أن يكونا اثنين دائماً واحد. قد يختلف جنسه أو شكله أو لونه، أو طوله أو حتى وزنه، لكنه بظل واحدا. ولهذه القاعة كان هناك عرش، وعلى هذا العرش جلس رجل ... رجل التهمه الكبر والزمن لكنه ما زال يحتفظ بتلك القوة التي اكتسبها في شبابه القوة التي كانت تدفعه لدخول ساحات المعارك يحيوية ونشاط ساعياً للنصر ولقب البطولة. ربما لم بعد شابا بعد الآن بدأت التجاعيد تلتهم وجهه الذي كان وسيما يوما ما، وبدأت عضلات جسده القوية ترتخي مع مرور الوقت. ملأت الحروب جسده بالندوب والجروح التي بقيت آثارها حتى اليوم، أما شعره الذي كان أشقر لامعاً يوماً، فقد أصبح اليوم أبيض ناصعاً كقطعة قطن. لم يعد بهتم بمظهره كثيرا. ولماذا قد يفعل ؟ فالملك يجب أن يبدو مهبيا، لا جميلاً أو وسيماً. لذلك لم بعد يهتم بحلاقة شعره أو ذقنه وتركهما ينموان كما يشاءان كان لا يزال يرتدي درع المحارب الذي اعتاد ارتداءه دائما، ومعه قطعة من جلد دب أسود تمنحه بعض الدفء في هذا البرد القارس. ويجانب عرشه الضخم استلقى ذئبان اعتادا مرافقته والتجول معه في كل رحلاته، وكانا نائمين باسترخاء يشبه استرخاء سيدهما. أما الغرابان اللذان وقفا أعلى العرش فلم يكونا نائمين بل كانا يراقبان المكان بتمعن ينتظران حركة أو قصة جديدة. لم يتعبا أبدا من البحث عن ذلك. جالت عين الرجل العجوز الوحيدة في أنحاء القاعة الفارغة دون أن يتحرك، يتأمل الفراغ بصمت. وبعد عشر دقائق، أو ربما نصف ساعة، ستمتلى القاعة بالناس، وهو بعلم ذلك جيدا. الكثير من الزثئرة والمشاكل السخيفة والأمور التافهة بالنسبة له، كاد يغلق عينه ويعود للنوم لكن سمعه الحاد التقط صوت خطوات تقترب من خارج القاعة، وكذلك فعل الغرابان اللذان تحمسا عند سماعها، متشوقين لقصة جديدة. لم تكن تلك الخطوات سريعة، لذا فهي ليست خطوات رسول مستعجل، ولا سياسي جاء ليتفاخر بكلماته. ولم تكن أيضاً خطوات ناعمة كامرأة جاءت لتطمئن على زوجها الحبيب. لا .... بل كانت خطوات واثقة خطوات محارب يستير بثقة وتهور، غير مبال بإخفاء وجوده. نعم... إنه جنون الشباب ... وشجاعتهم. وأخيراً وصلت الخطوات إلى باب القاعة، مما جعل الذئيين يستيقظان من نومهما، لكنهما لم بيدوا قلقين، فالزائر كان مألوفاً لهما، وربما محبوباً أيضاً. فتح الباب بهدوء، ليس كشخص يتسلل، بل كشخص يخشى إزعاج من حوله.أبي" هكذا قال الشاب اليافع الواقف عند باب القاعة مبتسما بلطف ودفء للرجل الجالس على العرش. بادل الرجل العجوز الابتسامة قائلاً: "أهلا بك يا بالدر، هل هناك مشكلة ما ؟" تقدم الفتى مطمئناً لرد أبيه، يسير بثقة نحو العرش. لم يكن يرتدي درعًا أو سلاحاً، بل ارتدى ملابس بسيطة ومريحة تعكس تواضعا كبيرا في قلب هذا الأمير الشاب . فرغم مكانته، لم يظهر عليه أي تكبر أو غرور، بل بدا هادئا وبسيطاً. كانت ملامحه تبعث الراحة في قلوب الجميع؛ بشرته الدافئة، عيناه الزرقاوان، وشعره الأشقر الهادئ، مجرد النظر إليه كان يزرع الطمأنينة والسرور في قلب أي شخص، وخاصة قلب الرجل العجوز. اقترب الشاب من أبيه مبتسمًا وقال بهدوء: "كنت قلقاً عليك يا أبي، لقد قضيت وقتا طويلا في هذه القاعة ولم تخرج ". وصل أخيرا إلى العرش، وصعد الدرجات الخمس المؤدية إليه، ثم أمسك يد أبيه برفق ليطمئن عليه. لم تكن في لمسته أي رغبة أو طمع، بل كانت لمسة ابن خائف على والده وسعيد لأنه بخير. ابتسم الرجل العجوز وقال بود آسف يا عزيزي لأنني أقلقتك، كان لدي الكثير من العمل الليلة الماضية وكان علي إنهاؤه." تحرك العجوز مستندًا على يد ابنه كي ينهض، بينما تبعه الذئبان مقتربين باطمئنان من الأمير . عندها قال الابن بلطف ممزوج بالعتاب : "لا أصدق أنك نسيت نفسك ونمت هنا مجددا. لا تقل لي إن هذا أصبح عادة لديك." عبس قليلاً ليظهر عدم رضاه، لكنه سرعان ما ضحك وعادت ابتسامته المشرقة : " يجب أن تكون حذراً، فهذا قد يجعلك تخسر ما تبقى من قوتك " رد العجوز ووجهه مملوء بالمحبة "أنا أفهم ذلك يا عزيزي، لكنني ببساطة لا أستطيع ترك هذا العرش بسهولة." ظهرت علامات عدم الفهم على وجه الشاب، فأكمل العجوز حديثه "هناك أمور في هذا العالم لا نستطيع تفسير رغبتنا في امتلاكها أو فهمها. ومع ذلك نجد أنفسنا نسعى إليها بلا وعي، وكأننا خلقنا من أجل مطاردتها" تقدم العجوز ولمس العرش الذي كان يجلس عليه، قبل لحظات، بينما راقب الشاب ذلك يتمعن، وقد بدأت الغربان تشعر بالملل بالفعل. تابع العجوز كلامه "عندما تصل إلى القمة، تظن أنك نجوت، وأن لا شيء يستطيع سلب هذا النصر منك بعد الآن. لكن الأمر ليس كذلك أبدا. من السهل جذا السقوط من القمة، وهذا يجعلك خائفاً طوال الوقت من كل شيء حولك، قلقا من السقوط. وعندما تصبح خائفاً وقلقاً، يصبح إسقاظك أمراً سهلاً على أي شخص، هذا هو فخ الحكم .. ردد الشاب كلمات أبيه باستفهام: "فخ الحكم ؟" أجاب العجوز " نعم يا عزيزي، لكنك ما زلت صغيراً على فهم ذلك الآن. ابتسم الشاب وقال : " لم أعد في الخمسين من عمري يا أبي، أنا رجل بالغ الآن." ضحك العجوز بحيوية وقال : حتى لو أصبحت عجوزاً مليئاً بالتجاعيد، فسأراك دائما ذلك الفتى" الصغير ذا الخمسين عاماً." ثم بعثر شعره المرتب ضاحكاً. ابتسم الشاب رغم مقاومته الخفيفة وقال داعيا والده " إذا ما رأيك أن نتناول الفطور الآن؟" بدا الذئبان متحمسين لذلك لدرجة أنهما ركضا نحو باب القاعة مباشرة. ابتسم الاثنان لبعضهما، فقال العجوز " يبدو أن القرار قد انخذ مسبقاً." ابتسم الشاب وهو يمسك يد أبيه، يقوده خارج القاعة المظلمة محاولاً فتح موضوع أكثر إثارة أثناء سيرهما، فقال: " بالمناسبة. أسألك أين أرسلت ثور ولوكي؟" ظلت الغربان تراقبهما حتى خرجا من القاعة وأغلقا الباب خلفهما. كان ذلك مشهداً روبيئياً ومملاً بالنسبة لهما، وبدا واضحا عليهما الانزعاج من ذلك.نظر الغرابان إلى بعضهما البعض بانزعاج من الهدوء الذي يحيط بالمكان. وبعد لحظات من الصمت، قررا التحرك أخيراً. طارا في أتجاهين متعاكسين ناشرين أجنحتهما السوداء بعيداً. اختار أحدهما طريق النوافذ العملاقة للخروج من القلعة بينما اتخذ الأخر باب الخدم المختبئ خلف أحد أحد الأعمدة الطوريقنا له. كانا يطيران بسرعة، وكأن كل واحد منهما لا يريد حتى سماع رفرفة جناحي الآخر. كان الخروج عبر النوافذ العملاقة سهلا، وما إن خرج الغراب حتى ضربت أشعة الشمس جناحيه الأسودين. كان الجو شديد البرودة، لكن الغراب اعتاد على مثل هذا الطقس منذ زمن بعيد. داعبت الريع الباردة ريشه وهو يحلق فوق المدينة العظيمة. كانت هناك قصور شاهقة، وموسيفى ورقص في كل مكان وتجار بييعون بضائعهم للناس فواكه، أقمشة، وجلي مختلفة. عربات تجوب الشوارع، وسفن تستعد للإبحار في أحد البحار الإثني عشر المتجمدة. لكن لا شيء من ذلك كان يثير اهتمام الغراب، فهو ببحث عن شيء أكثر تشويقا. طار بعيداً فوق الأسوار العملاقة التي لا يستطيع أي كائن عبورها أو تدميرها، لكنه عبرها بهدوء تام حتى تحت نظرات الحارس الثاقبة ولم يرفرف بجناحيه إلا بعدما تجاوزها تماما ثم حلق مجددا باتحاه ضوء الشمس. لقد اعتاد الطيران بهذه الطريقة متجهاً نحو ميدغارد. وصل إليها بسهولة. ولم بوقفه أحد. كان الجو هناك أكثر دفئا من العالم الذي جاء منه. عبر الجيال والأنهار، وكانت بعض المناطق دافئة، تغطيها الأعشاب الكثيفة والطبيعة المزدهرة بينما كانت مناطق أخرى قاسية البرودة، تفوح منها رائحة الموت. طار الغراب بين تلك الروائح مستمتعا بها. مر بقرى قوية تحيط بها أسوار خشيية بسيطة ويحرسها رجال أشداء، ومر بقرى أخرى ميتة لا لا يسكنها سوى الهياكل العظمية الخالية من الحياة. لكنه كان بيحث عن قرية كتب لها المصير نفسه. كان يستمتع بمشاهدة الناس يموتون ببطء. واصل الطيران مبتعدا أكثر فأكثر عن أي أثر للحياة، وازداد الجو قسوة وبرودة حتى وصل أخيراً إلى ما يُسمى قرية، رغم أنها بالكاد تستحق هذا الاسم. كانت منازلها مدمرة، ورائحة الموت تملا المكان المغطى بالثلوج. حلق الغراب فوق تلك البيوت الكثيية حتى وصل إلى منزل صغير ومعزول، بدا وكانه سينهار في أي لحظة أو تحمله الرياح القادمة معها. وأخيراً، وصل الغراب إلى ما كان يبحث عنه. حط فوق الشرفة ليستريح من رحلته الطويلة، متشوقا ليرى ينفسه أي نوع من القصص ينتظره هناك. تسللت أشعة الشمس الباردة من النوافذ والشقوق الموجودة في الجدار الخشبي المهترى حتى وصلت إلى سرير العشب القريب من النافذة. لم يكن سوى صندوق مملوء بالقش، وضعت فوقه بعض الأغطية ليصبح سريراً. قد بيدو فارغا للعين المجردة، لكن إن ركزت جيدًا فستلاحظ جسدًا صغيرًا مختبئاً بين الأغطية. سرعان ما تحرك ذلك الجسد الصغير، وكأنه يخوض معركة شرسة ضد الأغطية محاولا التحرر منها. وبعد الكثير من الجهد، انتصرت الفتاة الصغيرة أخيرا في معركتها، ليظهر شعرها الطويل الكثيف والمبعثر المليء بالقش. فركت عينيها الصغيرتين بيديها، ثم نظرت نحو النافذة بعينيها الزرقاوين اللامعتين. كانت النافذة هادئة لولا وجود غراب يراقبها ويتابع حركاتها بصمت. لكنها اعتادت عليه كثيرًا حتى إنها منحته اسما: "بوبي" لوحت له مبتسمة وقالت: صباح الخير يا بوبي، كيف حالك اليوم؟ والغريب أنها كانت تشعر دائما بأنه يفهمها ويرد عليها، لأنه كان يحرك رأسه كلما تحدثت إليه . ربما كانت مجرد صدفة ... أو ربما كان غراباً ذكياً فعلا. حاولت النزول من صندوق القش، وكان ذلك دائماً أمرا صعبا، لكنها اعتادت عليه تمسكت بحافة الصندوق بكلتا يديها، بينما تذلت قدماها في الهواء، وبقيت معلقة للحظات حتى استسلمت أخيرًا وتركت نفسها تسقط على الأرض. أحيانا يكون السقوط مؤلمًا، وأحيانا أخرى ممتعا. أما اليوم فقد كان سقوطاً مثاليا، إذ هبطت على قدميها تماما، وهذا كان يسعدها دائما. سبق أن عرض عليها أخوها أن يصنع لها كرسيا ليسهل عليها النزول لكنها رفضت كانت تحب هذه اللعبة الغربية لأنها تجعلها تشعر وكأنها تقف على حافة جرف جبلي، ويمكن أن تسقط في أي لحظة. لفها البرد بملابسها الخفيفة، فهي حين تنام ترتدي قميص والدها الأبيض القديم. ورغم أنه طويل جدا بالنسبة لطفلة لم تبلغ العاشرة بعد، فإنه كان يمنحها دفئ غريببًا ليس دفء يطرد البرد، بل دفء آخر لا تستطيع تفسيره. كل ما كانت تعرفه أنه يجعلها تشعر وكأن والدها يحتضنها. سارت فوق الألواح الخشبية التي أصدرت أصواتاً عالية رغم خفة جسدها، حتى وصلت إلى النافذة حيث جلس بوبي ينتظرها . ألقت التحية عليه مجددًا، فأعاد الحركة نفسها المعتادة برأسه . ثم جلست هي وهو ينظران إلى السماء بصمت. كانت السماء هادئة إلا من بعض الغيوم المتفرقة هنا وهناك، والنسيم البارد يحيط بالمكان، لكنه أمر معتاد. وبعد تأمل قصير ضمت الفتاة يديها استعدادًا للدعاء. أغمضت عينيها بهدوء وصفت ذهنها للحظة. كان بوبي يراقبها مجددًا، لكنه يفعل ذلك دائما، لذا لم تعد تهتم في البداية ظنت أنه يريد نقرها، لكنها أدركت لاحقا أن بوبي غراب محترم لا ينقر الفتيات الصغيرات أثناء الصلاة. ركزت على أمنيتها وهمست: " أيها الإله العظيم أودن.... لقد مر نصف شهر ولم يعد أبي بعد. أنا أشتاق إليه كثيرا، إنه رجل مجتهد ويعمل بجد، وهو أشجع رجل عرفته على الإطلاق، هل يمكنك أيها الأب العظيم أن تساعده في معركته ضد العدو ؟ لقد وعدني أبي أنه إن عاد منتصرًا فسيجلب لي أي طعام أريده، وسيجلب لأخي فأسًا جديدًا لأن فأسه القديم أصبح مهترئاً جدا. لذلك أرجوك أيها الأب العظيم .... ساعد أبي وأجعله يعود، لأنني أشتاق إليه حقا. وأعدك أن أكون فتاة مطيعة، وألا أتسبب .... بالمشاكل بعد اليوم، وأن أصلي كل يوم دون توقف وأيضا ... رغم أنني لا أريد أن أبدو طماعة أرجوك اجعلنا نحصل " اليوم على ماعز أو أرنب لذيذ." فتحت الفتاة عينيها بعد الدعاء ونظرت إلى السماء بترقب تنتظر إشارة. وفجأة ضرب نور الشمس وجهها مباشرة. ابتسمت فورًا ابتسامة مشرقة حتى احمر خداها، ثم نظرت إلى بوبي وقالت بفخر : "أرأيت؟ عندما تكون طفلاً صالحاً يمنحك الأب العظيم كل شيء." ". لكنك لن تفهم هذا لأنك غراب ... والغربان أناس سيئون" ثم انفجرت ضاحكة وقفزت بحماس لتبدأ يومها، بينما بقي بوبي مكانه يحاول تفسير كلماتها، بعدما شعر بنوع غريب من الإهانة. بدأت الفتاة الصغيرة بخلع قميص والدها القديم، ثم فتحت صندوقا صغيرًا في زاوية الغرفة. أخرجت منه قميصاً طويل الأكمام مصنوعاً من الصوف يصل إلى ما تحت ركبتيها، وربطته حول خصرها بحزام جلدي قوي. بعد ذلك ارتدت حذاء ناعماً مصنوعاً من جلد الماعز، وأحكمت ربطه جيدا، ثم قفزت عدة مرات لتتأكد من ثباته، بعدها ارتدت عباءتها الجلدية المزينة بالفرو عند الأطراف العلوية. وما إن ربطتها بإحكام حتى حاولت تمشيط شعرها، لكن محاولاتها الفاشلة المعتادة تكررت من جديد. شعرها الأحمر الطويل كان يرفض دائما فكرة الترتيب، وكأنه يحب أن يبقى فوضويًا ومبعثرا. لكن لم يكن لديها وقت المجادلته الآن. استدارت بسرعة واتجهت بحماس نحو الدلو الموضوع قرب السلم المؤدي للطابق السفلي. أمسكته وكانت على وشك النزول حين تذكرت شيئا فجأة، فعادت مسرعة إلى الغرفة، لوحت بيدها قائلة: "وداعا يا بوبي". حرك بوبي رأسه وكأنه يمنحها الإذن بالرحيل بيدو أن بوبي غراب مغرور فعلاً. نزلت الفتاة إلى الطابق السفلي. كان منزلهم ضيقاً ومهترنا، لكنه دافئ بطريقة مريحة. نظرت إلى الطاولة الموجودة في منتصف الغرفة والتي كانت تؤدي دور غرفة المعيشة والمطبخ معاً. بجانبها موقد صغير وفوقه قدرهم الوحيد بينما تناثرت قطع الخشب على الأرض. فعمل أخيها كان جمع الحطب للتدفئة والطهي، وهي تساعده دائما في ذلك. بدا أنه ما يزال نائما، لذا كان عليها أن تنجز العمل وحدها كالمعتاد. انطلقت نحو الباب الرئيسي، وما إن فتحته حتى ضربتها موجة من البرد القارس. كان الثلج يغطي الأرض بكثافة، ورغم عباءتها السميكة شعرت وكأن البرد يحطم عظامها. لكن لم يكن هناك وقت للتذمر. اتجهت نحو الحظيرة القريبة من المنزل، ولاحظت أن بوبي يتبعها من الخلف. كان الدلو يتأرجح يمينا ويسارًا أثناء سيرها فوق الثلج. وأخيرًا وصلت إلى الحظيرة وطرقت الباب بلطف قائلة: "صباح الخير يا جولي رد عليها صوت بقرة سعيد يوجودها. فتحت الباب بحماس وقالت: "جولي! لقد اشتقت إليك اندفعت نحو البقرة وأخذت تمسح على وجهها بمحبة، بينما بدت جولي سعيدة هي الأخرى، فلعقتها بلطف. قالت الصغيرة بابتسامة مشرقة: " هل اشتقت إلي أيضًا؟ هل كنت وحيدة الليلة الماضية ؟ لا تقلقي، أنا هنا الأن". عانقتها بحرارة وسعادة، بينما بدت البقرة مرتاحة بين يدي الفتاة الناعمتين. أما بوبي فجلس يراقب هذا المشهد بملل شديد بعد هذا اللقاء الحميمي - الذي كان يتكرر تقريبا كل يوم. قفزت الصغيرة تجمع العلف لصديقتها جولي حتى امتلأ صندوق الطعام. بدأت البقرة تلتهم طعامها بسعادة، بينما جلست الفتاة الصغيرة قربها ووضعت الدلو لتحلب بعض الحليب. كانت جولي يوما ما بقرة نشيطة تنتج الكثير من الحليب، لكن للأسف، ومع تقدمها في السن، لم تعد قادرة على ذلك. واليوم، مثل بقية الأيام الكئيبة، لم يكن لديها الكثير لتقدمه. شعرت الصغيرة بالإحباط حين رأت أن الدلو لم يمتلئ حتى إلى النصف لكنها حاولت البقاء متفائلة، ربتت على ساق صديقتها وقالت بلطف : " لا داعي للقلق، أنا أعلم أنك بذلت جهدك . لكن جولي لم تعر كلامها أي اهتمام، إذ بقيت منشغلة تماما بطعامها. حملت الصغيرة الدلو الذي يحتوي على القليل من الحليب وعادت إلى المنزل. استخدمت كرسيًا لتصل إلى الطاولة، ثم سكبت الحليب في القدر، ووضعت الحطب في الموقد وأشعلت النار وكما تفعل دائما ، بدأت تحرك الحليب ببطء حتى أصبح دافئا، ثم أطفأت النار. قفزت من فوق الكرسي، وأخرجت من الخزانة قدحين وضعتهما على الطاولة مع صحنين، ثم وضعت في كل صحن نصف رغيف خبز. وتركت قليلاً من الطعام لبوبي حتى لا يحزن. بدا بوبي راضيا عن ذلك. لقد انتهت من عملها الآن.... وحان الوقت لتوقظ أخاها الأكبر. اتجهت الصغيرة نحو الغرفة الواقعة تحت الدرج. كانت في الأصل غرفة للمعدات والأدوات، لكن أخاها قرر اتخاذها غرفة له لأنها الأقرب إلى الباب الرئيسي، إذ كان دائم القلق من أن يدخل أحد إلى المنزل ليلاً، سواء كان إنسائاً ... أو شيئاً آخر. فتحت الصغيرة الباب بلطف ودخلت بهدوء، ثم اتجهت نحو سرير أخيها الموجود على الأرض، والذي لم يكن سوى مجموعة من الأغطية والفرش البسيطة. جلست قربه، وحاولت إيقاظه برفق وهي تناديه بصوت هادئ. "أدونيس... أدونيس... " استيقظ، لقد أصبح الصباح، والحليب سببرد. "هيا أسرع.". تحرك الصبي بانزعاج غير راغب في الاستيقاظ، وكأنه يريد مواصلة النوم إلى الأبد. هذا الأمر أزعج الفتاة الصغيرة فورا، فاليوم سيكون شاقا وطويلاً ... وهي أنجزت معظم العمل وحدها بالفعل. حاولت الفتاة الصغيرة سحب الغطاء عنه كي يستيقظ بسرعة، بينما كان يقاومها بكل ما تبقى لديه من طاقة وهو نصف نائم . ابتعدي عني يا ألانا... دعيني أنام قليلاً ...» قالها بصوت متعب وممتلئ بالنعاس. عبست ألانا بانزعاج وقالت: «لا الحليب سببرد وما زال علينا جمع الحطب ومحاولة الصيد قبل حلول الغروب.. تنهد أدونيس تنهدية طويلة مليئة بالاستسلام، ثم رضخ أخيراً لإصرار أخته ونهض ببطء قائلاً: «حسناً حسناً ... فهمت، لقد استيقظت. هل أنت راضية الآن؟» نظرت إليه بشك، بينما نظر لها هو بعبوس ناعس. كان شعره البني مبعثراً، وعيناه الزرقاوان نصف مغلقتين من شدة النعاس وهو يحاول فتحهما بصعوبة. عقدت ألانا يديها بعدم اقتناع، وكأنها لا تصدق أنه سيغادر السرير فعلاً، لكنه طمأنها قائلاً: «هيا، سأاتي خلفك». ابتسمت ألانا بسعادة، ثم ركضت نحو المطبخ وجلست على مقعدها بجانب الطاولة. كان هذا مقعدها منذ طفولتها دائما تجلس على يمين والدها. ورغم أنه غير موجود الآن، فإنها لا تزال تجلس في المكان نفسه. أما أخوها فأصبح يجلس مكان والدها، وهي في الحقيقة لم تمانع ذلك أبدا، فبالنسبة لها كان الاثنان يحتلان المكانة نفسها في قلبها. خرج أخوها أخيرًا من غرفته وهو يتثاءب، ثم جلس إلى الطاولة كعادته. سكبت له ألانا الحليب، فنظر إلى الكوب للحظات بصمت، قبل أن تعود تلك الملامح الحزينة التي لازمته طوال هذه الفترة. قال بصوت هادئ «ماذا حدث لجولي ؟ أهذا كل ما استطعت الحصول عليه من الحليب؟» خفضت ألانا رأسها بشيء من الندم وقالت: حاولت قدر استطاعتي... يبدو أن جولي لم تعد قادرة على إنتاج الكثير من الحليب. وأخشى أنها ربما لن تستطيع فعل ذلك مستقبلاً ..... وماذا سنفعل حينها ؟....» فكر أدونيس قليلاً وهو ينظر إلى وجه أخته الحزين، ثم قال مبتسماً بلطف.... "سنستمتع بهذا الحليب اللذيذ قبل أن يختفي. عبست ألانا فوراً وقالت: " أنا جادة! ضحك بخفة وقال: " وأنا أيضا جاد. لا تقلقي يا ألانا، على الأغلب سيعود أبي قبل أن يجف حليب جولي " . ابتسم لها بابتسامة مطمئنة فارنهرت ابتسامتها فوراً واحمر خذاها من السعادة. وقالت بحماس: " نعم أنا متأكدة من ذلك. وعندما يعود أبي، سيكون لجولي الكثير من الأصدقاء والرفاق !" ابتسم لها أدونيس وقال: "حسنا، لنفكر بشأن جولي لاحقا. اشربي حليبك كي ننطلق ". هزت رأسها موافقة وبدأت تشرب الحليب بسعادة، بينما غرق أدونيس في أفكاره الخاصة. ربما كان قلقًا من ألا تتحقق أمنية أخته الصغيرة. ثم أعاد النظر إلى أخته الصغيرة المستمتعة بحليبها الدافئ. لا يهم ما الذي سيحدث لاحقا .... المهم أن تبقى بأمان. وكان مستعدا لخسارة كل شيء من أجل ذلك.... حتى حياته نفسها . بعد الانتهاء من الطعام، بدأ الاثنان بالاستعداد لرحلتهما اليومية. وضع كل واحد منهما سلة كبيرة من القش على ظهره، بينما حمل أدونيس قوسه وسهامه من أجل الصيد، وأمسك بيده فأساً قديما. ثم أعطى أخته خنجراً حادًا يُعتبر أثمن شيء تملكه عائلتهم. ليس لأنه ثمين فعلا ، بل لأنه الشيء الوحيد الذي لم يصبح مهترئا أو محطماً بعد. كانت ألانا تعرف أن أدونيس يمنحها هذا الخنجر بدافع الحذر فقط فهو دائم القلق عليها ، ولذلك يصر على أن تحمل سلاحا معها دائماً. لكنها في الحقيقة لم تكن تعرف كيف تستخدمه جيداً، كما أنه كان ثقيلا على يدها الصغيرة، إلا أنها لم تخبره بذلك حتى لا يسخر منها. عاد أخوها بعد ذلك بالحبل الذي يربطه دائماً حول خصر أخته الصغيرة. لفه حولها عدة مرات ثم شده بقوة حتى شعرت ألانا ببعض الألم، لكن هذا الأمر أصبح معتادًا بالنسبة لها. فقد كانا يفعلان ذلك كل يوم تقربياً منذ أن كانت في الرابعة أو الخامسة من عمرها. كان أدونيس يربطهما معا ليضمن ألا تبتعد عنه أو تضيع، وهذا كان يمنحه نوعا من الطمأنينة. من فوق سطح المنزل راقبهم بوبي وهم يستعدون لرحلتهم غير المضمونة ثم رفع نظره نحو السماء التي امتلأت الآن بالغيوم الثقيلة. بيدو أن هذا اليوم لن يكون لطيفا. وكان أدونيس يفكر بالأمر نفسه وهو ينظر إلى السماء. أمسك يد أخته وقال بهدوء: هيا بنا علينا أن نسرع قبل أن تبدأ العاصفة. على الأقل لنحصل على بعض الحطب أولا». تمسكت ألاثا بيد أخيها بقوة، ثم دخلا معاً إلى الغابة متوغلين أكثر فأكثر بين الأشجار كان بوبي ينتعهم أثناء سيرهم داخل الغاية. كان الجو شديد البرودة والسير فوق الثلج الكثيف صعبا للغاية. كانت أقدامهم تغوص داخل الثلج مع كل خطوة، مما يبطئ حركتهم. وهذا أمر معتاد في المناطق الجبلية المتجمدة. كانت أنفاسهم تتقطع من شدة البرد حتى مع ملابسهم الشتوية الخشنة. تبعت ألانا أخاها رغم كل ذلك كانت دائما أبطاً منه، ولهذا بقيت تسير خلفه معظم الوقت حاولت اللحاق به قدر استطاعتها، بينما كانت عيناها تتجولان يمينا ويسارا بحثاً عن أي أثر لحيوان يمكنهم صيده. لكن للأسف لم يروا أي حيوان منذ ما يقارب نصف شهر. ومع ذلك، لم يفارق الأمل قلب ألانا أبدا. كانت تؤمن أن الآلهة لن تتركهم يموتون جوعا ... لا بد أنهم سيجدون شيئاً ما في النهاية، حتى ولو حيوانا واحدا فقط. استمر الاثنان بالسير حتى وصلاً أخيرا إلى المنطقة المعتادة التي يجمعان منها الحطب. عندها فك أدونيس الحبل الذي يربطهما ليبدأ العمل. انطلقت ألانا تبحث عن الأخشاب الميتة والجافة الأغصان المتساقطة والأخشاب البابسة متجنبة قطع الأشجار الحية لأن خشبها الرطب يطلق دخانا كثيفا ويحترق ببطء. أما أدونيس فاستعمل فأسه ليقسم الجذوع الكبيرة. كان الأمر صعباً بفأس قديم ومهترئ مثله، لكنه حاوا بكل ما يملك أن يؤدي عمله جيدا ولم تكن مهمة آلانا سهلة هي الأخرى. فبعد العواصف التي ضربت منطقتهم مؤخرا، أصبح العثور على أغصان جافة أمرا صعباً جداً. وأثناء بحثها بين الثلوج، لاحظت آثارًا غربية على الأرض. لم تكن آثار أقدام بشرية، بل بدت وكأنها آثار وحش مر من هنا. توقفت تتأملها بهدوء، ولاحظت أن هناك صراعًا قد حدث في هذا المكان، تاركا حفرة عميقة وسط الثلج. نادت أخاها بصوت مرتفع: "أدونيس أدونيس! تعال وانظر إلى هذا!" نظر إليها أدونيس، الذي كان قد تسلق إحدى الأشجار لقطع بعض الأغصان، وقال بصوت عال: "ألانا ، توقفي عن اللعب. يجب أن ننتهي بسرعة قبل أن يحل الظلام... أو تبدأ العاصفة. حاولت ألانا الاعتراض قائلة: "... أنا لا ألعب. لکھ رفعت نظرها إلى السماء فرأت الغيوم السوداء وقد ملأتها بالكامل، فأدركت أن عليهما الإسراع فعلاً. عادت تنظر إلى الآثار الغربية، ثم بدأت تبحث بعينيها البريئتين عن بوبي، كان كعادته يراقبهما من فوق شجرة بعيدة، مركزا بنظراته عليهما. لوحت له بلطف، قأمال رأسه موافقاً. وفجأة لاحظت وجود غراب آخر يراقبهما من بعيد أيضاً، ربما كان صديق بوبي. ابتسمت ولوحت له بحماس، لكن هذا الغراب لم يكن محترما مثل بوبي، لأنه لم يرد التحية. عبست ألانا في وجهه لتظهر استياءها، لكنه على ما بيدو لم يفهم ذلك أيضا، لأنه طار مبتعدا بكل بساطة. صرخ أدونيس مجددًا: "ألانا! توقفي عن اللعب!" فزعت ألانا من صوته وقالت بسرعة: "لم أكن ألعب." ثم بدأت تجمع الأخشاب من الأرض بسرعة أكبر. راقبها أخوها من فوق الشجرة وهو يتنهد بصمت، ثم نظر مرة أخرى إلى السماء المظلمة، متمنيا أن لا تكون العاصفة القادمة قوية... أو ربما أن تكون مجرد غيوم عابرة بعد أن أنهيا عملهما، قرر الاثنان العودة إلى المنزل. لم يجمعا سوي القليل من الحطب حتى إن السلتين لم تمتلأ إلى النصف. لذلك أخذ أدونيس الحطب كله ووضعه في سلته وحده كي تعود ألانا دون أن تحمل أي ثقل، ومع ذلك، بدت السلة فارغة على نحو محبط. سارت ألانا خلف أخيها بصمت، وقلبها يثقل أكثر من خطواتها. لماذا كانت الحياة قاسية معهم هكذا ؟ ولماذا لا يساعدهم الأب العظيم ؟ ألا يحبهم ؟ أم أنهم اقترفوا ذنباً لا يعرفونه ؟ لاحظ أدونيس حزنها، فحاول انتشالها منه قائلاً بابتسامة خفيفة: أتعلمين ؟ لقد حلمت اليوم أننا كنا في أسفارد. اتسعت عينا ألانا فوراً بحماس، " حقاً ؟! " ضحك بخفة وأجاب: " حقاً. كان المكان دافئا ... مليئا بالطعام والشراب. وكنت أملك فأسا جديدة ضخمة وقوية ... أعطاني إياها ثور بنفسه. " ثم تابع بصوت مفعم بالفخر " قال إنني محارب شجاع ... وإنه فخور بي." ازداد بريق عيني ألانا وهي تسأله بسرعة وماذا عني ؟ ماذا حصلت أنا ؟ " ابتسم بخبث مجيباً: حصلت على فستان جميل. تجهم وجهها فوراً. " فستان ؟ ! لا أريد فستاناً ... أريد سيفا. " انفجر أدونيس ضاحكاً. " أنت بالكاد تستطيعين حمل خنجر، فكيف ستحملين سيفا ؟ " احمر وجه ألانا خجلا. لقد اكتشف أمرها .... الخنجر كان أثقل مما تتظاهر دائماً. لكنها لن تعترف يذلك أبدا. رفعت رأسها بعناد وقالت: " أستطيع حمل الاثنين وسأقاتل في المعارك مثل أبي." ثم بدأت تستعرض بخنجرها بحركات عشوائية، محاولة إظهار " مهاراتها العظيمة ". لكن ما إن ذكرت والدهما حتى اختفت ابتسامة أدونيس فجأة. رفع عينيه نحو السماء الملبدة بالغيوم، وغرق في صمت بعيد، متجاهلا تماما استعراضها السخيف. لاحظت ألانا ذلك فوراً، فتقدمت نحوه و همست بقلق: " أدونيس ...؟ " بحث بيده عن يدها الصغيرة وأمسكها بهدوء، ثم قال بصوت خافت اختلط فيه الحنين بالألم: " أتعلمين... في حلمي كنا جميعاً معاً ". توقف قليلا قبل أن يكمل ".أنا ... وأتت... وأبي ." ثم أضاف بصوت أكثر انكسارا " وأمي أيضا. " اتسعت عينا ألانا بدهشة، بينما شدت على يده بصمت. سارا لبعض الوقت دون كلام، قبل أن تسأله بصوت منخفض: " لكن... أمي ماتت. كيف يمكن أن تكون هناك؟ " كان الحزن واضحا في صوتها. هي لم تعرف أمها أبداً ؛ فقد رحلت قبل أن تكمل شهرها الأول. أما أدونيس، فكان مختلفاً ... كانت تعرف جيدا كم أحب والدته. وكم تمنت ألانا، ولو لمرة واحدة فقط، أن ترى وجه أمها ... أو تسمع صوتها. لكن الحظ لم يمنحها ذلك. قال أدونيس بصوت مكسور " أعلم ... لكن في أسغارد يمكننا رؤيتها مجددا." رفعت ألانا رأسها بصدمة ممزوجة بالأمل. " حقاً ؟! كيف ؟ " ابتسم لها بلطف وقال: " لأنها في فالهالا، وإذا وصلنا إلى أسغارد يوماً ... سنجدها هناك." خفضت ألانا نظرها و همست بحزن " لكن فالهالا أرض المحاربين... وأمي لم تكن محاربة." ابتسم أدونيس رغم الألم العالق في عينيه. فالهالا ليست للمحاربين فقط يا ألانا ... بل للشجعان أيضاً. " ثم أضاف بثقة دافئة: " وأمنا كانت من أشجع الناس الذين عرفتهم. لذلك ... " أنا متأكد أنها هناك. " عاد الصمت بينهما، لكن الطريق بدا أطول من قبل. كانت ألانا تفكر بكل كلمة قالها، بينما بدا أدونيس غارقا في عالم بعيد. تعلقت بيده بقوة، ثم سألته بتردد: . إذا ... لماذا لا نذهب إلى أسغارد ؟ سنرى أمي هناك. " صمت أدونيس قليلاً قبل أن يجيب بهدوء مؤلم: " لا يمكننا. نحن لسنا من الآيسير... نحن مجرد بشر. انطفأ الأمل في عينيها مجدداً. خفضت رأسها و همست " لكن... لو طلبنا من الأب العظيم أن يسمح لنا بالدخول ... فلن يرفض، صحيح ؟ " بدت وكأنها تخشى أنها قالت شيئاً خاطئاً. تأملها أدونيس للحظات، ثم ربت على شعرها الأحمر المبعثر بلطف. " لا تقلقي ... هناك طرق أخرى للوصول إلى أسغارد. " رفعت رأسها بسرعة. " حقاً ؟! كيف؟ " ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال: سنصبح جنوداً للأب العظيم... أو لثور. سنخدمهم بكل قوتنا، وعندها سنصل إلى أسغارد." لكن حماسها خفت سريعاً " لكن... أنت فقط تستطيع فعل ذلك. " أما أنا فضعيفة.. ارتجف صوتها وهي تكمل ستذهب إلى أسغارد وحدك... وتتركني هنا." امتلات عيناها بالدموع فوراً. وفجأة انفجر أدونيس ضاحكاً. " إذا أنت فعلاً لا تجيدين استخدام الخنجر ! " نظرت إليه بغضب ودموعها تكاد تسقط. " هل هذا وقت المزاح ؟! " ضحك بخفة، ثم قال بسرعة محاولاً تهدئتها: " لن أتركك أبداً يا ألانا." ثم أمسك كتفيها وأضاف بحزم سنصبح معاً جنوداً للأب العظيم وسنقاتل إلى جانب ثور ضد العمالقة. " اقترب منها أكثر وقال بثقة " سأدربك بنفسي " ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة شرسة وهو يهمس: " وإذا تجرأ أحد على الاقتراب منك .... اشتدت نظراته فجأة. " فسأمزقه إرباً. " ثم ضرب جبهتها بخفة. ابتسمت ألانا أخيراً، وشعرت بالدفء يعود إلى قلبها. لكن أدونيس عاد ينظر إليها بنظرة مختلفة نظرة حزينة على نحو غريب. وقال بصوت متصدع " أعديني بشيء يا ألانا. " رمشت بدهشة. " ماذا ؟ " تنفس ببطء قبل أن يقول: " أعديني أنك لن تتخلي عني أبداً .. ثم أكمل بصوت خافت: مهما حدث... سنبقى معاً إلى الأبد." اتسعت عيناها. لم تتوقع منه سؤالاً كهذا ، والأغرب أن أخاها بدا وكأنه يتشبث ابتسمت له قائلة: بتلك الكلمات لينجو من شيء لا تراه لكنها لم تتردد ولو للحظة. نظر إليها طويلاً ..... ثم ابتسم أخيراً : بالطبع سنبقي معاً للأبد... وسنذهب إلى أسفارد معاً أيضاً . " ابتسامة دافئة هادئة ومليئة بشيء يشبه الحزن. " نعم... سنفعل ." ثم عانقها بقوة: ولم تمانع ألانا ذلك أبداً، بل شعرت بدفء كبير يملأ قلبها، فعانقته. لكن فجأة وفوق إحدى الأشجار، كان بوبي يراقب المشهد بصمت واهتمام. شق صوت غريب هدوء اللحظة. استدار الغراب فوراً نحو مصدر الضوضاء بوم ولاحظ أدونيس ذلك أيضاً. ترك أخته بسرعة، واتجه بحذر نحو الصوت. كان قادماً من قريتهم .... أو مما تبقى منها لم تعد القرية مكاناً صالحًا للحياة منذ زمن بعيد. فالعواصف الثلجية التي لا تهدأ، والبرد القارس الذي يخترق العظام، والجوع الذي يطارد الجميع ليلا ونهارًا ... حولوا ذلك المكان إلى جحيم أبيض لا يرحم. أما الرجال الأقوياء في القرية فقد رحلوا منذ زمن طويلة، طمعا في الغنائم أو بحثاً عن أرض جديدة يستطعون العيش فيها، لكن غيابهم طال أكثر مما بنيغي. طال الدرجة أن الناس بدأوا يفقدون إيمانهم بعودتهم. ومع مرور الوقت، غادر السكان واحدا تلو الأخر، حتى أصبحت القرية شبه مهجورة. ولم يبق فيها سوى الأخوين .... وعائلة صغيرة تسكن غير بعيد عنهما. كانت العائلة تتكون من امرأة، وصبي في عمر أدونيس، تقريبا، وعجوز عمياء. ورغم بساطة وجودهم، إلا أنهم منحوا الأخوين شعورًا خافتا بالأمان... وكأنهما ليسا وحدهما تماما في هذا العالم المتجمد. لكن بيدو أن الحياة لم تكن تنوي الرحمة بهذين الطفلين. كانت العائلة تجمع حاجياتها داخل عربة خشبية تجرها بقرتهم الوحيدة. جلست العجوز داخل العربة بصمت، بينما كان الابن يساعد والدته في ترتيب الأمتعة، وفجأة، وصل أدونيس مسرعًا وهو يجر ألانا خلفه، بينما كانت تلهث من شدة الركض. توقف أمامهم وقال بقلق واضح: "إلى أين أنتم ذاهبون؟" تبادلت الأم وابنها نظرة مرتبكة، وكأنهما كانا يأملان الرحيل دون توديع. ساد الصمت للحظات .... صمت ثقيل ومؤلم ثم تحدثت العجوز العمياء أخيراً بصوت هادي يشبه تنهيدة طويلة عشت في هذه القرية طوال حياتي ... ورفعت رأسها قليلا نحو السماء الرمادية. كانت يوما مكاناً مليئاً بالحياة والضحكات ... لكنها لم تعد كذلك ." قاطعها أدونيس بسرعة، وكانه يرفض السماح لكلماتها بأن تصبح حقيقة: ستعود كما كانت... عندما يعود أبي ويقية الرجال " هزت العجوز رأسها بحزن. أنت تتمسك بأمل صغير يا بني ... رغم أنك تعرف في أعماقك أن ذلك الأمل قد يكون مجرد كذبة " ثم أضافت بصوت أكثر قسوة : "ربما لم يعودوا أحياء أصلا" اشتعل الغضب في عيني أدونيس فورا. " إنهم أحياء وأبي وعدني بذلك!" ولأول مرة، تحدت الصبي الأخر ..... أبي أيضًا واعدني بذلك ثم ضغط على قبضته بقوة. لكنه توقف عن إرسال الرسائل والمبعوثين منذ وقت طويل. نظر إليه أدونيس بحدة. "ماكس ... هل استسلمت بهذه السرعة لفكرة موت والدك ؟" قفز ماكس من العربة واقترب منه حتى أصبحا وجها لوجه. لم يكن بينهما فرق كبير في الطول، لكن التوتر بينهما بدا كأنه نار مشتعلة. قال ماكس بغضب مكبوت: "أنا لم أستسلم له.". ثم أشار نحو عائلته. " لكنني أيضا لن أبقى هنا حتى أشاهدهم يموتون أمامي." ↓ بعدها نظر نحو ألانا وفهم أدونيس تلك النظرة فورًا. امتزج الخوف بالغضب في ملامحه، ورفع فأسه نحوه بتحذير حاد: "إياك حتى أن تلمج إلى ذلك." اشتدت قبضته على الفأس وهو يكمل: "لقد وعدت أبي أن أحميها." ثم قال بصوت متصدع: "أقسمت أن تبقى بأمان حتى يعود... وأقسمت أن أنتظره هنا. " تنهد ماكس طويلاً وهو ينظر إلى صديقه بعجز. " لن يعود أحد يا أدونيس ..." ثم مد يده نحوه قائلاً برجاء: "أرجوك، تعالوا معنا. ربما نستطيع النجاة معا. " تجمد أدونيس في مكانه. وفي تلك اللحظة، تمسكت ألانا بيده بقوة. ↓ أيا كان قراره ... فهي ستتبعه لقد وثقت به دائما. راقبت أم ماكس المشهد بقلق، بينما ظل ماكس يمد يده نحوه بابتسامة صغيرة مليئة بالأمل. بدأ أدونيس يفكر في كل شيء. الطعام بالكاد يكفي تلك العائلة. وإضافة شخصين آخرين لن تجعل الرحلة أسهل . لكن فوق كل ذلك .... كان هناك وعده لوالده. وعده بأنه سبيقى هنا ويحمي أخته مهما حدث. نظر إلى ألانا. كانت تحدق به بثقة كاملة، وكأنها تؤمن أنه يستطيع إنقاذ العالم كله إن أراد. وأخيرا ...مد أدونيس يده وصافح ماكس. اتسعت أعين الجميع بدهشة. كاد ماكس يقفز من الفرح، بينما بدت والدته أقل ارتياحاً لكن قبل أن ينطق أحد، قال أدونيس بهدوء مؤلم: "أنا آسف يا صديقي ..." ثم ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة. " أتمنى لكم رحلة آمنة . " اختفت السعادة من وجه ماكس فوراً، وحل محلها انكسار صامت. لكنه رغم ذلك ابتسم وقال: "عنيد... كما أنت دائماً." ابتسم أدونيس بخفة. " وأنت لطيف... كما أنت دائما. " ضحك الاثنان بخفوت، بينما كان الحزن ينهش قلبيهما. ثم اندفع ماكس نحوه وعانقه بقوة. وعانقه أدونيس بدوره بصمت. بعدها اتجه ماكس نحو ألانا، التي كانت تبكي بالفعل. ضحك بخفة رغم الدموع التي ملأت عينيه وقال: "ألانا الصغيرة ... أنت تعرفين كم أكره رؤيتك تبكين." شهقت وهي تمسح دموعها: "أعلم... لكنك سترحل." انحنى ومسح دموعها بلطف. أعدك أنني سأحاول العودة... إن استطعت." رفعت عينيها نحوه بسرعة. "وعد ؟" ابتسم بحزن. "وعد". قفزت لتعانقه بقوة، فعانقها بحرارة. كان أدونيس يكره عادة قربهما الشديد..... لكنه هذه المرة لم يعترض. ربما لأنه شعر ، للمرة الأولى، أن هذا قد يكون الوداع الأخير. وفجأة صاحت أم ماكس من العربة "ماكس ! أسرع قبل أن تبدأ العاصفة!" ترك ألأنا بصعوبة، ثم اتجه نحو العربة. وقبل أن يصعد، قال لأدونيس دون أن يلتفت إليه: اهتم بها ..." ثم أضاف بجدية: "لن أسامحك إن أصابها مكروه." أجابه أدونيس بحدة " وكأنني سأسمح بذلك." توقف ماكس للحظة. ثم صعد إلى العربة أخيرًا. بدأت العربة تتحرك ببطء وسط الثلوج الكثيفة وقف الأخوان يشاهدان آخر سكان القرية .... وأحد أعز أصدقائهما...يرحل بعيدا.

1

لقد تركا وحدهما مرة أخرى، في هذا العالم البارد المنسي. ظلت ألانا تلوح لهم بيدها الصغيرة، بينما كانت أمنية طفولية يائسة تتشبث بقلبها .... أن يعودوا أن يتوقفوا عن الرحيل. لكن أحدا لم يلتفت إليها. ولم يلوح أحد مودعا. استمرت العربة في الابتعاد.... حتى ابتلعها الضباب الأبيض تماما. عادت ألانا تنظر إلى أخيها. كان واقفا بصمت، يحدق في الأرض، وكأن العالم كله أصبح أثقل فجأة فوق كتفيه الصغيرتين. اقتربت منه ببطء وهمست "أدونيس ....؟" رفع رأسه أخيرًا ، ثم ابتسم ابتسامة حزينة وقال: ".... حسنا" نظر حوله إلى المنازل المهجورة. "بيدو أن القرية بأكملها أصبحت ملكنا الآن." ابتسمت ألأنا رغم حزنها. " هذا يعني أننا نستطيع اختيار أي غرفة تريدها." ضحكة صغيرة هشة، يحاول كل واحد منهما بها أن يمنع ضحكا معاً بخفة قلب الأخر من الانكسار. في هذه الأثناء، كان بوبي يراقبهنا من فوق سطح المنزل. حط غراب آخر يجانبه وقال " إذا أنت هنا مجددًا يا هوجين؟ ظننت أنك ستبحث عن شيء أكثر إثارة من مجرد بشر." أجاب بوبي - الذي بيدو أن اسمه الحقيقي لم يكن بوبي - بصوت بارد "أنت محق. لا أعرف لماذا أضيع وقتي مع البشر. لن يمر وقت طويل حتى ينتهوا مثل غيرهم. ربما يعجبني أن أراهم يتحطمون ببطء..... كيف يخسرون الأمل والحياة بينما يتمسكون بالأكاذيب والأمنيات. أحب رؤية العيون الحية وهي تمتلئ بالموت." وماذا عنك يا مونين؟ ماذا وجدت ؟ قال مونين بضيق: حاولت تتبع ثور في رحلته، لكن ذلك الوضيع لوكي لاحظني. أظنه حاول تتبعي بعد ذلك تمكنت من إضاعته... لكنني لست متأكدا" . " إذا .... هل نعود الآن يا هوجين؟ نظر هوجين نحو الأخوين الذين كانا يضحكان رغم كل شيء، ثم قال: نعم، لنعد. لقد بدأ المطر بالفعل، وأنا أكره أن تبتل أجنحتي من أجل بعض البشر." " معك حق." فتح الغرابان جناحيهما وحلقا مبتعدين بينما تطاير بعض الريش خلفهما . راقبتهما ألانا وهما يغادران، ولوحت لهما بلطف قائلة : " وداعا يا بوبي ...." لكن بوبي لم يلوح لها هذه المرة. كان المطر قد بدأ بالفعل، لذلك قال أدونيس: " لنعد إلى المنزل" ظلت ألانا تحدق في الغربان للحظات، ثم هزت رأسها بهدوء وقالت : " نعم .... يجب أن نفعل ذلك." كانت العاصفة أقوى بكثير مما توقعاه هبت رياح عنيفة وقاسية جعلت المنازل تهتز بعنف، بينما انهمر المطر بغزارة شديدة. بدأ أدونيس يقلق من احتمال حدوث انهيار جبلي، وكان ذلك أمرًا مرعبًا حقا. حتى منزلهم الصغير بدأ يغرق تدريجياً بسبب المياه المتسربة من كل مكان. جلس الأخوان تحت طاولة الطعام، وقد غطيا نفسيهما ببطانية صوفية سميكة بحثاً عن بعض الدفء. كانت شمعة صغيرة تنير مخبأهما الضعيف، بينما كانت العاصفة في الخارج تضرب بجنون لا يتوقف. لم تستطع ألأنا التوقف عن التفكير يماكس وعائلته، متسائلة إن كانوا بخير وسط هذا الطقس المرعب. أما أدونيس، فقد غلبه التعب ونام بالفعل. لكن ألأنا لم تستطع النوم. رغم أنها لم تعترف يذلك أبدا، إلا أنها كانت تخاف العواصف كثيرًا. كان المنزل يهثز باستمرار، والأصوات المخيفة تأتي من كل اتجاه، وحتى إنها سمعت جولي تصرخ من الحظيرة. همست بحزن " آسفة يا جولي ... لكنني لا أستطيع الذهاب إليك الآن". كانت ترتجف فعلاً من شدة الخوف، حين سمعت فجأة رفرفة أجنحة قرب النافذة. شعرت بسعادة صغيرة داخلها ... ربما عاد بوبي ليطمئنها. خرجت بهدوء من تحت البطانية ، ثم زحفت خارج الطاولة، كانت قلقة من أن يكون بوبي قد ابتل بسبب العاصفة. وبالفعل ... كان هناك غراب يقف عند النافذة. ابتسمت ألأنا فورا وقالت: "مرحبا". لكن ابتسامتها اختفت بسرعة عندما لم يرد الغراب التحية. قالت بحزن: "... أنت لست بوبي". مال الغراب رأسه باستغراب. وعندما ركزت أكثر ، أدركت أنه مختلف فعلاً. كانت عيناه خضراوين لامعتين، وهذا ما جعله يبدو مميزا بطريقة غربية. شعرت ألأنا ببعض الحماس مجددًا وقالت: "حسنًا، اسمي ألانا: ماذا عنك؟" قالت بتفكير: "آه... إذاً ليس لديك اسم؟ حسنا، سأعطيك اسما !". وفجأة بدا الغراب مهتما بالأمر. قالت بحماس: ". سأسميك... بي ". بدا الغراب مستاءً جدا من الاسم، حتى إنه فتح جناحيه وكأنه يهدد بالمغادرة. قالت ألأنا بسرعة محاولة تهدئته: "إحسنًا، حسنا سأفكر باسم آخر بدأت تقترح أسماء كثيرة، لكن الغراب لم يعجبه أي واحد منها. بل بدا وكأنه يتوسل إليها أن تتوقف عن اختيار الأسماء للأبد. كانت على وشك الاعتراض عليه عندما دوى الرعد بقوة هائلة. صرخت ألأنا من الخوف وركضت فورًا نحو أخيها. استيقظ أدونيس بسرعة وضمها إليه كأنه يحاول حمايتها من العالم كله "لا بأس... لا بأس... كل شيء على ما يرام." لكن ضربة رعد أخرى جاءت أقوى من السابقة، فصرخت ألانا مجددًا حتى أدونيس بدا خائفا هذه المرة، لكنه حاول أن يبدو قويا من أجلها. وفجأة تذكر شيئا .... لحنا قديما ... كانت أمهما تغنيه له أثناء العواصف العنيفة. رفعت ألانا نظرها نحوه عندما تعرفت على اللحن، ثم بدأ أدونيس يغني بهدوء. نحن جنودك يا ثور نحارب معك ضد كل عملاق. ونبقى أوفياء لك دائماً ونشرب نخب انتصاراتنا معاً لذلك ... ارحمنا من غضبك نأكل مما تأكل واشفق علينا ..... نحن جنودك يا ثور. وببطء، بدأت ألانا تغني معه. جلس الاثنان تحت الطاولة الصغيرة، يغنيان معا وسط ضوء الشمعة المرتجف، بينما كانت العاصفة تعوي بالخارج كوحش غاضب. لكن العاصفة لم تهدأ . وظل الرعد يضرب بلا توقف. نظرت ألانا ببطء إلى الغراب الواقف عند النافذة. لم يغادر... والغريب أنه لم يكن خائفاً أبدًا. قالت بحزن ... ربما ثور لا يستطيع سماعنا بسبب صوت الرعد. ثم نظرت إلى الغراب وسألته بهدوء: هل يمكنك أن توصل أمنيتنا إليه؟ أجاب الغراب فورا : " نعم... أستطيع " .. ثم فتح جناحيه وحلق مباشرة نحو السماء السوداء. تجمدت ألأنا في مكانها هل تكلم الغراب للتو؟..... هل تحدث فعلاً؟ أم أنها تتخيل؟ لا ... بالتأكيد هي تتوهم. بقيت تنظر إليه بصمت وهو يختفي وسط السماء المظلمة والعاصفة المجنونة كانت الرياح العنيفة تضرب جناحي الغراب بقوة، بينما كان المطر الغزير بهطل بجنون من حوله. لو كان غرابًا عاديا، الهرب منذ وقت طويل ليختبئ تحت شجرة أو داخل منزل مهدم. لكن هذا الغراب ... لم يكن طبيعيا. حلق بسرعة مرعبة نحو السماء، مخترقا الغيوم السوداء نفسها. كان الرعد والبرق يضربان بعنف في كل مكان، لكنه لم يظهر أي خوف. استمر بالطيران أعلى فأعلى وسط جنون الصواعق حتى لمح بعينيه رجلا يقود عربة ذات عجلتين تجرها معزتان مرعبتان كان الرجل أشبه بوحش هائج أكثر من كونه إلها. كان يزأر بغضب ويصرخ على المعزتين كي تسرعا أكثر، بينما كانت أعينهما تتوهج بالكهرباء والبرق يحيط بالعربة باستمرار. طار الغراب خلفهم كانوا سريعين للغاية، لكن الغراب دفع نفسه لأقصى حد حتى اقترب منهم أخيراً. كانت تيارات البرق العنيفة تحيط بالرجل الغاضب، مما جعل الاقتراب منه شبه مستحيل. ومع ذلك، لم يستسلم الغراب. ازدادت سرعته أكثر وفجأة تحول جناحه المغطى بالريش الأسود إلى ذراع بشرية امتدت بسرعة وأمسكت بكتف الرجل الغاضب. استدار الرجل فوراً بعنف قاتل، رافعا مطرقته المشتعلة بالغضب والرعد مستعداً لتحطيم من تجراً على لمسه. لكن قبل أن يضرب، ضحك الغراب - الذي تحول الآن إلى رجل كامل - وقال : على رسلك، على رسلك... هل تنوي قتلي ؟ " زمجر الرجل الغاضب. نعم. ومنذ زمن بعيد. ضحك الأخر بصوت مرتفع وقال: "أعلم ذلك. لكن لسوء حظك، ولحسن حظي، أملك حصانة دبلوماسية." ثم غمز له بمكر. ازداد غضب الرجل أكثر، لكنه أنزل مطرقته المخيفة. قال بزمجرة "أين كنت ؟ " رد الأخر بلا مبالاة "ماذ؟ هل تحقق معي الآن؟" لكن نظرة واحدة من إله الرعد جعلته يدرك أن المجادلة فكرة سيئة فقال وهو يتمسك بقضيب العربة المعدني: رأيت مونين فقررت اتباعه بحثًا عن بعض المتعة. بدأت أشعر بالملل. من رائحتك الكريهة" انفجر الرجل الغاضب مجددا: "رائحتي كريهة؟" غطى الأخر أذنيه متظاهرا بالألم وقال: "هذا ما ركزت عليه؟ وليس أن أودين يراقبك؟" تجمد إله الرعد قليلاً. "أودين يراقبني؟" "ماذا؟ لم تكن تعرف؟" "إلا ، لم أكن أعرف". " حسنًا... الآن تعرف". انفجر الرجل الأخر ضاحكا وكأنه قال أعظم نكتة في العالم. اشتعل غضب إله الرعد أكثر، لكنه لم يستطع مهاجمته لذلك صرخ على المعزتين المساكين كي يسرعا أكثر. فانطلقتا فوراً وسط العاصفة المجنونة. كان الرعد يهدر والبرق يمزق السماء، والرياح تعصف بجنون أما الرجل الأخر فظل ممسكا بالعربة بهدوء، ثم قال فجأة: "آه" صحيح... أحدهم أرسل لك رسالة". قال إله الرعد دون أن يلتفت متى ستتوقف عن هذه الألعاب السخيفة"" رد الأخر يكسل: "أنا جاد هذه المرة. إنها رسالة لطيفة فعلا". رفع يده، فاشتعلت فيها نيزان خضراء متوهجة جذبت انتباه إله الرعد. ومن داخل النار، ظهر صوت طفلين يغنيان بهدوء نحن جنودك يا ثور نحارب معك ضد كل عملاق ونبقى أوفياء لك دائماً، نأكل مما تأكل ونشرب نخب انتصاراتنا معاً ، لذلك .... ارحمنا من غضبك واشفق علينا ..... نحن جنودك يا ثور ".اختفى الصوت، وانظفأت النار. وللمرة الأولى منذ وقت طويل ..... هدأ غضب الرجل قليلاً. قال محاولاً إخفاء ذلك: "ما هذه السخافة التي جعلتني أسمعها ؟ " تمدد الأخر بتكاسل وقال : " لا أعلم. أعجبتني، لذلك أحضرتها لك". ثم تثاءب وقال : " حسنا ، انتهيت لهذا اليوم. تصبح على خير ". عبس إله الرعد وقال : هل ستنام الان؟ ". رد الرجل الآخر وهو يلف نفسه بعباءة سوداء: "أنا متأكد أنك ورثت ذكاءك من والدك. لأن الوصول لهذا امستوى من الذكاء وحدك أمر مستحيل ". توقف إله الرعد لحظة، غير متأكد إن كان ذلك مدحاً أم إهانة. أما الآخر، فقد رمى نفسه على مقدمة العربة وغظى جسده بالعباءة وقال : تصبح على خير. لا تزعجني اتفقنا ؟ أحاول أن أحلم بنهاية سعيدة لك ". زمجر إله الرعد بغضب : " لا تعطيني أوامر ! ". ثم ركله بخفة، لكن الرجل لم يتحرك. حتى نظر بعدها إلى المعزتين المتعبتين، ثم فكر طويلاً في أغنية الطفلين. وأخيرا... تنهد بعمق. ثم خفف قبضته على اللجام قليلاً. هدأت المعزتان فوراً. ومع هدوئهما ، يدأت العاصفة نفسها بالاختفاء تدريجياً. تفرقت الغيوم. وهدأت الرياح. واختفى الرعد شيئاً فشيئاً حتى ظهرت النجوم مجددا في السماء. وفي النهاية ... اختفت العاصفة بالكامل، وكأنها لم تكن موجودة أصلاً. رفع إله الرعد نظره نحو السماء الصافية ولأول مرة تلك الليلة. لم يعد غاضباً.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

RAGNAROK

المؤلف ♛ℛℰ𝒱ℰ𝒜ℒ♛
2026/05/16 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة