أُخذ الفتى كالبضاعة وسلم إلى الخدم. بالتير ألقى نظرة واحدة حادة، وهز رأسه قليلاً، وكان ذلك كافياً.
أدرك الخدم ما يجدر بهم فعله بسرعة، خبرة سنوات طويلة في خدمة هذا البيت الغريب علمتهم كيف يتصرفون مع "مفاجآت" السيد.
نزعوا الغطاء السميك الذي يلف الجسد الصغير. لحظة انكشاف ما تحته، شهقت الخادمات اللواتي كن يقفن في الخلف بقوة.
أصوات شهقات مكتومة امتزجت بصمت الغرفة الثقيل. حتى الخدم الذكور، الذين شهدوا الكثير، حبسوا أنفاسهم للحظة.
كان رداء الفتى المغبّش من القماش الخشن مغطى ببقع دماء قاتمة، قديمة، فقدت رونقها الأحمر الوضاء وتحولت إلى لون بني أشبه بالصدأ.
الدماء اختلطت بالوحل الجاف الذي طلى الملابس بطبقة سميكة من الرمادي والأخضر الداكن. رائحة ترابية حادة، ممزوجة برائحة ماء راكد وجروح لم تعالج، انتشرت في الهواء.
سارع الخدم، بتناسق صامت، لنزع تلك الأسمال عن الجسد الهزيل. كانت الحركات سريعة لكن حذرة.
تحت الملابس، انكشف جسد صغير مليء بالجروح. بعضها قديم، تحول إلى ندوب باهتة تزحف على الذراعين والساقين.
وبعضها جديد، خدوش عميقة وحروق بسيطة لم تلتئم بعد، وحول المعصمين خطان أحمران داكنان، كأثر رباط شديد للغاية.
ما إن انتهوا حتى رفعه أحدهم برفق، ووضعه في حوض الاستحمام الرخامي الواسع.
الماء الدافئ تدفق بلطف.
راح الخدم بتنظيفه، إسفنجات ناعمة تلمس بشرته الشاحبة بحرص شديد، خوفاً من أن تتأذى تلك البشرة الرقيقة أكثر مما فيها من أذى. الماء النظيف تحول بسرعة إلى لون عكر، بني مائل للرمادي.
لم يصدر الطفل صوتاً، أو يتذمر، لم يتأوه حتى عندما مرت الإسفنجة على جرح مفتوح.
عيناه، المنظور إليهما من بين خصلات الشعر الأسود، كانتا مفتوحتين على اتساعهما، تحدقان في الفراغ أمامهما دون تركيز.
اتبع كل ما قيل له، تحرك حين يطلبون منه التحريك، جمد حين يطلبون منه التوقف، كدمية منهكة.
حين انتهوا وتم تجفيفه بمناشف ناعمة دافئة، بدا أكثر شبهًا بالإنسان. البِشرة النظيفة كشفت عن ملامح دقيقة، أنف صغير، فم رفيع.
البسوه ملابس نوم ناعمة من الكتان الفاخر، كانت كبيرة عليه قليلاً وتدلت من أطرافه.
رغم ذلك، ظل شعره الأسود الكثيف أشعثًا، يغطي جبهته وعينيه كستار، يخفي جزءاً كبيراً من تعابير وجهه الصامت.
تهامس الخدم فيما بينهم وهم يبتعدون بالطفل.
_ الشعر… اللون نفسه تماماً._
_النظرة… ألا ترى شيئاً مألوفاً في شكل الحاجبين؟_
كان في الفتى شبه لا يمكن إنكاره للدوق، لا سيما وهذا الشعر الأسود الداكن، لون دوقية ألفينس، يبرز بوضوح غامق على بياض بشرته الشاحبة.
أُخذ الفتى بعد ذلك إلى غرفة الطعام الصغيرة المجاورة للمطبخ. حين وضع أمامه طبق دافئ من الحساء السميك وقطعة خبز طري، ارتعشت يداه الصغيرتان.
كان صوت صرير معدته الفارغة قوياً بما يكفي ليهز صدره الناحل، وصاخباً بما يكفي ليصل آذان الخدم الواقفين بمسافة عنه، والذين تبادلوا نظرات حزينة.
وبينما كان هو يأكل بسلام، أو بهدوء أشبه بالغياب، وجبته الأولى منذ أيام – يرفع الملعقة ببطء، ويأكل بتركيز غريب، كل لقمة كأنها كنز – كان في جناح آخر من المنزل الواسع شخص على النقيض تماماً.
ليور، واقفاً في وسط مكتب والده المدمر، الأوراق مبعثرة، الشظايا الزجاجية متناثرة، الحبر مسكوباً كدماء سوداء على السجادة الثمينة.
كان صدره يعلو ويهبط الآن بوتيرة أبطأ.
بعد أن راح يلقي كل ما تصل إليه يداه نحو الدوق، حتى فرغت يداه، وفرغت الطاولة، وفرغ بعض ما في جوفه من استياء متراكم.
أخيراً، استطاع العودة لهدوئه، أو لما يشبه الهدوء.
سقط جالساً على مقعد قريب، تنفسه عميق لكنه غير منتظم.
...................
بعد لحظات، عاد الهواء إلى الغرفة ببطء. لا أحد تحرك، لكن الفوضى على الأرض كانت شاهدة على ما حدث.
«إذًا هل هدأت؟»
صوته جاء عاديًا أكثر مما يحتمل الموقف، فقط سؤال عابر وكأنه يسأل عن الطقس.
رفعت رأسي نحوه ببطء. رقبتي تؤلمني من الشد الذي كان فيها.
«أتعتقد أنني كذلك حقًا؟»
لم يبدُ عليه الانزعاج. على العكس، كان مرتاحًا أكثر من اللازم في مقعده.
«يمكننا القيام بجولة ثانية لو أردت.»
في رأسي، بدأت الاحتمالات تتشكل دون استئذان، صور سريعة وعنيفة.
هل يجب أن أقتله؟
يمكنني تسميم طعامه وجعله يموت بشكل طبيعي!
«بني، لا أعتقد أن قتل والدك فكرة جيدة.»
شهقت داخلياً. كيف علم بما أفكر به؟
هل كانت أفكاري مكتوبة على وجهي بتلك الوضوح؟
حسنًا… يمكنني حبسه أيضًا.
«والحبس أيضًا ليس جيدًا لهيبة الدوقية.»
«…»
تصلب وجهي رغماً عني. عضلات فكي اشتدت حتى آلمتني. انزعاجي كان واضحًا، ولم أحاول إخفاءه.
سلوكه الهادئ، اللامبالي، كان يضغط على أعصابي أكثر من أي صراخ. فبينما أغلي أنا من الداخل، كان هو يستمتع بالبخار ويسترخي بسلام.
«بني.»
ما الهراء الذي سينطق به الآن؟
«أنزل السكين أولًا، واستمع إلي.»
ها؟
سكين؟
من؟ أنا؟
أخفضت بصري ببطء ناحية يدي اليمنى. كانت تمسك بالسكين نفسها التي غرستها في المكتب سابقاً.
قبضتي كانت ثابتة، مشدودة، وكأن النصل جزء لا يتجزأ من راحتي. لا أدري متى أمسكت بها ثانية، لم أشعر بها أصلًا وسط غمرة التفكير.
جسدي المسكين… حتى أنت تصرخ بانزعاج مني؟ تتحرك دون وعيي؟
ورغم رغبتي في إبقائها هناك، مجرد ضمان بسيط ألا يتفوه بالهراء مجددًا، إلا أنني لا أستطيع الاستمرار بذلك.
أجل. لست شخصًا همجيًا يلوح بالسكين في الأرجاء!
كان هذا ما أخبرت به نفسي.
هم؟
وماذا عن رمي الأشياء سابقًا؟
كانت مجرد… هدايا.
نعم. هدايا ألقيها نحو والدي العزيز بنية جعله يقابل أمي في العالم الآخر بأسرع وقت. ألست ابنًا بارًا بحق؟
«أين شردت؟»
رفعت رأسي ونظرت إليه للحظات. لم يبدُ مختلفًا كثيرًا عن المعتاد، لكنني أعرف هذه النظرة.
لآن هو جاد فعلًا، أو يريد أن يوحي بذلك.
لذا، وعلى مضض، أنزلت السكين على الطاولة بضجيج خفيف.
ثم عدلت جلستي، جالساً على حافة الكرسي، بظهر مستقيم.
«إذًا؟»
مد يده نحو الخادم روبرت الذي كان واقفاً خلفه كظل. تقدم الأخير وقدّم له بضعة أوراق مرتبة بنظام، ثم وضعها أمامي على الطاولة دون أن يرفع بصره عن الأرض.
أمسكت بها. كانت أوراقاً رقيقة، قليلة العدد.
بدأت أتصفحها.
الاسم: غير معروف.
العمر المُقدر: ثلاثة عشر عاماً.
دخول دار الأيتام: سن الثامنة
حالة التبني: تم تبنيه مرة واحدة
مدة التبني: خمس سنوات. سبب الإعادة: "عدم التوافق". التفاصيل: فارغة.
ملاحظات: "هادئ، لا يسبب مشاكل، غير اجتماعي. يميل إلى الاختباء".
لا شيء يبرر وجوده هنا.
حتى بقية الأوراق كانت تقارير مملة عن الدار نفسها، وعن العائلة التي تبنته لفترة قصيرة ثم تخلت عنه.
رفعت بصري عن الأوراق ونظرت إلى والدي. نظرة تطلب تفسيراً لا تحتويه تلك السطور.
«ما هذا؟»
«كما ترى، إنها معلومات عن الطفل.»
«ليس هذا ما أسأل عنه.»
ضغطت على الأوراق بيدي، حتى تجعدت الحواف.
«لمَ أعطيتني هذا؟»
«ظننت أنك تريد أن تعلم.»
ارتفعت نبرتي دون أن أقصد، حادة ومليئة بالإحباط الذي لم يعد يحتمل.
«ما أريد معرفته هو لمَ قمت بإحضار هذا الطفل، هذا الغريب، إلى منزلنا، إلى وسط حياتنا!!!»
سقط الصمت فجأة.
لكن هذه المرة، لم يكن صمت عبث أو تجاهل. كان صمتاً ثقيلاً، مليئاً بشيء لم يقله بعد.
نظر إليّ بطريقة مختلفة. عيناه، اللتان عادة ما تكونان مليئتين بالتحدي أو اللامبالاة، حملتا الآن شيئاً أشبه بالتفكير العميق، ربما حتى بالتردد. ثم أخذ نفساً، بطيئاً.
لا…
هل يفكر حقًا بذلك؟
لا يمكن.
«أتريد تبنيه حقًا؟»
لم يجب. لم يهز رأسه، أو يبتسم ساخراً.
فقط حافظ على نظرته تلك. لكن صمته كان صرخة، ونظراته كانت كافية.
شيء في صدري انكمش. ليس غضباً هذه المرة، بل شعور غريب، بارد، أشبه بخيبة أمل عميقة لم أكن أعرف أنها موجودة بهذا الحجم.
«لماذا؟… فقط لمَ؟»
صوتي خرج أصغر مما أردت. سؤال حقيقي.
لمَ الآن؟ بعد كل هذه السنوات؟
ما المختلف فيه؟ ما الذي رآه في هذا الطفل المُهمَل؟
أنت الذي… أهملت أطفالك طوال تلك السنوات. فكنت غائبًا رغم حضورك.
ثم ماذا؟
هل ستغدق الحب، الاهتمام، الوقت، على هذا الطفل الذي التقطته من الطريق؟
أم أنك ستهمله أيضًا، كما أهملت كل شيء جدي في حياتك، حتى منصبك؟
كلا الخيارين…
هما الأسوأ.
إن غمره، فذلك سيكون ظلماً صارخاً لكل السنوات التي عشتها في ظل بروده.
وإن أهمله، فلم أحضرته أساساً؟ لم جلبت مخلوقاً ضعيفاً آخر إلى هذا الصرح البارد لتكرر معه الدورة نفسها؟
الكلمات كانت على طرف لساني. شعرت بها تحرقني من الداخل. لكنني ابتلعتها. أعلم أن قولها لن يغير شيئًا.
لطالما كان أنانيًا، لطالما فعل ما يريد دون أن ينصت لأحد!!!
«افعل ما تريد.»
ألقيت الأوراق على الطاولة.
الصوت الجاف للورق وهو يرتطم بالسطح الخشبي كان صغيراً، لكنه حاسم في صمته.
نهضت من مكاني، جسدي كان مشدودًا، وخطواتي ثابتة عكس دواخلي التي كان كل شيء يهتز فيها.
اتجهت نحو الباب دون أن ألتفت. لم أكن أريد أن أرى وجهه، ولا تلك النظرة التي أعرفها جيدًا.
طوال المسافة القصيرة بين المكتب والباب، كنت أسمع أنفاسي فقط، ثقيلة وغير منتظمة، تملأ أذني وتطغى على أي صوت آخر.
وحين وصلت، جاءت كلماته. لا بصوت عالٍ، إنما نبرة واضحة وهادئة.
«أخطط للإعلان أنه طفلي المفقود الذي أنجبته والدتك في آخر حياتها، لذا تماشى مع الأمر.»
توقفت يدي عن الحركة. كانت معلقة في الهواء، على بعد بوصات من مقبض الباب البرونزي البارد.
لم أدرِ كم من الوقت بقيت واقفًا هكذا، يدي على مقبض الباب دون أن أفتحه. ربما ثانية، ربما عشر.
الكلمات لم تحتج إلى صراخ أو شرح، فقد كانت كافية وحدها. "تماشى مع الأمر".
شعوري، وضعي، ذكرى والدتي... كلها مجرد معطيات يجب "التماشي" معها.
شعرت بشيء ينطفئ داخلي، بلا غضب، أو صدمة، فقط... قرار بارد يتشكل في العتمة التي خلفها ذلك الانطفاء. قرار بالانفصال.
نهاية.
اشتدت قبضتي على المقبض. شعرت بصلابته تحت أصابعي، وكأنني أتشبث بشيء أخير، شيء مادي وحقيقي، قبل أن أغادر.
قلت بصوت منخفض، خالٍ من أي تردد، موجهاً كلامي إلى الغرفة خلفي دون أن ألتفت:
«لا تتوقع مني معاملة هذا الطفل كأخ لي.»
لم أبتغي بذلك التهديد أو الاحتجاج، إنما كان فقط حدًا واضحًا أحمي به نفسي.
فتحت الباب أخيرًا. صرير المحور الخفيف مزق الصمت.
كنت مستعدًا لإغلاقه بحدة، لإنهاء المشهد كما يجب، لكن الحركة توقفت فجأة.
الطفل كان يقف أمام الباب.
لم يكن قريبًا جدًا، ولا بعيدًا.
فقط في المكان الخطأ في اللحظة الخطأ. مظهره تغير؛ ملابس نوم من الكتان الناعم تبدو عليه، شعره الأسود الرطب مفرّق بعناية عن جبينه، وجهه النظيف لا يحمل أي أثر للوحل السابق.
لكنه كان واقفًا بجمود واضح، كتفاه مشدودتان إلى أذنيه، ويداه الصغيرتان ممسكتان بثوبه بقوة جعلت المفاصل تبيض.
لم أسمح لنفسي بالتوقف طويلًا. لم أنظر إلى عينيه، ركزت على نقطة على الحائط خلفه.
ألقيت آخر كلماتي ببرود وأنا أتجاوز عتبة الباب:
«استمتع مع ابنك المفقود إذًا.»
.............
hind