البداية

البداية

18 0

شتاء عام ٢٠٢٢

الله أكبر الله أكبر..

ذهب عمال مصنع (الوليد) للحلويات الشعبية كي يؤدوا صلاة العشاء في المسجد القريب من المصنع مساء يوم الأحد، بعد أن أخبرهم صاحب المصنع، الحاج "حامد الوليد" وهو يحمل علبة كرتونية وكوبًا من الشاي أنه سيجرب صنفًا جديدًا من الحلوى مقدرٌ له أن يطرح في السوق قريبًا، وأنه لم يجد إبرة الإنسولين منذ الصباح فلن يذهب معهم هذه المرة، ثم توجه إلى مكتبه في الدور الثاني.

وما إن انتهى العمال من الصلاة بعد مدة ليست قصيرة بعثوا بفرد منهم إلى القهوة البلدي أمام المصنع ليعد لهم طقم شاي ويباشروا بعدها عملهم، وبالفعل أتى القهوجي بعد عشر دقائق فقط وقدم لهم الأكواب ثم انصرف، وتبادل العمال أطراف الحديث لمدة لا تزيد عن نصف ساعة.

ارتشف عامل منهم كوبه ثم استأنف:

- مش كان واجب ننادي الحاج يقعد معانا شوية؟ بدل الضغط اللي بيبقى عليه طول اليوم ده.

وضع الآخر كوبه أمامه:

- بس أنت عارف الحاج لما بيجيب حاجة جديدة يجربها مبيحبش حد يضايقه ولا يدخل عليه مكتبه، ده يمكن روّح بيته أساسا لما روحنا صلينا.

فرد عليه عامل ثالث:

- لا برضو الحاج مبيروحش دلوقتي خالص، هو على طول بيقعد معانا وبعدين بيقفل المصنع معانا ويطمن على كل حاجة ويروّح.

- طب استنوا اتصل بيه كده يمكن خلص ومستنينا فوق..

ثم أخرج هاتفه ودق برقم الحاج ثم رفع السماعة على أذنه، فأتى صوت رنين هاتف الحاج من الدور الثاني يملأ المكان!

أغلق العامل المكالمة وهاتفه وعلامات القلق تسيطر على وجهه، فسأله العامل الثاني وهو يدور برأسه في المكان:

- هو الحاج لسة هنا بجد؟ أنا قولت يمكن روّح فعلا هو شكله تعبان من الصبح.

- طب أنا هطلع أشوفه فوق، يمكن راحت عليه نومة ولّا حاجة..

انطلق العامل إلى الدور الثاني وهو يجر قدميه خوفًا من الحاج، فإن كان منهكًا في العمل فسيوبخه بشدة لمقاطعته، ويمكن أن تصل الأمور إلى الخصم!

طرق العامل الباب مرتين، فلم يجد ردًا، حسم أمره بعد دقائق وأدار المقبض ليدخل الغرفة ويرى الحاج.. نائم على وجهه، فنادى الرجل على الحاج حامد:

- اصحى يا حاج.. يا حاج..

ولكن لم يلقى ردًا، فقام العامل بهز كتفه وهو ينادي عليه لمرات حتى وقع الحاج على الأرض!

جحظت عينا العامل لمدة ثانيتين قبل أن يستوعب الموقف، حتى أطلق كلمة واحدة اهتزت لها أرجاء المصنع وما حوله:

- الحقوني! يا حاج! فوق يا حاج والنبي..

اهتزت قدمه وجلس على الأرض بجانب الحاج حامد وهو يحاول أن يجعله يستعيد وعيه بلطم وجهه، وقام بجس نبضه فشعر بنبضات طفيفة، حتى دخل العمال فزعين على صوت زميلهم وهذا المأزق الذي وُضِعوا فيه جميعًا.

حمل العمال رب عملهم ليخرجوا من المصنع، ثم أوقفوا سيارة أجرة لكي تقلهم إلى المستشفى التي تبعد عن المصنع مدة نصف ساعة، حاولوا فيها بكل شيء أن يسترد الحاج العجوز وعيه، فأتت بنتيجة دامت لدقيقة، حاول أن يقول فيها شيئًا ولكن لم يستطع لسوء حالته، ثم غاب عن الوعي مرة أخرى!

انطلقوا إلى قسم الطوارئ في المستشفى، ولكن بعد دقائق أتى لهم الخبر اليقين من الطبيب:

- البقاء لله، ربنا يصبركم جميعًا!

اعتلت الصدمة وجوه العمال، وانهار البعض منهم على الأرض يبكي على هذا الرجل الذي لم يضمر عداوة لأي أحد ولم يكن له سابقة حقد أو منافسة!

وبعد نصف ساعة، أتت زوجة الحاج، سامية وولدهم الوحيد محمود، وما إن دخلت سامية إلى الاستقبال وقعت على الأرض وانطلق صوت النواح يملأ المستشفى، لدرجة أنه أزعج النزلاء والأطباء، وولدها بجانبها ممسك يساعدها ولا يحرك ساكنًا! حتى ترك الولد ساعد والدته ووقف أمام الممرضة:

- من فضلك استعجلي في التصريح عايزين نستلم الجثة!

انتبهت الممرضة:

- حاضر بس الدكتور لازم يفحص الحالة الأول يا فندم عشان تقرير المستشفى.

احتد صوته:

- أنت مش شايفة حالة والدتي عاملة ازاي؟ استعجلي لو سمحتي مينفعش كده!

انتفضت الممرضة:

- حاضر!

ولكن الطبيب خرج من الغرفة وهو يحسم الأمر:

- الحالة دي مينفعش تخرج من المستشفى، أنا أصلًا حولت الجثة على الطب الشرعي وبلغت البوليس وزمانه على وصول.

وقف العامل يحاول تخفيف حدة الموقف:

- هو في حاجة طيب يا دكتور؟ ليه الشوشرة دي؟

- في إن الموتة دي مش طبيعية، والراجل ده في نسبة مخدر كبيرة في جسمه ومأخدش الأنسولين بقاله يومين!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصنع الجريمة (سلسلة بمواجهة المتهم)

المؤلف Nahed Gebril
2025/11/11 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة