في عالمٍ لا يُحكم بالقوانين، بل بالخيوط…
خيوط غير مرئية، لكنها أشد قسوة من السلاسل.
خيوط تُربَط حول القلوب قبل الأجساد، وتُشدّ ببطء حتى يختنق الضمير دون أن يصرخ.
هنا، لا يولد الإنسان شريرًا…
ولا يولد عادلًا.
بل يولد قابلًا للانخداع.
فالعدل والظلم ليسا طريقين متباعدين كما يظن الجميع،
بل خيطان متوازيان، رفيعان حدّ الخطورة،
يفصل بينهما شعور واحد فقط: الاختيار.
هل العدل حقيقة مطلقة؟
أم مجرد قناع يرتديه الأقوى ليبرر أفعاله؟
وهل الظلم دائمًا وحشي الملامح؟
أم قد يأتيك بابتسامة، وصوتٍ دافئ، ووعودٍ تبدو صادقة حدّ الطمأنينة؟
في هذا العالم،
يمكن للإنسان أن يعيش بين خيطين…
خيط العدل، مشدود بقسوة، يجرح كل من يتمسك به بصدق.
وخيط الظلم والجحود، ناعم الملمس، دافئ البداية، قاتل النهاية.
وهنا يكمن الرعب الحقيقي…
ليس في الوحوش، ولا في الدماء،
بل في السؤال الذي يطارد الجميع:
هل ما أراه حقًا هو الحقيقة؟
أم أنني اخترت الخيط الأسهل… وسمّيته عدلًا؟
في خيوط الظلام،
لا شيء يبدو كما هو،
ولا أحد بريء تمامًا،
والصادق… هو أكثر من يدفع الثمن.
فاحذر،
فالخيط الذي تمسك به الآن
قد يكون هو نفسه
الذي سيشنقك لاحقً
في العالم الآخر،
لا تُبنى المدارس لتعليم القراءة أو الكتابة،
بل لتعليم النسيان.
هناك، لا يسألونك: ما الصواب؟
بل يسألون: من الأقوى؟
ولا يعلّمون الأطفال معنى العدل،
لأن العدل… تهمة لا يتحمّلها الضعفاء.
تُدرَّس القسوة كفضيلة،
والطاعة كنجاة،
والصمت كحكمة.
أما الرحمة، فتُذكر في الهامش،
كمرضٍ قد يُصيب القلب إن لم يُستأصل مبكرًا.
في تلك المدارس،
لا تُرفع الأيدي طلبًا للإجابة،
بل طلبًا للإذن بالبقاء.
ولا يُكافأ الذكي،
بل من يتقن كيف يغمض عينيه
حين يُسحق غيره أمامه.
ومن بين جدرانها المظلمة،
ينبع أشخاص لا يعرفون العدل،
لا لأنهم أشرار…
بل لأنهم لم يُمنحوا يومًا فرصة لرؤيته.
كبروا وهم يعتقدون أن الظلم نظام،
وأن الألم ضرورة،
وأن النجاة لا تكون إلا على حساب الآخرين.
تعلموا أن الخيط الذي يخنق غيرهم
هو نفسه الذي يحمي أعناقهم… مؤقتًا.
لكن المأساة الحقيقية
ليست في المدرسة،
ولا في المناهج،
بل في أول مرة يخرجون فيها إلى العالم،
ويصطدمون بسؤال لم يُدرَّس لهم قط:
ماذا لو كان كل ما تعلمناه… خطأ؟
حينها فقط،
يدركون أن الجهل بالعدل
لا يُعفي من الحساب،
وأن العالم لا يرحم من تربّى على الظلام
ثم ادّعى أنه لم يختره.
ففي العالم الآخر،
لا يُخلق الوحوش في الغابات