سارق اللوحات

سارق اللوحات

20 2


أقف في ذلك المعرض أمام تلك اللوحة التي حصلت على اهتمام كل من بالمعرض، كانت كل الأعين مسمرة عليها "ديهيا" آخر أعمالي والتي اقتبستها من قصة الملكة ديهيا واحدة من الملوك القدامى لبلاد الأمازيغ، وقد جعلت من نهايتها البائسة إلهاماً لي لرسم هذه اللوحة، وها هي الآن معلقة في تلك الجدران لحظة إعدامها أمام شعبها بينما عيون أخرى من غير عصرها تترقبها.


مددت يدي أصافح اللواء عمران وهو الذي فاز في المزاد بهذه اللوحة.


_"سعيد أنني استطعت شراء واحدة من لوحاتك آنسة تانيلا وأعدك أنني سأحافظ عليها"


_"ممتنة أنني تعاملت معك سيد عمران"


ابتسمت له وأنزلت نظارتي الشمسية على عيني ثم مشيت لأغادر المكان وسط ضجيج الصحافة التي تحاول غمرِي بأسئلتها.


_"سيدة تانيلا هل ستأخذين أي إجراء قانوني ضد السارق إيكس؟"


_"هل لديك أي معلومات عن السارق إيكس؟"


_"هل تودين توجيه رسالة للسارق إيكس؟"


السارق إيكس أو سارق اللوحات العدو الأول لكل رسام في البلد، فقد اشتهر بسرقة اللوحات المشهورة وبيعها في الإنترنت المظلم.


أكملت طريقي لسيارتي دون الرد على أسئلة الصحافة وانطلقت عائدة للمنزل، في الطريق بدأ الهاتف بالاهتزاز والرنين، وضعت السماعة في أذني ثم ضغطت على زر الإجابة بملل.


_"أتمنى أنك تتذكرين حفلة عيد ميلاد أختك الليلة آنسة تانيلا" خرج صوت أمي بنبرة تحذيرية.


_"تعلمين ماذا حدث آخر مرة قررت الحضور فيها لإحدى حفلات تلك العائلة" قلت وأنا أتذكر تلك الحفلة المشؤومة وأنا أصب كأس العصير على رأس أختي كلارا بعد أن تحدثت بالسوء عن مهنة الرسم كعادة أفراد تلك العائلة التي لا تعترف إلا بالمهن العملية كالطب والقتل مثلاً، فقد كانت هذه العائلة إحدى أكبر عائلات العصابة في المدينة لكنهم يخفون حقيقتهم وراء مهن محترمة. حركت رأسي يميناً وشمالاً أطرد تلك الذكرى التافهة من عقلي، لا أتذكر حقاً يوماً كنت قريبة فيه من هذه العائلة إلا وقد حدثت مشكلة بيننا.

"سأنتظرك في الغد لا تتأخري" قالت أمي وفصلت الخط كي لا تعطيني مجالاً للرفض.


تنهدت بملل وأنا ألقي السماعة على الكرسي أمامي أفكر ما إذا كنت سأذهب للحفل أم لا.



*******


كان الخدم يعلقون لوحة "ديهيا" بعناية في الغرفة، فأي خدش قد يكلفهم ثمن منزلين في شارع فاخر.

"حسناً هكذا تبدو أفضل" قال السيد عمران والابتسامة تعلو وجهه بحماس يشوبها بعض القلق، هو مدرك تماماً أن ضيفاً غير مرحب به سيزوره الليلة رغم أنه جهز جميع المعدات الأمنية إلا أن السارق إيكس ليس بشخص سيسهل ردعه.


_"أبلغوا الحرس بأن يمسكوا أماكنهم وتأكدوا بأن كاميرات المراقبة تعمل جيداً لا أريد أي تقصير"


حل الليل، لم يكن ساراً على الجميع خصوصاً السيد عمران، بدأ القلق يبلغ مستواه، لم يتزحزح من أمام غرفة اللوحة هو وحراسه لحمايتها، ربما لم يكن الغرض هو الحفاظ على لوحة تقدر بالملايين لكن سرقتها من قلب منزل اللواء عمران يتردد اسمه في البلد كله ستكون وصمة عار في تاريخه.


في الجهة الأخرى كان ذلك الشبح أمام المنزل بحقيبة معداته يتجهز لعملية الليلة، كان قادراً على رؤية كل أولئك الحراس فقد توقع حدوث هذا، عندئذ أخرج حاسوباً من حقيبته بدأ يمرر أصابعه على لوحة المفاتيح بخفة ليعرض كل إنش من المنزل على شاشة حاسوبه.


استطاع تحديد مكان اللوحة وحفظ أركان المنزل ثم عطل كاميرات المراقبة جميعها ليغلق حاسوبه ويبدأ بتنفيذ خطته.


اقترب بخفة من حارس معزول عن البقية وحين لم يعد يفصل بينهما شيء وقد أحس الحارس بحركة وراءه، قبل أن يدير وجهه لف السارق ذراعه حول رأس الآخر يغلق فمه ثم غرس حقنة مخدرة في عنقه ليتراخى جسد الحارس بين يديه شيئاً فشيئاً حتى انساب على ذراعه، حينها شرع السارق بنزع سترة الحراسة للحارس ليرتديها وأخرج قبعة سوداء من حقيبته يغطي بها وجهه ثم بدأ بجر الحارس يخفيه بين إحدى شجيرات حديقة المنزل ويكمل بعدها طريقه بشكل عادي، مشى بين الحراس دون أن يلفت الانتباه لنفسه يقصد باب الدخول وقبل أن يتجاوزه أوقفه صوت من الخلف.


