هدوء ما قبل العاصفة

هدوء ما قبل العاصفة

22 0

موسكو- 2pm

روسيا

كان محل الملابس في وسط مدينة موسكو الباردة يعج بالزبائن في هذا اليوم من عطلة نهاية الأسبوع.

الأضواء الساطعة تنعكس على المرايا الكبيرة، والموسيقى الهادئة تملأ المكان.

ماريا كانت تتنقل بين الرفوف بحماس واضح، عيناها تتفحص كل قطعة ملابس بدقة، بينما سيلفادور يسير خلفها بخطوات كسولة، يداه في جيوب سترته، وملامح الملل تغطي وجهه.

شعره الأسود الفوضوي يبدو أكثر تمردًا من المعتاد، وكأنه يرفض فكرة التسوق بأكملها.

- نمط أكثر أناقة سيكون أفضل...

قالتها ماريا وهي تتجول بين الرفوف بخبرة مزيفة،

هي بالكاد تعرف شيئاً عن الموضة... حتى لو كانت في السادسة و العشرين من عمرها.

بينما وقف سيلفادور وكأنه دمية خشبية تم نقلها بالقوة من غرفته.

كانت عيناها تلمعان بذلك البريق الذي عرف منه سيلفادور أن محفظته... أو بالأحرى محفظة ماريا ستفلس اليوم دون شك.

- سيكون هذا لطيفاً !

لم يكن سيلفادور يستمع. كان قد انجرف نحو قسم الإكسسوارات، يتفحص النظارات الشمسية بفضول طفولي، يجرب واحدة تلو الأخرى أمام المرآة الصغيرة، يميل رأسه بزوايا مختلفة وكأنه في جلسة تصوير.

- سيلفادور ؟

أدارت رأسها تبحث عنه بين الرفوف، لكنه اختفى تمامًا عن الأنظار.

- سيلفا !

- ماذا؟!

قفز من مكانه، مما دفع الزبائن إلى الالتفات نحوه بدهشة. عيناه الزرقاوان تلمعان بمرح و ابتسامة حمقاء تزين وجهه الطفولي.

على الرغم من أنه في العشرين من عمره... إلا أن ملامح وجهه دائما ما تحمل بريقًا مرحًا، تمتلك تلك الطاقة الشبابية المعدية.

قامته المتوسطة وطبيعته الودودة جعلاه محبوبًا بين زملائه في الجامعة.

- أين ذهبت؟ كنت أبحث عنك!... إذن، ما رأيك؟

رفعت القميص البني أمامه بابتسامة متحمسة، لكن سيلفادور نظر إليه بعدم اكتراث واضح.

- لماذا تثيرين هذه الضجة بينما سأقابل صديقك قليلًا فقط؟

كان صوته يحمل نبرة احتجاج خفيفة. لم يفهم لماذا يجب أن يرتدي ملابس رسمية للقاء شخص غريب، حتى لو كان حبيب أخته.

- انظر، هذا لطيف ورائع.

تجاهلت اعتراضه تمامًا وواصلت رفع القميص أمام وجهه.

- لا تغيري الموضوع. أنتِ تعرفين أنني أكره هذا اللون... البني. إنه... مقرف!

قالها بجدية تامة، ما جعل ماريا ترفع حاجبيها في استياء واضح.

- أختي، حقاً ليس هناك حاجة للوصول إلى هذا الحد.

تنهدت تنهيدة طويلة عانت فيها من كل قرار خاطئ في حياتها أدى إلى هذه اللحظة.

أدارت ظهرها له واتجهت نحو البائع مبتسمة ببراءة مزيفة.

- عذراً، أود أن أشتري هذا القميص والبذلة التي رأيتها سابقاً.

- آهه! قلت إني أكره هذا !

لكن ماريا كانت توقّع على البطاقة بالفعل. نظر سيلفادور إلى البائع متوسلاً، لكن البائع ابتسم له ابتسامة مهنية كأنها تقول "مصيرك محتوم أيها الفتى المسكين".

خرجوا من المحل، وهو يحمل أكياساً تشعره بأنها أثقل من روحه. فإضافة لملابسه... اشترت أخته العديد من التنسيقات التي جعلته يشك إن كانت ستقيم عرض أزياء.

المشي في الشارع الروسي البارد مع أخته التي تبدو راضية تماماً جعله يشعر بأنه في مسيرة إعدام، ولكن جزءاً منه كان ممتناً لذلك.

- إذن... كم عمره مرة أخرى؟ أعني حبيبك...!"

كسر الصمت بسؤاله المفاجئ.

- ستة وثلاثون...

لم يكن الصوت الذي خرج من سيلفا صرخة، ولا ضحكة مذعورة. كان شيئاً بين الاثنين، صوتاً قصيراً مكتوماً كما لو أن شخصاً داس على لعبة بطّة مطاطية بحذاءه.

- ماذاااا ؟!

1

توقف عن المشي للحظة، عيناه الزرقاوان اتسعتا في صدمة حقيقية.

- مجنونة صحيح؟! أليس كبيراً قليلاً؟! هذا رجل في أوج عافيته، وأنا... أنا لا أزال طفلاً مقارنة به!

هز رأسه في عدم تصديق، شعره الأسود يتطاير مع الحركة. الرجل أكبر من أخته بعشر سنوات، وأكبر منه بستة عشر عامًا كاملة!

نظرت إليه ماريا نظرة الأم الحكيمة ثم أكملت سيرها وردّت بنبرة دفاعية خفيفة.

- إن ديميتري شخص لطيف. ستعرف ذلك عندما تلتقي به.

بدأ سيلفادور يفكر في الأمر. هل هذا الرجل حقًا لطيف؟ أم أن أخته ببساطة لا تجيد اختيار الرجال؟

تذكر صديقها السابق الذي كان مهووساً نرجسياً يتحدث عن نفسه طوال الوقت، والآخر الذي كان يرتدي قمصانًا ضيقة سخيفة انقرضت موضتها منذ جيل الألفينات.

أخته الغبية، رغم كل حنانها واهتمامها به، إلا أنها لديها موهبة غريبة في اختيار الرجل الخطأ.

- على أي حال، سنلتقي به معًا.

- آهههه...

تنهد بصوت عالٍ، يعبر عن استسلامه الكامل لمصيره.

كان على وشك تقديم حجة أخرى، عندما...

دوت نغمة هاتفه، تلك النغمة الغريبة التي تجعلك تتأكد أن طفلاً ما قد عبث بإعدادات الهاتف بلا شك.

- أوه. أختي، انتظري، شخص ما يتصل.

أخرج هاتفه ونظر إلى الشاشة. اسم المدعي العام أندريه سيرجيفا يومض على الشاشة.

- همم؟ من هو؟

سألت بفضول، بينما توقفت عن المشي وأمالت رأسها قليلًا.

- هيهي..

ابتسم ابتسامة غامضة ورفع الهاتف إلى أذنه.

ابتعد سيلفادور خطوتين، محولاً ظهره لها محاولاً إخفاء نبرة صوته.

- نعم، هذا أنا، أيها المدعي العام.

قالها بمحاولة فاشلة لإضفاء بعض الجدية على صوته المرح.

تأملت ماريا أخاها وهو يتحدث. إذن، إنه ذلك المدعي العام الذي يتصل بسيلفادور من حين لآخر ليطمئن على أحواله، على حسب علمها أنهما كانا صديقين منذ بضع سنين بسبب تلك الحادثة.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكن ابتسامتها تلك تجمدت عندما رن هاتفها هي الأخرى ونظرت إلى الشاشة.

تغيرت ملامحها فجأة. وجهها الذي كان مسترخياً ومرحاً تلاشى، ليحل محله تعبير جاد لم يره سيلفا إلا في المناسبات النادرة والكئيبة.

- نعم، هذه أنا، ماريا غورين.

ردت على هاتفها بصوت أقل حماسًا من المعتاد.

استدار سيلفا لينظر إليها، ممسكاً بهاتفه على أذنه. ورأى شحوبة طفيفة تعلو وجنتيها.

- أوه...!

همست ماريا، وعيناها تتسعان.

- حسناً، الآن...؟

كان صوتها مشوشاً، وكأنها تحاول معالجة أمر غير متوقع. قطع سيلفا مكالمته بسرعة.

- أيها المدعي، سأتصل بك لاحقاً.

أغلق الهاتف ونظر إلى أخته بقلق، عيناه الزرقاوان تحدقان فيها محاولتين فهم ما يحدث.

- أختي... هل حدث شيء ما؟

كانت ماريا قد أنهت مكالمتها أيضاً، وبدأت تبحث في حقيبتها بتوتر خفي.

- سيلفادور، انتظر... أعتقد أنني يجب أن أذهب إلى الشركة. شيء ما حدث للتو...

كان صوتها مضطربًا قليلًا، وقد بدأت تنظر حولها تبحث عن سيارة أجرة.

- ها..! الآن؟ ألم تأخذي يوم عطلة؟ لماذا ستذهبين الآن...؟

كان الارتباك واضحًا في صوته. هذا ليس طبيعيًا. أخته لا تترك عطلتها أبدًا إلا لسبب جدي.

- سوف أعود، لا تقلق. اذهب للمنزل أولًا.

قالتها بسرعة، وهي تلوح بيدها لسيارة أجرة قادمة.

- سوف أذهب معك!

تقدم خطوة نحوها، لكنها رفعت يدها توقفه.

- لا، لا بأس! أستطيع أخذ سيارة أجرة.

وجدت ما تبحث عنه، وأومأت لسيارة الأجرة التي كانت تمر بالقرب منها فتوقفت عند الرصيف. التفتت إليه أخيراً، ولمست كتفه بسرعة.

- سأتصل بك بأسرع ما يمكن. وعد، الآن... اذهب إلى المنزل.

نظر إليها. كانت عيناها اللطيفتان تحملان الآن إصراراً لا يقبل الجدال، وقلقاً حقيقياً حاولت إخفاءه تحت ابتسامة سريعة.

- أوه... حسنا إذن.

وقف سيلفادور في مكانه، يراقب سيارة الأجرة وهي تبتعد وتختفي في زحمة مساء موسكو، ابتلعت الشارع معها بين أضواء السيارات والإعلانات المتلألئة.

شعور غريب بدأ يتسلل إلى صدره، لم يختبره من قبل. كان كل شيء يبدو طبيعيًا، لكن هناك شيئًا ما في الطريقة التي نظرت بها إليه، شيئًا في عجلتها غير المبررة.

لماذا يشعر أنه لن يراها مرة أخرى؟ كان هذا الشعور سخيفًا، بالطبع. هي فقط ذاهبة إلى العمل. صحيح؟

ستعود للمنزل في المساء كالعادة، وستطبخ له شيئًا لذيذًا، وسيتجادلان حول برنامجهما المفضل.

هز رأسه محاولًا طرد هذه الأفكار السوداء. ربما هو فقط جائع، أو ربما لا يزال منزعجًا من القميص البني اللعين.

ضحك على نفسه ساخرًا، ثم بدأ يسير نحو محطة المترو، محملاً بثقل الأكياس، يده تمسح شعره الأسود الفوضوي في حركة عصبية.

على الأقل ارتاح من مقابلة ذاك العجوز حبيب أخته، فهو يكره المقابلات الرسمية. أغلبها كانت تنتهي بإقحام نفسه في مواقف محرجة.

ترى ماذا ستكون وجبة العشاء الليلة؟ فكّر أنه ربما بإمكانه طلب البيتزا لو تأخرت ماريا.

أو ربما سيحاول طبخ شيء بنفسه، رغم أنه سيكون كارثة على الأرجح. ابتسم لنفسه وهو يفكر في ردة فعل أخته لو عادت ووجدت المطبخ في حالة فوضى.

شدّ ياقة معطفه قليلًا، وأخرج هاتفه يتفقد الوقت، قبل أن يكمل طريقه نحو المحطة بخطوات متثاقلة.

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظلال موسكو

المؤلف vanilliana
2026/01/23 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة