الفصل الأول اتمنى ينال اعجابكم
اعطوني رايكم كي أنشر المزيد و شكرا
***
جَلَسْتُ أَتَأَمَّلُ الأَوْرَاقَ الصَّفْرَاءَ المُتَسَاقِطَةَ، تُلَوِّحُ بِهَا الرِّيَاحُ ذَاتَ الشَّمَالِ وَالجَنُوبِ، تَتْبَعُهَا عَيْنِي بِلَا مَلَلٍ، وَبَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ أَلْعَقُ شَفَتِي العُلْوِيَّةَ بِلِسَانِي وَالعَكْسُ، مُتَوَتِّرًا مِمَّا يَدُورُ دَاخِلَ المَنْزِلِ الجَمِيلِ خَلْفِي، فَاليَوْمَ سَتُقَرِّرُ مُدِيرَةُ المَيْتَمِ حَيْثُ تَرَعْرَعْتُ مَنْ هُوَ الأَنْسَبُ مِنْ بَيْنِ أَفْرَادِ أَقَارِبِ وَالِدَيَّ وَأَصْدِقَائِهِمْ، وَالَّذِينَ اتَّضَحَ أَنَّهُمْ كُثُرٌ، فَقَدْ حَضَرَ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ شَخْصًا، وَهُمْ جَمِيعًا مُجْتَمِعُونَ فِي الدَّاخِلِ، وَأَنَا طُلِبَ مِنِّي الخُرُوجُ وَالانْضِمَامُ بَعْدَ اتِّخَاذِ الكِبَارِ قَرَارَهُمْ، وَبَعْدَهَا سَيَحِقُّ لِي الاخْتِيَارُ مِنْ بَيْنِ المُرَشَّحِينَ. لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَخْتَارُ وَأَنَا أُعَانِي مِنْ إِحْسَاسٍ ثَقِيلٍ يَضْغَطُ عَلَى قَلْبِي، وَأَشْعُرُ بِهِ كَأَنَّهَا يَدٌ عِمْلَاقَةٌ تُمْسِكُ بِهِ سَاحِقَةً إِيَّاهُ مِنْ دُونِ القُدْرَةِ عَلَى إِيقَافِهَا. تَحَرَّكَتْ أَوْرَاقُ الشَّجَرِ مُحَلِّقَةً تُتَابِعُ مَسِيرَةَ الرِّيَاحِ وَعَيْنِي خَلْفَهَا، فَسَمِعْتُ لِسَانَ حَالِي نَاطِقًا: لَيْتَنِي كُنْتُ وَرَقَةً تُطَيِّرُهَا الرِّيَاحُ حَيْثُ تَشَاءُ. أَرْجَعْتُ رَأْسِي مُحَدِّقًا فِي زُرْقَةِ السَّمَاءِ وَثَوْبِهَا الأَبْيَضِ مِنَ الغُيُومِ يَحُومُ أَسْفَلَهَا مُتَحَرِّكًا، يَتَّخِذُ أَشْكَالًا لَمْ أَدْرِ أَهِيَ وَاقِعٌ أَمْ مِنْ نَسْجِ خَيَالِي الوَاسِعِ، ثُمَّ عَفَوْتُ بِلَا شُعُورٍ لِوَقْتٍ لَا أَعْرِفُ مُدَّتَهُ. أَيْقَظَتْنِي حَمْحَمَةٌ قَوِيَّةٌ مُنْبَعِثَةٌ مِنْ يَسَارِي، رَفْرَفْتُ أَهْدَابَ عَيْنِي النَّاعِسَةِ قَبْلَ أَنْ أُحَرِّكَ رَأْسِي نَحْوَ الصَّوْتِ، إِذْ كَانَ مَصْدَرُهُ شَابًّا فِي مِثْلِ عُمْرِي أَوْ أَكْبَرَ بِقَلِيلٍ. خُصَلَاتُ شَعْرِهِ السَّوْدَاءِ تَسْبِقُ ذَقْنَهُ، وَمِنْ لَوْنِ رُمُوشِ عَيْنَيْهِ الغَرِيبَةِ أَدْرَكْتُ أَنَّ شَعْرَهُ مَصْبُوغٌ، كَانَ شَدِيدَ البَيَاضِ كَبَيَاضِ الغَيْمَةِ فَوْقَنَا. عَيْنَاهُ بِلَوْنٍ مُقَارِبٍ لِلَوْنِ حَوَاجِبِهِ، وَهُوَ لَوْنٌ سَمَاوِيٌّ شَاحِبٌ. أَنْفُهُ القَصِيرُ مُلْتَصِقٌ بِوَجْهِهِ المُسْتَدِيرِ، وَشَفَاهُهُ شَاحِبَةٌ مِثْلُهُ تَمَامًا. شَعَرْتُ بِعَيْنَيْهِ تَتَفَحَّصَانِي، فَلَمْ أَخْجَلْ مِمَّا أَفْعَلُ. قَالَ بِصَوْتٍ أَجَشَّ حَادٍّ بَعْضَ الشَّيْءِ لَا يُعْرَفُ عُمْرُهُ: «أَهْلًا… أَنَا سَارِي… وَأَنْتَ؟»
مَعَ نِهَايَةِ حُرُوفِهِ البَارِزَةِ مِنْ بَيْنِهَا لَكْنَةٌ غَرِيبَةٌ لَمْ أَعْرِفْهَا، رَغْمَ نُطْقِهِ الجَمِيلِ، إِلَّا أَنِّي اسْتَشْعَرْتُ لِأَكْثَرَ مِنْ سَبَبٍ كَوْنَهُ أَجْنَبِيًّا فِي بَلَدِي هٰذِهِ. مَدَّ يَدَهُ لِي طَالِبًا مُصَافَحَةً، نَاظَرْتُهُ بِلَا كَلَامٍ إِلَى أَنْ أَمْسَكْتُهَا بَعْدَ بُرْهَةٍ أُجِيبُهُ بِوُدٍّ لَمْ يَنْبُعْ مِنْ قَلْبِي بَلْ مِنْ رَغْبَتِي فِي مَعْرِفَةِ أَصْلِهِ، فَشَيْءٌ بِلَهْجَتِهِ شَدَّنِي: «أَهْلًا… تُومَاس تُومْسُون… سُرِرْتُ بِلِقَائِكَ». أَجْبَرْتُ شَفَتَيَّ عَلَى الِارْتِفَاعِ مُحَاوِلًا إِظْهَارَ وُدِّي بِكُلِّ وَسِيلَةٍ مُكَمِّلًا: «تَفَضَّلْ بِالجُلُوسِ».
يَبْدُو أَنَّهُ لَيْسَ لِهٰذَا الفَتَى أَيُّ حِسٍّ بِالجَوِّ، فَرَغْمَ لُطْفِي الظَّاهِرِ كَانَ وَاضِحًا مِنْ تَجَنُّبِ جَمِيعِ الأَطْفَالِ فِي الحَدِيقَةِ المُرْتَفِعَةِ أَصْوَاتُهُمْ تُزْعِجُ مَسْمَعِي، الجُلُوسُ بِالقُرْبِ مِنِّي أَوْ مِنَ المَكَانِ كُلِّهِ، كَوْنِي لَسْتُ شَخْصًا وَدُودًا مُرَحِّبًا. فَقَدْ جَلَسَ قُرْبِي مُثَرْثِرًا عَنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُ بَالِي وَفُضُولِي نَحْوَهُ بِلَا أَيِّ جُهْدٍ مِنِّي، فَقَالَ وَيَدَاهُ تَقُومَانِ بِحَرَكَاتٍ عَشْوَائِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْ حَاجَتَهَا: «أَظُنُّكَ لَاحَظْتَ نُطْقِي السَّيِّئَ قَبْلَ قَلِيلٍ… هٰذِهِ اللُّغَةُ الإِنْجِلِيزِيَّةُ لَيْسَتْ لُغَتِي… أَنَا مِنْ دُوَلِ الشَّرْقِ، وَقَدِ انْتَقَلَتْ أُسْرَتُنَا إِلَى هُنَا قَبْلَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ… نَوْعًا مَا».
«هَلْ تَعْرِفُ، عِنْدَ وُصُولِنَا كُنْتُ سَيِّئًا جِدًّا فِي النُّطْقِ… فَكَانُوا يَسْخَرُونَ فِي المَدْرَسَةِ مِنِّي… لَمْ أَنْزَعِجْ كَثِيرًا مِنْ…»
لَمْ أَسْمَعْ بَاقِي كَلَامِهِ، بَلِ التَفَتُّ نَاحِيَةَ البَيْتِ مُحَاوِلًا تَشْتِيتَ انْتِبَاهِي عَنْ ثَرْثَرَتِهِ اللَّانِهَائِيَّةِ، مُفَكِّرًا فِي تَسَرُّعِي؛ مَا كَانَ عَلَيَّ الرَّدُّ عَلَيْهِ. لَمْ أُلَاحِظْ أَيَّ حَرَكَةٍ تَنُمُّ عَنْ نِهَايَةِ الاجْتِمَاعِ. تَنَهَّدْتُ وَعُدْتُ بِنَظَرِي إِلَى «سَارِي» الجَالِسِ جَانِبِي، فَالْتَقَطَتْ أُذُنِي كَلَامَهُ قَبْلَ ثَوَانِيَ مِنْ صَمْتِهِ أَخِيرًا، وَالرِّيَاحُ تُطَيِّرُ شَعْرَهُ مُظْهِرَةً عُنُقَهُ الأَبْيَضَ مُلَوَّنًا بِخُطُوطٍ زُرْقٍ رَقِيقَةٍ عَلَى طُولِهِ: «أَبِي قَالَ لِي… سَارِي لَا تَسْمَحْ لَهُمْ بِهَزِّكَ فَأَنْتَ رَجُلٌ… وَقَدْ شَعَرْتُ أَنَّ كَلَامَهُ يَزْرَعُ دَاخِلِي الشَّجَاعَةَ، لِذٰلِكَ قَرَّرْتُ مُوَاجَهَتَهُمْ».
لَمْ أَفْهَمْ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ هَرَائِهِ، إِلَّا أَنَّ تَقْلِيدَهُ السَّيِّئَ لِصَوْتِ وَالِدِهِ عِنْدَمَا نَصَحَهُ جَعَلَ ضَحْكَةً تَفْلِتُ مِنْ حَلْقِي، أَحْسَسْتُهَا ضَحْكَةً صَادِرَةً مِنْ أَحَدٍ عَلَى بُعْدِ أَمْيَالٍ مِنَّا. نَظَرَ لِي مُبْتَسِمًا، وَعَيْنَاهُ مُتَأَمِّلَتَانِ، عَرَفْتُ مِنْ خِلَالِهِمَا أَمَلَهُ فِي أَنْ أُعَلِّقَ عَلَى كَلَامِهِ، وَقَبْلَ أَنْ أَمْنَعَ نَفْسِي قُلْتُ بِصَوْتٍ لَا مُبَالٍ عَلَى عَكْسِ وُدِّي الأَوَّلِ: «لَا تَنْتَظِرْ رَدًّا، أَنَا لَمْ أَسْمَعْ حَرْفًا مِنْ ثَرْثَرَتِكَ».
بَعْدَ كَلِمَاتِي الإِرْدَائِيَّةِ لَعَقْتُ شَفَتِي مُجَدَّدًا مُتَجَنِّبًا عُيُونَهُ، كُنْتُ أَعْرِفُ نَفْسِي المُنْعَزِلَةَ، الكَارِهَةَ لِكُلِّ نَفْسٍ غَيْرِهَا. انْتَظَرْتُ قِيَامَهُ أَوْ أَيَّ رَدِّ فِعْلٍ مِنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ تَمَّتْ مُقَاطَعَتُنَا مِنْ قِبَلِ صَوْتِ سَيِّدَةٍ حَادٍّ وَرَفِيعٍ، الَّذِي مَيَّزْتُهُ كَوْنَهَا العَامِلَةَ المَسْؤُولَةَ عَنْ مَهْجَعِي حَيْثُ أَعِيشُ مَعَ بَعْضِ الشَّبَابِ المُرَاهِقِينَ مِنْ عُمْرِي أَوْ أَكْبَرَ بِقَلِيلٍ، قَائِلَةً: «تُومَاس، تَعَالَ، المُدِيرَةُ تَطْلُبُكَ».
مِنْ دُونِ تَرَدُّدٍ وَلَوْ لَحْظَةً قُمْتُ أَهْرُولُ نَاحِيَةَ المَنْزِلِ، مُبْتَعِدًا عَنِ الفَتَى الثَّرْثَارِ «سَارِي»، مُتَمَنِّيًا فِي نَفْسِي أَنْ يَكُونَ لِقَاؤُنَا الأَخِيرَ.
دَخَلْتُ المَنْزِلَ الكَبِيرَ الوَاسِعَ المُزَيَّنَ بِسَجَّادٍ مِنْ أَفْخَمِ أَنْوَاعِهِ، تَتَلَأْلَأُ عَلَى سَطْحِهِ ثُرَيَّاتٌ مُعَلَّقَةٌ فَوْقَنَا عَلَى طُولِ البَهْوِ الكَبِيرِ، مِنَ الصَّعْبِ تَصْدِيقُ كَوْنِهِ مَيْتَمًا. صَعِدْنَا السَّلَالِمَ إِلَى غُرْفَةٍ هِيَ الأَفْخَمُ فِي المَكَانِ، مُعَدَّةٍ لِاسْتِقْبَالِ الشَّخْصِيَّاتِ المُهِمَّةِ. بِدَاخِلِهَا جَلَسَ نَحْوُ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ شَخْصًا عَلَى الكَرَاسِيِّ المُوَزَّعَةِ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ المُسْتَطِيلَةِ بِحَجْمِ الغُرْفَةِ، يَصْمُتُونَ فَوْرَ دُخُولِنَا.
تَوَتَّرَتْ كُلُّ خَلِيَّةٍ حَيَّةٍ دَاخِلَ جِسْمِي مِنْ كُلِّ العُيُونِ المُحْدِقَةِ نَحْوِي، أَحْسَسْتُهَا تَخْتَرِقُنِي كَسَكَاكِينٍ مُلْتَهِبَةٍ مِنْ حَرَارَةِ المَكَانِ المُرْتَفِعَةِ. تَفَحَّصْتُهُمْ ثُمَّ تَحَرَّكْتُ نَاحِيَةَ المُدِيرَةِ الجَالِسَةِ يَمِينَ رَجُلٍ عَجُوزٍ أَحْمَرِ الشَّعْرِ كَنَفْسِ شَعْرِي، وَإِنَّ لِعُيُونِهِ نَفْسَ لَوْنِي الأَصْفَرِ المُخْضَرِّ. خَطُّ فَكِّهِ حَادٌّ، وَلَهُ أَنْفٌ طَوِيلٌ ضَخْمٌ يُظْهِرُ عُيُونَهُ. جَلَسْتُ إِلَى جَانِبِهَا، فَسَمِعْتُهَا قَائِلَةً بِصَوْتِهَا الرَّقِيقِ رَغْمَ غِلَظِهِ: «شُكْرًا لِلْجَمِيعِ، يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى كَمَا اتَّفَقْنَا أُسْرَةُ فِلْجَر – سَاوْنِي – تُومْسُون… فَلْيَتَفَضَّلْ لِبَاقِي، رَافَقَتْهُمُ السَّلَامَةُ».
تَحَرَّكَتْ عَيْنِي إِلَى العَجُوزِ المُجَاوِرِ لَنَا عِنْدَمَا أَشَارَتْ لَهُ بِاسْمِ «تُومْسُون»، إِذْ هُوَ قَرِيبٌ مِنَ الأَبِ. بَعْدَ هُدُوءِ الضَّجِيجِ لَحْظَةً مِنْ خُرُوجِهِمْ، حَرَّكْتُ عَيْنِي عَلَى البَاقِينَ، وَهُمْ سِتَّةُ أَشْخَاصٍ بِالإِضَافَةِ إِلَيَّ أَنَا وَالمُدِيرَةُ، الَّتِي خَاطَبَتْنِي قَائِلَةً بِنَفْسِ رِقَّتِهَا الغَرِيبَةِ عَلَيَّ، فَأَنَا كُنْتُ دَائِمًا أَتَجَنَّبُ أَيَّ تَوَاصُلٍ مَعَهَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ قَاطِنِي المَيْتَمِ: «تُومَاس، دَعْنِي أُعَرِّفُكَ عَلَى عَمِّ أَبِيكَ السَّيِّدِ فِلِيتْشَر تُومْسُون».
لَمْ أَقُلْ شَيْئًا، بَلْ بِبَسَاطَةٍ نَظَرْتُ لِلْعَجُوزِ المُبْتَسِمِ لِي، قَبْلَ أَنْ تُكْمِلَ: «وَهٰذِهِ السَّيِّدَةُ مَرِيَا سَاوْنِي، ابْنَةُ عَمِّ أُمِّكَ».
أَشَارَتْ إِلَى سَيِّدَةٍ شَقْرَاءَ، مَلَامِحُهَا مَخْفِيَّةٌ خَلْفَ مَسَاحِيقِ تَجْمِيلٍ ثَقِيلَةٍ، رُمُوشُ العَيْنِ الاصْطِنَاعِيَّةُ غَطَّتْهَا، فَلَمْ أَسْتَوْضِحْ لَوْنَهَا، رَغْمَ إِدْرَاكِي أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ مِنْ رُؤْيَتِهَا، فَأَنَا وَاثِقٌ أَنَّهَا عَدَسَاتٌ سَتَكُونُ، فَلَمْ أُكَلِّفْ نَفْسِي مُبَادَلَتَهَا تَحِيَّةَ الرَّأْسِ، بَلِ الْتَفَتُّ حَيْثُ أَشَارَتِ المُدِيرَةُ أَيْنَ يَجْلِسُ زَوْجَانِ.
أَحَدُهُمَا رَجُلٌ بَشُوشُ الوَجْهِ بِعُيُونٍ قَهْوِيَّةٍ وَعِظَامٍ نَحِيفَةٍ عِنْدَ الفَكِّ، وَفَوْقَهُ شَعْرُهُ أَسْوَدُ، إِلَى جَانِبِهِ سَيِّدَةٌ جَمِيلَةٌ بَدَتْ مَأْلُوفَةً.
قَالَتِ المُدِيرَةُ: «تُومَاس، هٰذَا السَّيِّدُ عُثْمَان فِلْجَر، وَالسَّيِّدَةُ مَارِيَا فِلْجَر… أَقْرَبُ صَدِيقَيْنِ لِوَالِدِكَ وَوَالِدَتِكَ، وَقَدْ أَوْصَى بِهِمَا لِرِعَايَتِكَ».
تَحَرَّكْتُ عَلَى الكُرْسِيِّ بِغَيْرِ رَاحَةٍ، وَتَمَنَّيْتُ لَوِ اخْتَفَيْتُ مِنَ المَكَانِ. كُنْتُ دَائِمًا أَكْرَهُ أَكْثَرَ مِنْ عَيْنَيْنِ عَلَيَّ، فَكَيْفَ بِتِسْعٍ؟
لَعَقْتُ شَفَتِي نَاظِرًا بَيْنَهُمْ، لَا أَفْهَمُ: أَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُكْمِلُوا فَقَطِ الأَمْرَ دُونَ الرُّجُوعِ لِي؟
قَالَتِ المُدِيرَةُ: «تُوم، عَزِيزِي، لَا دَاعِيَ لِلْخَوْفِ وَالقَلَقِ… أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ هٰذَا الاخْتِيَارَ ضَرُورِيٌّ، هَيَّا بُنَيَّ».
أَنَا لَسْتُ ابْنَهَا، وَقَدْ كَرِهْتُ قَوْلَهَا «بُنَيَّ»، لَكِنِّي، وَكَالعَادَةِ، لَمْ أَعْتَرِضْ، إِلَّا أَنِّي هَدَأْتُ كَذٰلِكَ أَفْكَارِي. عَرَفْتُ أَنَّهُ مِنْ وَاجِبِي تَنْفِيذُ الشَّيْءِ الوَحِيدِ الَّذِي طَلَبَ وَالِدِي مِنِّي فِعْلَهُ، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ أَجْلِ سَلَامَتِي.
فَقُلْتُ مُحَاوِلًا تَهْذِيبَ كَلِمَاتِي، فَلَمْ يَكُنِ التَّهْذِيبُ مِنْ خَصَائِصِي: «أَنَا… أَعْتَقِدُ… مْم… أُفَضِّلُ السَّيِّدَ فِلْجَر».
أَنْهَيْتُ آخِرَ حَدِيثِي دُفْعَةً وَاحِدَةً. بِمُجَرَّدِ دُخُولِي الغُرْفَةَ كُنْتُ قَدِ اخْتَرْتُ، فَأَنَا وُلِدْتُ نَافِرًا مِنْ عَائِلَتِي، لِذٰلِكَ لَمْ تَكُنْ لِي رَغْبَةٌ فِي العَيْشِ بَيْنَهُمْ مَهْمَا كَانَ مَا أُوَاجِهُهُ.
لَمَحْتُ تَوَسُّعَ عُيُونِ السَّيِّدَةِ فِلْجَر قَبْلَ إِطْلَاقِ أَوْسَعِ ابْتِسَامَةٍ أَبْصَرْتُهَا عَلَى شَخْصٍ مِنْ قَبْلُ، وَهِيَ تَهُزُّ كَتِفَ السَّيِّدِ فِلْجَر قَائِلَةً مَا لَمْ أَسْمَعْهُ بِسَبَبِ هَمْهَمَةِ العَجُوزِ عَنْ يَسَارِي.
كَانَ وَجْهُهُ شَدِيدَ الاحْمِرَارِ، بَيْنَمَا يَقُولُ بِصَوْتٍ فِيهِ بُحَّةُ كَتْمٍ: «تُومَاس عَزِيزِي… أَلَا تَعْتَقِدُ أَنَّهُ الأَفْضَلُ لَكَ العَيْشُ فِي أُسْرَةِ وَالِدِكَ؟»
«لَا»، قُلْتُ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ كَلَامَهُ أَوْ أُفَكِّرَ.
قَضَيْتُ مِنْ سِنِي عُمْرِي الأَرْبَعَ عَشْرَةِ، سَنَوَاتٍ مِنْهَا فِي مَنْزِلِ أَقَارِبِي قَبْلَ وُصُولِي لِلْمَيْتَمِ، كَانَتْ تِلْكَ الفَتْرَةُ هِيَ الأَقَلَّ تَحَبُّبًا مِنْ فَتَرَاتِ حَيَاتِي، إِنْ وُجِدَتْ بَيْنَهَا فَتْرَةٌ أَحْبَبْتُهَا فِعْلًا، فَأَنَا لَمْ أَكْرَهْ شَيْئًا بِقَدْرِ مَا كَرِهْتُ نَفْسِي، وَلَمْ أَتَمَنَّ شَيْئًا سِوَى الفَنَاءِ لَهَا.
نَظَرْتُ دَاخِلَ عُيُونِ الجَمِيعِ المُوَجَّهَةِ نَاحِيَتِي، أَظُنُّ أَنِّي لَمْ أُعْجِبْهُمْ كَثِيرًا.
حَمْحَمَتِ السَّيِّدَةُ الجَمِيلَةُ «فِلْجَر» وَاقِفَةً هِيَ وَزَوْجُهَا، لَمْ أَشْعُرْ بِالرَّاحَةِ مَعَهُمْ مِثْلَ كُلِّ مَنْ عَرَفْتُهُ.
تَسَاءَلْتُ: تُرَى كَيْفَ سَتَكُونُ حَيَاتِي القَادِمَةُ مَعَهُمْ؟ هَلْ سَتَكُونُ أَكْثَرَ بُؤْسًا مِنَ الَّتِي تَرَكْتُهَا خَلْفِي؟
***
يتبع