_"مهلاً إلى أين تذهب؟"


أمال السارق إيكس وجهه بعض الشيء يلقي نظرة نحو مصدر الصوت ليجد أحد الحراس يسأله بشك، وقبل أن يجيبه الآخر قاطعه صوت حارس آخر يصرخ من بعيد:

_"هناك رجل مغمى عليه هنا"


ركض الحراس نحو الصوت ليستغل الآخر الفرصة ويسرع للداخل نحو الطابق العلوي مباشرة، كان على علم مسبق بمكان اللوحة لذلك استطاع إيجاد الغرفة المتواجدة بها والتي بدورها كانت مليئة بالحراس، تقدم السارق وسطهم، أخرج قنبلة غازية من جيبه، خزن بعض الهواء في رئتيه ثم فتح القنبلة ووضعها وراء الأثاث لإخفائها، ثوانٍ فقط وامتلأت الغرفة بالغاز المنوم ليبدأ الحراس بالسقوط واحداً تلو الآخر، مشى أحد الحراس نحو النافذة يحاول فتحها لإخراج ذلك الغاز وقبل أن يفتحها ركض السارق نحوه.

"دعني أساعدك" خرج صوته ليجمع قبضته ويرسلها لوجه الآخر أمامه تفقده ما تبقى له من قوة، تقدم الحراس الذين استطاعوا الصمود للآن نحوه بصعوبة بعد أن علموا حقيقته لكن لكمة واحدة كانت كفيلة بإسقاطهم بسبب الغاز.


سقط الحراس جميعاً، تقدم السارق نحو الشباك لأخذ نفسه وليخرج الغاز بعد أن أكمل عمله ثم تقدم للوحة، حملها برفق من الحائط كي لا تتأذى ثم أخرج طلاءً أحمر من جيبه رسم به علامة X على الحائط كعادته عند سرقة أي لوحة، وقبل أن يفعل أي خطوة أخرى انفتح الباب ليدخل اللواء عمران ومعه الحراس الذين تركهم يحرسون الباب وقد أبلغوه عن الرجل المرمي وكاميرات المراقبة المعطلة.


_"أظن أن مسيرتك في السرقة انتهت عندما فكرت في سرقة منزلي" قال اللواء عمران بتعالي وهو يتقدم وحراسه من السارق الذي ابتسم باستهزاء من كلامه وبدون أن يقول أي كلمة تقدم نحوهم ليبدأ القتال.

تقدم نحو الحارس الأول الذي وجه له لكمة، وقبل أن تلمس وجه السارق أمسكها بقبضته ليديرها نحو ظهر الآخر ويلقيه بعيداً، تقدم حارس آخر بركلة نحو السارق، أمسكه من قدمه الممددة في الهواء وجره ليلقيه نحو الحراس الآخرين، تقدم حارس آخر لكن قبل أن يخطو خطوة أخرى أوقفه اللواء عمران بحنق وهو يرى حراسه يسقطون بسهولة بين يديه.


_"سأقاتله أنا"


نزع اللواء بدلته كي لا تعيق حركته وتقدم نحو السارق، وجه له لكمة لوجهه وبينما كان السارق يركز دفاعه على وجهه أدارها اللواء لتقصد بطنه، تراجع السارق بضع خطوات للوراء بألم ثم تقدم مرة أخرى وجه قبضاته نحو اللواء بسرعة متتالية وبينما اللواء يحاول منع الضربات بيده لتصل إلى وجهه وجه السارق ركلة إلى قدمه جعلته يركع أرضاً.


ألقى السارق نظرة على الحراس ينتظر أحدهم ليتقدم لكن أعينهم كانت مسلطة على اللواء في الأرض وقد بدا واضحاً أنهم غير مستعدين لمبارزته، ابتسم السارق باستخفاف ثم عاد للوراء حتى ارتطم ظهره بالنافذة كي لا يتلقى أي ضربة غدر، ألقى نظرة خاطفة على الخارج من النافذة كان المكان عالياً جداً ليقفز.


_"ستموت حتماً إذا سقطت لذلك لا تفكر" قال اللواء عمران باستهزاء وقد تكهن خطوته القادمة.


ابتسم له السارق ابتسامة أخيرة، أحكم قبضته على اللوحة ثم ألقى بجسمه للوراء تاركاً الغرفة، كان معلقاً في الهواء قاصداً الأرض وهو يرى اللواء عمران وحراسه يطلون عليه من النافذة ينتظرون لحظة موته، لكن قبل أن يصل إلى الأرض انطلق حبل من حزام سرواله التصق مباشرة بإحدى النوافذ جعله يهبط على الأرض بسلام، رفع بصره ليخطف نظرة أخيرة على اللواء عمران ثم ركض يبتعد من المكان.


الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ديهيا

المؤلف Romayssa
2026/04/19 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة