[ صَـقيعٌ وَسط دِفـئ ]
- وضعت فنجان قهوتها المميزة و التي تعد خصيصا لأجلها بالقرفة و بدون سكر مع القرنفل و الكثير من الرونقان بعد إرتشافها ، أخذت تلك الرشفة ثم عادت للإنصات بعدما إنضمت لجو الحديث الذي شدها عبر الهاتف مع صديقتها لمدة ،
كانت تعابير مبتهجة ترتسم على ملامحها مع لفحات الهواء التي تضرب خصلات شعرها المموج كموضة فخمة ،
تجلس على الأريكة و أمامها منضدة صغيرة عليها زهور الأقحوان في مزهرية جميلة الزخارف بالإضافة الى كوب قهوتها فقط ، كانت هذه الجلسة في أعلى طابق في القصر حيث يطل المنظر على الحديقة و المسبح بأكمله ... كان مكانها المفضل
ضحكت بتصنع و هي تجاري المتحدث عبر الهاتف لتنهي تلك المكالمة مردفة
- بالتّأكِيد أيُعقلُ ألا أَحضُر! إنّها فُرصَة جَميلة! ، بالطّبع ... سَأوافيكِ بإتّصالٍ قَريب! .
أغلقت المكالمة لتضع هاتفها و تعود لرفع كوب القهوة و الإرتشاف منه بالنظر للاطلالة أمامها و السرح في تخيلاتها التي بنتها على مطامعها و أنانيتها ، لتنهض من مكانها و تنزل عبر سلالم القصر الخزفية و هي تنادي رئيسة الخدم بأعلى صوتها
- سِيڤداام ... تَعالي! .
تركت رئيسة الخدم كل شيئ من يظها عندما سمعت صوت سيدتها حادة المزاج تناديها لتجري و تلقاها تقف منتصف الدرج بنظرة جافية ،
- ألَم أطلُب مِنكِ أن تَأتي فَور مُناداتي لَك ؟ .
- عُذرًا سَيدتي قَدمتُ فور سَماعي لَك لكن لَم أعلم من أي إتّجاه فالقَصر وَاسع! .
- حَقًا! تُجيبين إجَابات بلا فَائدَة! أين أمّي؟ .
- السيّدة آيلايدَا تَقرأُ كِتابا في غُرفة مَكتَبها طَلبَت منّي أن أُحضر لَها دَوائها! .
رفعت نظراتها لسيڤدام تتفحصها من أعلاها لأسفلها لتنزل الدرج المتبقي لتقول و هي تقابلها مباشرة ،
- هَاتي الدّواء أنَا سَآخُذه إليهَا! .
هزت رئيسة الخدم رأسها بإنصياع لتبتع عن طريق خطوات تلك السيدة المتبجحة التي دخلت المطبخ و بدأت في النظر إلى العاملين هناك أثناء تجهيزهم لمائدة العشاء ، نظرت السيدة داملا بعيونها الحادة عن كثب العمل داخل المطبخ و كم كانت حركات الطاهية و مساعدتيها حذرا بحيث يتجنبن أي تنبيه
أسرعت إحداهن في جلب صينية عليه كأس ماء و دواء السيدة آيلايدا لتأخذه منها السيدة داملا و تخرج من المطبخ ، تاركة الجميع خلفها يتنفس بإرتياح
- دقت الباب دقتين برقة رفعت رأسها بثقة ترتب وضعيتها قبل دخولها لتصدح الأخرى من خلف الباب تأذن لها بالدخول ، فتحت الكنة الباب و إذ بها تجد حماتها على إحدى الكنبات تضع نظاراتها و بين يديها كتاب تقرأه ، فور رؤية السيدة آيلايدا لداملا تخطوا بخطواتها داخل المكتب تتصنع هذه الحركات على غير المعهود عليها ،
- أمّي أَحضرتُ لكِ دَوائَك! .
أغلقت كتابها و نزعت النظارات عن عيونها لتبتسم برسمية
- سَلمتِ مَا كَان عَليكِ إِتعابُ نَفسِك .
- أيّ تَعبٍ يا أُمي .. تَفضّلي .
جلست على الكنبة بجانب حماتها بعدما بادلتها بتلك الإبتسامة المتملقة لتعدل الاخرى جلستها و قد مدت لها الصينية ، بلعت قرص الدواء ذاك ثم إرتشفت قليلا من المياه بعده ، لتلتفت لكنتها الجالسة بجانبها و قد فهمت أن تصرفها هاذا ما هو إلا لجذب أو فتح موضوع ما! .
- أَتعرِفينَ يا أُمّي كنتُ أُريد أن أقتَرحَ عَليكِ أمرًا لَكن يَبدو أنّك تَحتاجِين لِقسطٍ من الرّاحَة! .
- لا عَليكِ أنَا بِخير قُولي مَا لَديكِ .
حاولت المرأة الحكيمة مجاراة هذه المرأة متقلبة الأحوال و المزاج دائما صارت الآن تفهمها أكثر من أي شخص و لقد حفظت تصرفاتها عن ظهر قلب ، هاتان السيدتان بقدر الوقت الطويل الذي أمضتاه معا لا زال بينهما شرارة طفيفة تحاول داملا دوما إشعالها ... كانت داملا قد تزوجت في سن صغير عندما قدمت إلى هاذا القصر الكبير كعروس و كنة للعائلة و لطالما عاملتها السيدة آيلايدا كإبنتها و لم ترها يوما كـكنة و تمنت لو أنها تراها بالمثل تراها كأمها ،
أدركت زين الأوقات التي أمضتاه معا في هاذا القصر عندما كانت عروسا و عندما أنجبت الحفيد الأول و الثانية و الثالث للعائلة لا تزال ممتنة لها أنها قد أضافت حياة و جعلت هذه العائلة تكبر و تزهر
كانت تلك الاوقات جميلة لكنها إختلفت بعد وفاة إبنها الوحيد المتبقي لها ، و صار على هاتين السيدتين الوقوف على أقدامها معا لأجل إسم هذه العائلة
بدأت تنظر مقابلة إياها و بعض من الرهبة إتجاهها ربما هي تعرف جواب حماتها الصارم كعادتها لكنها لن تكف عن المحاولة
- صَديقتِي سَتقيمُ حَفل زَفافٍ إبنِها و قَد دَعتنِي .
باشرت لسيدة آيلايدا بالإبتسام لكنتها تنتظر منها إكمال كلامها ،
- إذًا ؟ .
- أعتَقدُ بِما أنّه زَواج إبنِها الأَول سَيكُون فَخمًا قُلتُ لمَا لا نَذهبُ أنَا و أنتِ سَويًا .
رفضت السيدة آيلايدا تلقائيا و بدون أي لف أو دوران و بطريقة لبقة
- دَاملا تَعرفِين رَأيي مُسبقًا بِهاذا الأَمر! .
- لَكن صَديقتِي أَرسلَت دَعوَة رَسميّة لَك! و هِي تَتمنّي حُضورَك! .
- لا أُحب هَذه الأنوَاع من الحَفلات المَليئَة بالبُذخ و تَبذيِر الأموَال! أُفضّل الحَفلات البَسيطَة و الغَير مُبالغٍ بِها يُمكِنك الذّهاب لوَحدِك! .
تغيرت ملامح داملا لتتحول لأخرى مستاءة لوت شفاهها بحنق واضح لتنهض من مكانها بعصبية
- أنَا لا أَفهَمكِ حَقا لا أفهَمك يا أمّي! .
- و أنَا أتّفق مَعك .. أعتَقد أنّك لا تَفهمينَني و نَحنُ مَعا طِوال هَته السّنوات! .
مشت نحو الباب منتفضة و صوت قرع كعبها يسمع بشكل جيد دليلا على نرفزتها لتتجه نحو باب المكتب ، ما إن وضعت يدها على مقبض الباب حتى سمعت صوتها من خلفها يحدثها ،
- فلتَنتَضريني لِننزِل معًا لغُرفة الطّعام! .
- لا بَل سَأسبِقك يا أُمّي .
بعد هاذا الكلام خرجت من غرفة المكتب غير مبالية لعرض حماتها و لنقل أنها صارت لا تتحملها أبدا .... مرت بخطواتها من أمام غرفة مليس التي كانت بدورها قد خرجت لتوها من غرفتها لتستوقفها ،
- أُمّي من الجَيد أنّي صَادفتُك .
توقفت الام تستمع لما تحاول إبنتها قوله بأعصاب مشدودة تنتظر فقط الوقت للإنفجار ، بينما الأخرى مترددة بحركاتها أمامها تحاول جذب إستحسانها قبل فتح الموضوع
- صَديقتِي سَتشارِك بمَدرسَة للفُنون مَشهورة بفُروعِها الكَبيرَة هُنا في إسطَمبُول لَديهِم العَديد مِن المُتخَرجِين الذِين صَارو رَسامِين عَالمِيين ... لَديّ إهتِمامٌ كَبير بِها .
- مَا هذا الذِي تَهذينَ بِه! مَدرسَة للفُنون مِن أينَ تَأتين بِهذه الأفكَار السّوقيّة هَاذا مَا كان يَنقصُني .... ألا يُمكِنك إنعَاشِي بشيئٍ جَيد لا يُوجدُ إلا مَن ينهَال عَليكِ بالطّاقة السّلبيَة في هَاذا البَيت .
كلام مليس لم يكن سوى نقطة صغيرة أشعلت الفتيل برأس داملا لتنفجر على إبنتها بعصبية بينما هي تجمدت ملامحها لا تعلم اي خطأ إرتكبته ، تسارعت خطوات الأخرى إلى غرفة الطعام بعصبية لتردف مليس
- بِالطّبع أنتِ أَيضًا .
في غرفة الطعام الفخمة تلك جلست داملا في مكانها المعتاد تطقطق كعبها على الأرض بنرفزة دخلت مليس غرفة الطعام و جلست في صمت تقابلها ، هي حتى لم تجرئ على رمش عيونها مخافة غضب أمها
ماهي إلا ثوان دخلت السيدة آيلايدا بإبتسامتها لتجلس على مقعدها تترأس الطاولة ، فور رؤيتها لها رفعت رأسها بتعجرف ليس و كأنها كانت تغلي من القهر قبل قليل و بعد موقفها مع حماتها السيئ ، إنتبهت السيدة الحكيمة لإنزعاج كنتها لكنها إستمرت فالإبتسام و مفاتحة مليس في عدة مواضيع
سمعت داملا صوت الخطوات القادمة لتتجه بأنظارها نحو الباب و ما إن حدقت في شكله الأنيق و العريض حتى تبددت معالمها و عرضت عليه إبتسامة حب أمام إبنتها التي تنظر لها بحسرة
- تُولغَا! تَعال و إِجلِس بِسرعَة سنَتناوَل العَشاء!! .
- قَدمتُ يا أُمّي! .
وزع إبتسامة صغيرة لا تكفي أحد! ثم دخل ليجلس على كرسيه في صمت مطبق ، تولغا بطبيعته جدي وواقعي أيضا و له كريزما خاصة به تنضخ فقط عندما يجلس صامتا بل لنقل أن ما خلف ذلك الصمت شيئ عظيم ، بالإضافة إلى تعجرفه الذي ورثه عن أمه
- أَراكَ تَجلسُ لوَحدِك دَوما أيّها النّمر هل هُناك ما يَشغلُك ؟ .
إلتفتت جدته له لتجذب بعضا من الحديث معه ، في حين رفع عيونه بثقل يجيبها
- أنَا أجدُ رَاحتِي لِوحدِي ... لِماذا تُنادينَني دَوما بالنّمر ؟ .
- لا يَحقُ لَك أن تَفعلَ بِنفسِك ذَلك تَحتاجُ للجُلوسِ مَعنَا و بِناءِ الكَثير من العَلاقات خَارجا ... لا تُدخل نَفسيتَك فِي دوّامَة لن تَستطِيع الخُروج مِنها ، الإنعِزال مَرض قَاتل!! ، أنَا لَن أُجيبَك عَلى سُؤالِك لِتعرِف بِنفسِك .
- أنتِ غَامضَة جِدا يا جَدتي! .
- و أنتَ تُشبهُني بِغمُوضي هَاذا! .
إبتسم على حنيتها و صوتها الذي يكون دواءا للجميع ، إنه يرى في جدته حنان والده الذي لم يعرفه و برغم أن السنوات الماضية في صغره كان الأحوج إليه إلا أن جدته عوضته عن كل ما إفتقده و حتى الآن هو كذلك ، لا يستطيع أحد فهمه من غير جدته و لا أمان آخر غيرها
تولغا على الرغم من النضج الذي يبدو عليه إلا أنه لم يجتز 22 بعد شكله الرياضي المثير للإعجاب و وسامة وجهه الجذابة
كما أن لديه الكثير من الزحامات و المشاكل بداخله التي لا يفهمها هو نفسه ، في الآونة الأخيرة أصبحت هناك الكثير من المشاعر الغير مفهومة و إزدادت الصراعات بداخله صار أكثر إنعزالا و كي لا يؤذي أو يسيئ لأحد ،
لن يستطيع أبدا كبح نفسه عن إستنكار شخصية والدته النرجسية و لن يمكنه التأقلم مع شخصية حيوية مثل أخته مليس لأن ذلك عكسه تماما أما بالنسبة لألب ! فقد إزدادت الحواجز الجليدية بينه و بين أخيه الأكبر
رفع أنظاره ناحية الباب و ما إن تمدد ناظره حتى رآه يدخل بشكله العريض و المهيب حتى إستنكرت ملامحه تلقائيا و أخفض رأسه مبعدا نظراته عن أخيه
- شَرفتَ أَخيرًا يا سَيد كِرينمَان! .
قالت ذلك مليس تزامنا مع دخول أخيها التي تبدو ملامحه متعبة حقا لكنه لم يتجاهل مزاحها أبدا ليرد بطريقة عفوية
- ألا تَبدو مُناداتُك لِي بِهذِه الطّريقَة كَأننِي عَجوز هَذه العَائلَة .
- بَل لأنّ إِسمَ العَائلَة كُله سَيذكَر لذِكرك و عَما قَريب سَتصبِح أنتَ سَيد هَذه العَائلَة .
نبست بإبتسامة لإبنها و بصوتها الواثق وجهت نظارات لاذعة إلى حماتها ككلام موجه لها ، تداركت السيدة آيلايدا الوضع و مررت إبتسامة للجميع لتنتظر جلوس حفيدها الذي عدل وضعية الكرسي ليجلس عليه بينما كان بقية الخدم قد بدؤوا سلفا بوضع الأطباق على طاولة العشاء ،
- تَلقيتُ دَعوة إِلى حَفل زَفاف إِبن عَائلة كَايا! .
قال ألب ذلك ليفتح موضوعا على طاولة العشاء و هو يقابل أمه التي رفعت حواجبها بإهتمام لتجيبه
- حَقا! جَميلٌ جدًا إنّه إبنُ صَديقَتي الغَاليَة جِدًا لكِن لا أَحد يَرغبُ بِمرافَقتي سَيكون رَائعًا لَو نَذهب معًا! .
- أعتذِر أمّي لَدي أَعمالٌ تَصل إلى جَبهتي لِكثرتِها و عَليّ إنهائُها لتَذهب مِليس مَعك .
أبعدت مليس نظراتها عن أمها بإنزعاج و بصوت مخنوق أجابت اخاها بسرعة ،
- لا يا أَخي أنَا لَن أَذهَب .
عرضت السيدة داملا يديها اتجاه مليس و إبتسمت بسخرية على تصرفاتها ،
- أُنظُر إلى وَحيدَة أمّها البَناتُ الوَاعيات يَسرنَ مع أُمهنّ جَنبًا إلى جَنب ... مَاذا عَنك أنتِ ؟ .
أطبقت مليس فمها و لم تجب بحرف على والدتها لكن بداخل حلقها غصة تمنت لو أنها فقط تصرخ و تفرغ غضبها على هذه الطاولة بحيث لا تكف أمها عن إستصغارها طوال الوقت ، غير ألب الموضوع فورا عندما رأى أن الوضع بدأ يتوتر ... أمسك بالشوكة و السكين و بدأ في تقطبع قطعة اللحم أمامه نابسا
- لا أَعلمُ كَيف يَتزوّج المَرء بِهذه السّرعة و لا أَدري كَيف يَتم مِثل هَذا الزّواج السّريع .
أجابته والدته تلقائيا بعد أن إستغلت الفرصة للتطرق للموضوع
- بالتّأكِيد لأنّ إستطَاعُوا إِيجَاد شَريكَة العُمر .
أخفض ألب رأسه يمضغ طعامه و يحاول التهرب من الموضوع لقد ندم حقا لأنه تحدث عن موضوع الزواج فإلحاح أمه المستمر لا يزال يلاحقه و لن تمل أبدا عن تكرار نفس الأسئلة عليه ،
- أَلب ألا تُوجَد هُناك أي وَاحدَة تَنال إعجابَك ؟ .
- لا يا أُمّي! .
- أنتَ مُتأكِد لا تَشعُر بالخَجل؟ .
- مُتأكّد و لا أَشعُر بالخَجل! .
- و لا وَاحدَة ؟ .
- لا أَحد! .
كانت الكلمات تعبر على مليس و روحها تضحك بشيطانية لطالما أعجبها موضوع زواج أخيها و لطالما أحبت أن يكون هناك فتاة أخرى في العائلة لتكونا مثل الأختين ، أما السيدة آيلايدا فلقد كانت تبتسم حقا على هذه الفكرة و لا يخفى حماسها للأمر لكنها كانت متقبلة لموقف حفيدها و لن تضغط عليه كما تضغط عليه أمه ،
- أَلب ... لِتعلَم! الزّواج لَيس حَفلة و زَوجَة! بل هو بِناء أُسرَة مُترابِطة و قَويّة يَملئُها الحُب و الأَمل تَلجَئ لَها وَقت الضُعف و تَمدك بالقّوة وقَت الأَزمات!! لَيس من الصّعب تَوقيعُك لوَرقة و إمساكُك لِيد زَوجتِك!! لَكن مسؤُوليّتها التِي سَتقع عَلى عَاتِقكَ صَعبَة رُبما لا زَال هُناك وَقت لِتفهم مَعنى كَلامِي .
قلبت داملا عيونها بملل و ساءها مثل هذه التذكرة من حماتها التي يجب أن تبدو المراعية دوما ، لتكمل السيدة آيلايدا كلامها قائلة
- و رَغم ذَلك سَأكونُ سَعيدَة لو تَكبرُ عَائلتنَا لِذلك لا تتَردد فِي إِخبَاري عن أَي فَتاة تَراها مُناسبَة لَك ... و نَفس الوَضع بالنّسبَة لَك تُولغا!! .
فتح الجميع عيونهم بصدمة من كلام السيدة آيلايدا الذي تقوله الآن لتلتفت لها داملا بكلمات منفعلة
- مَهلاً يا أُمّي! أنتِ لا تَمزحِين تُولغا لا يَزال صَغيرًا لا يُعقلُ أن نتَقدمَ لأيّ فَتاة تُثيرُ إنتبَاهه .
- لَيس عَيبًا طَلبُ يَد البِنت من بَيت أَهلهَا هَذه أَعرافُنا بل العَيب إتّجاه مِثل هَؤلاء الشّباب لعَلاقَات قد تَصيرُ عَارا عَليهم بِسبب إعجَابٍ لوَهلة! بالنّسبَة لِي لا بَأس بِدعمِهم لَكن بِما يَتماشَى مَع دِيننَا و تَقاليدِنا .
لم يعجب هاذا الكلام داملا أبدا قلبت ملامحها و راحت تأخذ قطع الخضار بالشوكة و تأكل رغم إخفائها لإنفعالاتها فوق مائدة العشاء ، الأمر الذي جعل ألب ينتبه لتصرفات أمه التي لم و لن تتماشى مع عقلية جدته تابع تناول الطعام بصمت مطبق
لينتبه عندما وضع أخوه تولغا منديل طعامه فوق الطاولة لينهض من كرسيه و يتحدث من بين أسنانه بحدة ،
- لا تَقلقِي يا أُمي أنا لَن أتّبعَ تَعالِيم أَي أَحد و لَن أَمشِي مِثلمَا تُحبّون .... لَن أُجَبرَ عَلى أَعمالِ الشّركَة مِثل أَلب و لَن تُقيدُوني بِرغبَاتكُم مِثل مِليس ، لَن تتدّخلوا بِي أَبدًا .
نهوضه من طاولة العشاء بتلك الطريقة وتّر الجو كثيرا و نزع شهية الجميع لتناول الطعام ، جمعت مليس يديها في حجرها مطأطأة رأسها بأسف على هذه الحالة أما ألب فقد ترك شوكته و سكينه جانبا ثم إبتسم بإمتعاض و قد نُزع مزاجه أكثر بعد ما قاله تولغا ،
- بالعَافيَة عَليكُم! .
لم يمر القليل من الثواني إلا و مليس تفعل نفس الأمر و تنهض من طاولة العشاء متجهة إلى غرفتها بمزاج معكر لتبقى داملا و السيدة آيلايدا لوحدهما على طاولة العشاء ،
شبّكت داملا أصابع أيديها مستمتعة بالوضع بعد أن أنتزعت تلك القعدة العائلية ، فرحت لأن الأولاد إتخذوا موقفا من جدتهم لكن آيلايدا بشخصيتها المتفهمة و الحساسة تعرف أحفادها أكثر من أمهم و ستحاول أن تفهم بطريقتها ما معنى الذي حدث ،
- مرت تلك الليلة و في صباح اليوم التالي صدح رنين منبه مليس الراقد بجانب وسادتها و هو يشير إلى الساعة السابعة و الربع ، كعادتها جرت إلى حمامها الخاص في غرفتها أخذت حماما ثم راحت تمشط شعرها البني الذي إنسدل بشكل لافت على كتفيها ثم لا يمكنها أن تبدأ يومها بدون تنظيف بشرتها ،
بعد أن صارت بشرتها تلمع وضعت بريق شفاه فقط فهي لا تحتاج لمستحضرات التجميل لتبدوا جميلة .
أسرعت بإرتداء ثوبها ذا اللون السماوي و الذي كان بسيطا و جميلا غير ملفت مع كعب نصف عالٍ لتحمل محفظتها و تغلق باب غرفتها ، جرت و هي تنزل عبر الدرج بخفة خشية لمح أمها لها ... فهي لا تريد سماع بهدلة منها كالعادة تعكر هاذا الصباح ،
صادفتها كبيرة الخدم سيڤدام التي حيتها تحية الصباح مشيرة لها التوجه إلى صالة الطعام للتفاجئ بسرعتها و هي تغادر ،
- آنِسة مِيليِس مَاذا عَن الإفطَار ؟ .
- لا عَليكِ سَأتنَاول شَيئًا في مَقهَى الجَامعَة عَليّ المُغادرَة قَبل أن تَرانِي أُمّي .
أسرعت إلى مرآب السيارات الضخم حيث سيارتها الحمراء الخاصة لكنها تركبها مع السائق آرهان الذي يعمل لدى العائلة ، أشارت عليه ليوصلها فورا فتح الباب الخلفي لها لتجلس ثم يقود السيارة هو متجها إلى جامعتها الكبيرة ،
خرجت من السيارة بعد أن أوصت آرهان ان يعود لإصطحابها بعد نهاية الدوام ، دخلت مبنى الجامعة متوجهة لمكانها المفضل حيث تجلس هي و صديقتها المفضلة كالعادة ..... مقهى الجامعة
وصلت لتتفقد صديقتها وسط الطلاب الجالسين على طاولات المقهى و ما إن رفعت الاخرى يدها لها حتى توجهت مليس إلى الطاولة حيث تجلس ، سلمت على صديقتها وأخذت الكرسي لتجلس عليه
- صَباحُ الخَير يا فَتاة أتَيتِ اليَوم مُبكّرة!! .
- أَجل لَم أَتناوَل طَعامَ الإفطَار بَعد .
أشارت مليس على النادل بيدهل ليأتي إليها و تقوم بطلب بعض الأطباق لها و لصديقتها ، بعد إنطلق النادل لإحضار طلباتها إبتسمت رفيقة مليس و راحت تستفسر
- عَلى مَا أعرِف تتَناولُون الإفطَار مَعا عَلى طَاولَة فَخمة مالذِي جَعلكِ تُفطِرين هُنا ؟ .
تنهدت مليس و قلبت عيونها بإستياء على سؤال صديقتها و راحت تفرغ همها لها ، جانسو هي صديقة مليس الوحيدة و صندوق أسرارها لا يحدث شيئ إلا و هي ملجئها و الملاذ الذي ترتاح له ،
- أرجُوكِ جَانسُو لا تُذكّريني أنَا مُستاءَة جِدا مِن عَائلَتي لَقد هَربتُ مِن الإفطَار كَي لا أُقابِل أيّ واحدٍ فِيهم فلا تَزيدي عَلي .
- أنتُم غَريبُون جدًا ربّما كُلمَا زَاد غِنى الإنسَان زَادَت مَشاكِله ، عَلى الأقَل لَديكِ إِخوة مَاذا كَان سيَحصُل لو أنّك كُنت وَحيدَتهُم ؟ .
- عَن أي إخوَة تتَحدّثين ؟ أَخي الأكبَر مَشغُولٌ جدًا لا نَراه إلا فِي اللَيل أَعمالُ الشّركَة طَغت عَليه لدَرجة أنّه لا يَتركُ وَقتا لِنفسِه كَي يَجلِس مَعنا صَار غَريبا عنّا كليًا ، و الثّاني مُنعزِل جدًا فَور قُدومه من الجَامعَة يَدخلُ غُرفتَه و لا يَخرجُ إلا لِضرورَة صَار الوَضعُ لا يُطاق في الفَترة الأخِيرة ؟ .
- عَليكِ عُذرهُم ، سَمعتُ أن شَركتَكم تَحقّق نَجاحاتٍ بَاهرَة لِذا جُهد أَخيكِ كُلهم لأجلِكم .
- كُل ذَلك بِسبَب جَدتِي لو أنّها لَم تُلزِمه بِتلك الأعبَاء التِي أَثقلَت كَاهلَه كُل مسؤُوليَات الشّركَة تَقعُ عَليه الآن ، لَكن مَا عُذر تُولغَا لَيس لَديه أية أَعبَاء ؟ .
- بَل لَديه مَا يُؤرِقه وَاضحٌ جِدا ! .
- بِرأيكِ مَاهُو ؟ .
- مَن يَدري حَاولِي أن تَعرِفي ... أنتِ أختُهما الوَحيدَة حَاولِي أن تتَقربِي منهُما بِرأيي هُناكَ حَواجِز بينَكم عَليكِ أن تُحطّميهَا .
حركت مليس رأسها بإيجابية موافقة على نصيحة صديقتها رغم أن الإرتباك بعيونها كان طاغ عليها ، وصل طلبها لتتشاركه مع صديقتها ثم غادرتا المقهى متوجهتان إلى القاعة التي يدرسن بها إستعدادا لبدأ المحاضرة ،
كانت الشابتان تسيران معا وسط حشود الطلاب الآتية و الذاهبة و جانسو لا تكف عن الحديث في شتى المواضيع بينما مليس لم يكن عقلها معها بالكامل تتسائل ردة فعل عائلتها بعد خروجها اليوم بدون دراية أحد و غيابها عن مائدة الإفطار و أكثر شيئ يثير قلقها هو ردة فعل والدتها
توقفت أقدامها عن الحركة تلقائيا عندما مر بجانبها ، هيئته التي تحيطها كل هالات الهيبة و الرجولة ببذلته البنية تلك التي تناسقت مع تعاليم جسده الرياضي تسمرت عدستيها المتخبطة على هيئته الجذابة عندما تخللت رائحة عطره حواسها و ما أثار إنتباهها أكثر هي عيونه الزرقاء اللافتة
دار رأسها كليا مع مروره عبر ذلك الرواق لدرجة أنها لم تحس بنفسها و بشكلها المضحك ذاك حتى أفاقت على تنبيهات جانسو لها ، أدارت وجهها ناحية صديقتها بينما الأخرى قابلتها بملامح متحمسة و حواجبها التي تصعد و تنزل بخبث
- لا لا يا عَزيزَتي لَيس لِتلكَ الدّرجَة! .
إحمر وجه مليس كليا على حركتها تلك لم تستطع التحكم بردة فعلها و لم تجد أي عذر تختقله لجانسو
- لا يا جَانسُو أَمرٌ طَبيعيٌ أن أنسَاق فأنَا فَتاة .
- همم سَمعتُ إنّه مستَشارٌ تَربوِي عُين هُنا سَترينَ كَيف أنّ كل الطّالبَات سَيحتَجن لإستِشاراتِه و كَيف سَيسطَفون لأخذِها .
أمالت مليس عيونها بقرف أما جانسو فقد إبتسمت بشيطانية آنذاك لتمسك بذراع رفيقها و تهمس في أذنها بوقاحة
- إذَا كَان أعجَبكِ من الوَهلَة الأولَى إذهَبي إلَيه .
- كَفاكِ سَخافَة لَيس و كَأنّه لَدي الوَقت لقِصص الإعجَاب و الحُب! .
- مَامعنَى تِلك النّظراتِ التِي صَدرت مِنكِ قَبل قَليل ؟ .
قطبت مليس حواجبها و نظرت بإمتعاض لجانسو هي لا تخفي أي شيئ عن صديقتها مهما كان لكن ما رأته فعلا لم يكن نظرات حب و لا إعجاب هناك شَيئ آخر .
- بَل شَعرتُ أنّي رأَيت هَاذا الرّجل من قَبل أو رُبما شَخصٌ يُشبِهه!! .
- أمام بوابة الشركة العملاقة ترجلت من سيارتها [ مَرسيدس إي كيو إس . بيضاء ] و ظهرت بأناقتها المعهودة أمام حراس شركة آلاز و التي هي بها مديرة تنفيذية لتخلع نظارتها السوداء من على عيونها ، أسرع أحد الحراس بإستقبالها ليأخذ مفتاح سيارتها منها ليركنها عوضا عنها
أما هي فقد مشت إلى الداخل و هي تستقبل التحيات الصباحية من الموظفين بإبتسامتها الجذابة ،
كان رجلا في الأربعينيات عضوا في مجلس الإدارة عندما حياها بإحترام
- أُسعِدتِ آنِسَة إيڤ! .
- و صَباحُك يا سَيد! .
لوحت له بعدما تركت خاصية الإبتسام الممل للجميع و عادت ملامحها الحادة إلى وجهها ، توجهت إلى المصعد الخاص بالمدراء و طقم بذلتها ذا اللون الأزرق الراقي أعطاها إطلالة أنثوية و جاذبية للغاية لقد إعتادت جميع الموظفات و رجال الأعمال في الشركة التحرز يوميا لإطلالتها الملفتة و التي يظلون يتحدثون عنها طوال النهار ... كانت تتمثل في بنطلون واسعة مع قميص أبيض وفوقه بذلة بنفس لون البنطلون مع تسريحة ذيل الفرس التي ترفعها ليعطيها هالة سيدة الأعمال الجذابة بإمتياز ،
أما عن أكثر شيئ يلفت بها فهي مشيتها التي لا مثيل لها ، رأسها المرفوع للأعلى بثقة و ليس إستعلاء و القوة في نظرات عيونها الحادة مع قرع كعبها الذي ينبه الجميع لفسح الطريق للمديرة التنفيذية النبيهة ، خرجت من المصعد بينما لحقتها مساعدتها التي تمشي وراءها تتسارع مع خطواتها
- آنِسة إِيڤ الإجتِماعُ على وَشكِ أن يَبدأ .
- لَقد وَصلت .. إتبعيِني لقَاعة الإجتِماعات .
إمتثلت المساعدة لأوامر مديرتها و لحقتها لقاعة الإجتماعات لتفتح الباب بقوة لينتبه عندها الجميع من فتحة الباب القوية تلك ، بالأساس هذه هي طريقة دخولها ، ألقت نظرة على الحضور لتجد الجميع موجود حتى وقعت عيونها عليه
الشخص الذي تحقد عليه رئيس شركة آلاز و الذي لا يكف عن التدخل بكل صغيرة و كبيرة بها ... عمها و أخ والدها ، جلست على الكرسي الخاص بها مباشرة بجانب عمها ليبدأ الإجتماع
- نَحنُ بالفِعلِ نُواجِه مُشكِلة مَع الإستِثمارات ، إنّها قَليلة بالمُقارنَة مَع أرباحِ الشّركَة الأخرَى .
- العَقدُ الذِي إتفقنَا عَليه مَع شَركَة كِرينمَان كَان خطأً فادِح لا يَجبُ أن نتَقاضَى الدّفع عن كُل إعلان أو تَصمِيم لإحدَى سيّاراتِهم بَل يَجب أن يَكون الإستِثمارُ على تِلك السيارة بالنّصف .
- لِنغيّر شُروطَ العَقدِ إذا و نَتكلّم مع المُدير التّنفيذِي لِشركَة كِرينمَان بِهاذا الخُصوص! .
كمية المناقشات و الآراء جعلها تشعر بصداع يفتك برأسها ، هي و قريبا ستنفجر من كمية إقتراحاتهم التافهة بنظرها ، هم حتى لا يتوصلون إلا أي حل و لا يريدون إلا شيئا يخدمهم قبل الجميع
- مَا رأيُك أيّتها المُديرَة التّنفيذيّة ؟ .
صدح صوته الأجهش مستفزا لها بطريقته ، كان رجلا في الخمسينات لا يفقه شيئا و لا يهمه سوى أن يظل يزعجها و لا ينفك عن إدخالها برأس كل مشكلة لكنها لن تترك له متسعا لفعل ما يريده أبدا
- كَان الأولَى أن تَأخذَ برأينَا قَبلَ كِتابة العَقد مَعهم و لَيس الآن .
قالت جملتها هذه بإبتسامة واثقة طعنته في بطنه لكن لن يتوقف عن إستفزازها و الوصول إلى طريقة لإحراجها أمام مجلس الإدارة ،
- بالتّأكِيد لَن يُهمّك الأَمر لأنّ المُدير التّنفيذِي لشّركَة كِرينمَان هُو إبنُ خَالتِك .
- عِندَ كِتابَتك للعَقد ألَم تُفكّر في أن عَدم وُضوحِه أو أن ضعف الشّروط يُمكن أن يسبب لنَا بَعضَ الخَسائِر! لَم يتّم تَقديمُ الحُقوق و الوَاجبَات بدقّة لِذلكَ وَجدنَا أنفُسنَا نُقدّم الكَثير دُون مُقابِل .
كان جميع الحضور منبهرا جدا من فصاحة لسانها و ذكائها المعتاد عليه لو أن ذلك السمين النذل ينصت لها و لو مرة واحدة ، نظر لها بإمتعاض و داخله يتآكل غلا منها
- لم أقتَنِع! .
طقطقت بأطراف أصابعها ذات العناية ظهر الطاولة لتقع كل العيون عليها بينما وضعت ساقا فوق ساق تبادله نفس إبتسامته المستفزة و نطقت بصوتها الأنثوي الواثق ،
- لَم يَكُن أَيّ أَحدٍ منّا يَدرِي! الفَشل أو الخَسارة كَان يُمكنُ أن يَحدثَ لأيّ طَرفٍ في الشّراكَة إذا لَم تتِم إدارَتها جَيدًا! .
كلامها الواقعي هاذا جعل الجميع يخرس و لم تنطق كلمة أخرى بعدها ، صر السمين على أسنانه بقهر بعدما غلبته بإستراتجيتها لكن لن يكف عن ملاحقتها أبدًا أطلق ضحكة خبيثة بينما نهض من كرسيه ليقابلها قائلا
- بِما أنّك الأذكَى هُنا أعتَمد عَليكِ في إقنَاع مدِير شَركَة كِرينمَان بِتعدِيل العَقد جِدي حَلًا مَا! .... إيـِڤ آلاز .
أعلن نهاية الإجتماع مغادرا بهيئته المدينة المقززة لإيڤ التي تلاحقه بنظراتها الحاقدة و تمنت لو أنها تنقض عليه لتقتله لكنها تحافظ على هيئتها كمديرة تنفيذية بهدوءها ، تعرف تماما أن تصرفه هاذا ما هو إلا لإستفزازها و إيجاد ذريعة ما لحرمانها من هذا المنصب ،
شركة آلاز لتّصاميم و الإعلانات التجارية كانت شركة والدها في الأصل لكن بعد وفاته ترأس عمها الشركة بحكم أنها ما زالت طفلة لا تستطيع إدارتها لكن الآن هي الأحق بها منه و لن يمر الكثير من الوقت حتى تنتزع لقب الرئيسة منه إنتزاعا و هاذا ما تسعى إليه .
_ يُــتّبَــع _
korine