اظمحلت الرؤية في عيناه، و ضاقت قزحيتها. خنقته عبرة مكتومة، و تردد صدى صوتها في المكان. أما هي؛ فقد تردد صدى صوته في الأرجاء، و بقي يَطِّن في اذناها طنينا لن ينجلي حتى الممات.
لكن ما سبب هذا؟ كل شيء كان بخير، حتى حلَّت تلك اللحظة...
كلهم تمنوا أن يزول، لكن الانفصام بقى.
"فمن منكم يتجرأ و يعترض قراره؟"
هذا ما قيل، فأنزل الحضور رأوسهم أجمعين، إلا واحد رفعه شامخا بفخر.
اومأ القاضي ليردف:"الاعدام".
لكن قبل أن يحصل أي شيء، توالت ذكريات أحد الحضور في القاعة الى سنتين من هذا اليوم. ارتسمت ابتسامة خفيفة، بينما كل الحضور أدركوا ان الخطأ لم يكن في الانفصام بحد ذاته، بل بمن أخفوه. أما هو؛ مرض كغيره و صاحبه ليس على خطأ. مضت هذه الأيام، و السنين الفارطة لم تمحى من البال. غادروا المكان، فوطأت اقدامهم الأرض ليتنفسوا تنفس الصعداء؛ فهنيئا للمؤيدين، و سحقا المعارضين.
لكن الأهم الآن، هو مالذي حصل خلال هذه السنوات؟ هل كانت جحيم؟ أم أنها فتحت لهم آفاق أخرى؟ هل افتقروا يوما لأساسهم؟ هل الدماء التي سالت ذهبت هباء الرياح؟ هل كانت هي؟ أم للانفصام؟
•••••••••••••••••••••
_
_
_
_
انقشعت الغيوم الرمادية قليلا مفسحة المجال لأشعة شمس أفريل الدافئة. توقف المطر، و بقيت الأرض مبللة. ملىء عبير المطر الأرجاء، فامتزج بالتربة العبقة ليعطي رائحة تهدىء البال. و حيث عبست الوجوه و حزنت، في مكان لا يعرف حرَّاسه الرّحمة، احتشد الناس أمام بوَّابة السجن الضخمة بينما بكى آخرون على رؤية اعزائهم خلف القضبان. أما هو، فقد تجول بينهم يسأل كل أحد عن سجين معين لكن لا أحد يعرفه.
سار قليلا ليلوح بيده لآخر فيهز رأسه يمينا و شمالا. اعتلت الخيبة محياهم، لكنهم أسرعوا ركضا لعدم البقاء وسط ذلك المكان المكتظ الخانق.
"سحقا، لا أحد يعرفه. هل هناك حل ما؟"
طأطأ الشاب رأسه لينبس بضجر:"أظن انه علينا طلب شخص من المبتدئين".
هبط الكلام كالصاعقة على فؤاده، فصاح فيه:"كلا! ماذا سيقولون عنا؟"
لم يجبه صديقه، فقد اكتفى بالسير غير مكترث للاعتراض.
زمجر الشاب بحدة، و مرر يده في شعره قبل أن يقول بنبرة حادة:"انتظر، لا تخبر أي أحد".
انتظر أن يتوقف صديقه و يستمع لأمره، لكته تابع بدون ادنى اكتراث.
"أنت، هل أصبحت أطرش و أنا لا أعلم؟"
و حين استمر تجاههله، استوقفه ممسكا بمعصمه و خاطبه بحدة أكثر:"ماذا ستفعل؟ إلى أي ستذهب؟"
طأطأ الآخر رأسه مدركا أن فعله الآن سيخسره سمعته، و أنَّ أفضل حل هو البحث أكثر.
و حين كان الصمت سيد المكان، رنَّ هاتف الشاب المعارض ليفتح المكالمة مردفا ببرود:"ما الأمر؟"
اتته الاجابة من الطرف الثاني للمكالمة_ايفان_ و هو ينبس: " لورنو، الشارع رقم 46، العمارة 8، الشقة رقم 7،اسرع إليها و اخبر رُوَان عنها و اذهبا بسرعة"
رفع رُوَان رأسه الى لوسيان الذي يتحدث عبر الهاتف قائلا:
"حسنا، مالذي حصل؟"
"داليان لورا، قد وجد في شقته مقتول، اعتبرها فرصة ليعود مجدكم يا لوسيان. سألحق بكم كذلك، فمهما حصل؛ أنا ايضا معكم و سمعتكم تخصني".
أكمل ايفان كلامه ليغلق الخط دون أن ينبس لوسيان بكلمة.
ابتسم بخفة، و أعاد هاتفه الى جيبه.
"ما الذي حصل؟"
سأل رُوَان مواكبا خطوات لوسيان الذي أجابه:"لورنو يا أخي، سنذهب إلى هناك".
اومأ رُوَان بحماس، بينما فتح الآخر باب السيار ليدخل و يتبعه صديقه رُوَان.
حرّك لوسيان محرك السيار و نضره مثبة على الطريق بينما بقي الآخر يحدق في بوابة السجن و هي تفتح ليدخل ذلك الحشد و لا يبقى أحد. همس بعدها للوسيان بينما يغلق حزام الأمان:"أتمنى أن نجده هذه المرة، على الأقل تعود سمعتنا".
أومأ لوسيان بحزم و هو يحرك مفتاح السيارة لتتحرك نحو وجهتهم التالية؛ لورنو.
انتلقت السيارة لتصدر عجلاتها اشارة بانتقالها فتوحي تلك العلامة الفاخرة أن من يركبها اشخاص من الطبقة المخملية الرفيعة.
شغَّل لوسيان احدى الأغاني و هو يسأل:"هل تمانع هذه الأغنية؟"
بدأت الموسيقى تتردد في الأرجاء، لتتبعها كلمات الأغنية فيقول رُوَان بحماس: "Super Model!"
اومأ له لوسيان مستمرا في قيادة السيارة، بينما استمع صديقه إلى الأغنية بحماس.
"كدنا نصل".
أبلغ لوسيان صديقه، و الذي لم يكن متنبها بكلامه.
لم يركز لوسيان على ذلك، و حين بلغ عمارة ضخمة، أوقف السيارة و هو يقول:"هيا"
حين لاحظ أن رُوَان يركز في الأغنية، اطفأها لوسيان و هو يكرر:"هيا، لن نبقى هنا طوال اليوم!"
زمجر رُوَان بامتعاظ ليفتح باب السيارة بينما بقيَ لحظة يعدل ربطة عنقه.
ترجَّل الصديقان من السيارة مواصلين سيرهم بخطوات واثقة تشد كل من ينظر إليهم.
كان لباسهم أنيق، و مظهرهم راقي. حدَّق سكان المنطقة فيهم، منهم من واصل طريقه غير آبه لهم و منهم من تمعّن فيهم بفضول.
كانت العمارة تحتوي على 10 طوابق، و حسب المعلومات التي زودها ايفان وقعت جريمة في الشقة7.
رفع لوسيان نظره نحو آخر طابق، و من ثم تقدم بهدوء للمدخل.
عكس ما توقعوه تماما، كانت البناية الضخمة الأنيقة غير التي في الداخل. و كأنهم دخلوا الى عالم آخر، حيث كانت الأجواء شبيهة للعصر الفكتوري.
رُوَان بسخرية:"هذه اجواء حفلة شاي لا جريمة!"
لوسيان بأعين حائرة يحدق في المكان:"بربك و كأنني دخلت على ساحر البرج!"
كتم رُوَان ضحكته و هو يتقدم للداخل.
كانت الجدران مطلية بالبني الفاتح، أما الأرضية؛ فقد كانت من الخشب.
كل ما في المكان، يبعث الرغبة في كتابة رواية عن العصر الفكتوري، لا التحقيق في جريمة.
الأبواب مقابلة لبعضها، و المساحة بينهم صغيرة. زُركش الدرابزين برسومات مختلفة، و لمعت الأروقة بمسحوق غريب. الدرج حلزوني؛ يجعل كل خطوة تطئها تُشعرك بالدوار.
"و كأننا في عمارة فرنسية حتى رائحة تلك المخبوزات التي تملىء الشوارع هنا!"
علَّق رُوَان، فوافقه لوسيان بإيماءة صغيرة بالكاد تلحظ، و من ثم واصل صعوده إلى الشقة المطلوبة.
و ما فاق كل توقعاتهم؛ تواجد ظباط الشرطة يقفون في مدخل الشقة.
كانوا يتناقشون حيال موضوع ما، و فور رؤية لوسيان و رُوَان اعتدلوا في وقفتهم بتأهب و قدموا التحية اللائقة لهم.
اومأ رُوَان يحييهم كذلك، أما لوسيان فقد جالت أعينه المكان حتى وقعت على امرأة في أواخر عقدها الثالث تقف قرب الباب تخاطب أحد ظباط الشرطة.
رفعت شعرها الأحمر للأعلى على شكل ذيل حصان، و قد كانت تدفع بسبابتها النظارات قليلا وسط حديثها تارة و تعدل الخاتم في ابهامها تارة أخرى.
فور ملاحظتها لوصول لوسيان و رُوَان، تقدمت لهم و جديتها السابقة تلاشت، فحلَّ محلها سرور لوصول الصديقان.
"كيف حال مشرحة الجثث جولي؟"
سأل لوسيان بمرح، فأجابته المرأة جوليانا أو كما ناداها هو جولي:"بخير، ماذا عنكم؟"
طمأنها رُوَان عن حالهم، ثم ألقى نظرة خاطفة الى ما داخل الشقة.
"هل وجدتم القاتل آخر مرة؟ قد كان ايفان صارما للغاية، حتى للسؤال عنكم رفض..."
أكملت كلامها باختناق، بينما حاول لوسيان تبديد حزنها قائلا:"لا تقلقي، بحثنا اليوم عن ليام، كما أن ماري أخبرتنا أنها ستتكفل بالبقية".
اومأت جوليانا باطمئنان، ثم دعتهم للدخول.
"قد مات ميتة شنيعة، سيتم التشريح قبل غروب الشمس. أو بالأحرى، بعد سماح ايفان لنا بذلك".
أخبرتهم جوليانا بعجلة، و هي تتقدم لداخل الشقة.
كانت الجثة لاتزال مرمية أرضا، و الدماء بجانبها في كل مكان.
رجل يظهر انه في العقد السادس، فمه مفتوح على مصراعيه و عيناه تكادان تخرجان من مكانهما.
شدَّ قبضتيه، و كأنه كان يدافع عن نفسه قبل الموت.
نُحرت رقبته بسكين، و وضع فوقها ربطة عنق زرقاء.
اعتلت الحيرة و الرهبة وجوه الحضور من هذا المنظر الشنيع، اما جوليانا؛ فقد دوَّنت ملاحظات على دفرتها بهدوء لاعتيادها على هذه المناظر.
"ألم يسمع أحد شيء؟"
سأل لوسيان مبتعدا عن الجثة، بينما نفت جوليانا الأمر برأسها لتكمل:"اليوم أتت جارته لتتفقد حاله، فقد كسرت ساقه قبل يوم. حين لم يجبها، نادت للشرطة و قد كسروا الباب ليقابلهم هذا المنظر."
رنَّ هاتف لوسيان بينما كان يأخذ المعلومات من عند جوليانا، فرمقته بنظرة معاتبة و أمرته بالحديث خارجا.
غادر لوسيان المكان مسرعا، و تنفس براحة فقد خنقته رائحة الدماء.
قد اعتاد عليها، لكن مع ذلك؛ من يتحمل منظر الجثث و رائحة الدماء؟
أجاب لوسيان على الهاتف، و قد كان ايفان الذي سأل عن وصولهم.
"نعم، قد وجدنا جوليانا و تحدثنا في أمر الضحية. سنبدأ بالاستجواب، و بعدها سيتكفل رُوَان بملفه".
أجابه لوسيان ليغلق ايفان الخط في وجهه دون أن يردف كلمة، فكادت شتيمة أن تفلت من فم لوسيان لكن عاد الى طبيعته حين قابله ذو الشعر الأسود و العيون المختلفة؛ ذو العين الخضراء و العين الزرقاء؛ ايفان.
ابتسم ايفان له، و خبأ الهاتف في جيبه بينما تقدم ليلقي التحية على لوسيان.
"بربك ألم تستطع القول أنك وصلت مسبقا؟"
ضحك ايفان وهو يصافحه، و قد اعتبره كصديق له.
"الأهم أنكم وصلتم".
اومأ لوسيان، ثم اقترح رؤيته للجثة.
وافق ايفان، و رحل باتجاه الشقة لرؤية الضحية.
لم تختلف تعابير ايفان عن تعابير البقية، فقد اشمئز من منظر الجثة و حالتها.
كان عمل ايفان لا يتعلق بمراقبة الجثث، لذا مازال لم يعتد على رائحة الدماء و الموتى المتعفنة. أو بالأحرى لا يرغب برؤية منظر الجثث الشنيع، لكنه لا يمانع الجثث التي تكون حالتها سليمة، فلا تنبعث منها روائح عفنة.
استأذن من الحضور و خرج مسرعا من المكان، بينما ذلك المنظر لم يمحى من باله.
نزل للطابق الأرضي، و بقيَ هناك يفكر في سبب القتل. فقد كان المنظر شنيع، و ان مات هكذا مع كُسر في ساقه فسيكون ذلك بسبب عداوة كبيرة.
قاطع حبل أفكاره تراجعه للوراء و صوت ارتطام بالأرض، ليرفع نظره فيقابل فتاة تشد قبضتها تكاد تلكمه.
تراجع قليلا، ثم أدرك أنه اصتدم بها و أوقعها أرضا. عاد أدراجه يمدد يده ليساعدها على الوقوف.
رمقته بحدة، و وقفت تنفض الغبار من ملابسها.
"آسف لم انـ-"
قاطعته الفتاة بحدة و هي تفتح حقيبتها بقلق:"اخرس،لا كلمة و ويلك لو كانت أغراضي غير سليمة!"
رفح حاجبه يحدق بها، لتخرج هاتف و تتفقده ثم تتنفس بارتياح.
"حمد اللّٰه لم يصبه كسر و إلا كنت ستُشرّح!"
عقد ذراعيه و هو يراقبها قائلا:
"في المرة القادمة، لا تتحدث مع من كان بهذه الطريقة. فلأنني أنا من أوقعتك، لن اهـ-"
"لماذا؟ و من أنت أساسا؟ كدت تكسر هاتفي و تفتح فمك؟"
تراجع ايفان للخلف و كأنها دفعته بكلامه ليسأل بحدة:"ألا تعرفينني؟"
الفتاة و هي تغادر من أمامه: "من جوائز النوبل التي حضرتك تسبح فيها حتى أعرفك!"
كتم ايفان ضحكته على وصفها، و من ثم عاد الى جديته و هو يوقفها بامساكه معصمها دون أن يألمها:"مهلا يا آنسة، الى أين تظنين أنك تذهبين؟"
"إلى السماء السابعة! حسب رأيك أتيت هنا لماذا؟ حتى أصور فيلم تاريخي عن ساحر البرج؟ سأذهب لبيتي!"
حدق في المكان الذي بدى فعلا لمِلك ساحر البرج، ثم أردف و هو يفلتها:"بما أن لوسيان وصل، سأتكفل بالباقي. هل تعرفين داليان لورا؟"
أعادت الاسم بهدوء لتفرق أصابعها قائلة:"نعم، انه يعيش فوقي، مزعج للغاية كما أن صوت ابنه بشع لكنه يغني كلما سنحت له الفرصة!"
ضحك ايفان ضحكة مكتومة تبعه قول:"لا احتاج مواهبهم المدفونة، فقط متى كانت آخر مرة رأيته، و كيف علاقته مع الجيران، و ان كان له أعداء؟"
"مواهب مدفونة تستحق الدفن أكثر".
تمتمت بسخط ليسمعها ايفان و ينفجر ضاحكا. رمقته بحدة، فأومأ لتتابع كلامها و لا تهتم له.
"رأيته بالأمس ليلا، و عليَّ الذهاب إلى شقتّه الآن"
و قبل أن تكمل الحديث، سألها ايفان بفضول:"هل تعملين في منزله؟"
الفتاة بانزعاج:"ماذا؟ تفو لم أدرس طيلة حياتي و انهض باكرا حتى أعمل عند شخص لا يعرف حتى الفقراء!"
"لدوستويفسكي؟"
سألها و هو يخرج دفتر ملاحظات و يتابع:"لماذا اذا كنت عنده؟"
"لقد أعطيته العشاء، بصراحة لقد..."
طأطأت رأسها و هي تتراجع بخطوات حذرة لتردف دون أن ترفع عينيها عن الأرض:"تسببت في كسره".