البداية

البداية

15 0

الفصل الأول

في إحدى قُرى محافظة الشرقية، تلك القرية التي تشتهر بلهجتها المميّزة ولهدوئها البسيط رغم ما يعتريها من صخب خفيّ، كان في أحد المقاهي يجلس بعض الشباب. ومن هيئتهم وملابسهم الأنيقة لا يبدو أبدًا أنهم من أبناء الريف، بل يُخيَّل للناظر أنهم من "Egypt" كما يقال بسخرية، وكأن القاهرة انقسمت إلى شطرين: "المدلّلين من Egypt"، والبقية من "مصر"، فحقًا... دائمًا تبهرنا مصر بتناقضاتها.

كانوا يجلسون متكاسلين، يتبادلون أحاديث لا معنى لها، يضحكون على أشياء لا تُضحِك إلا الفراغ. حتى قطع أحدهم الحديث قائلًا بحماس مصطنع:

– بقولكوا إيه يا شباب، ما تيجوا ننزل شرم؟

أطلق صديقه ضحكة ساخرة وردّ:

– بقولك إيه، يا عم حلّ عن نفوخي، إيه اللي ننزل شرم واحنا داخلين على امتحانات؟

تدخل ثالثهم أخيرًا، وكان مميّزًا بشعره البني المائل للصفار، الذي يُصرّ على جعله "كيرلي" رغم غضب والده الدائم من تلك الفعلة، فردّ بحماس:

– والله اللي بيتكلم صح! وفيها إيه يعني نروح يا شادي؟ كلها يومين ونرجع، وطالما الامتحانات مش بعد ساعة يبقى ليه القلق؟ جدع يا عم، ساعة وكوباية شاي ونلمّ المنهج!

نظر إليه شادي بضجر وقد سئم من لا مبالاتهم. هما عكسه تمامًا؛ لا يفتحان كتبَهما إلا قبل الامتحان بيوم، ومع ذلك لا يفهم كيف يحصل صديقه "زين" على امتياز أو جيد جدًا.

تنهد وقال بنبرة فيها تحدٍ:

– بقولكوا إيه، إحنا مش هنضيّع السنة دي برضو! وعلى ضمانتي، أول ما نخلص امتحانات، هننزل شرم... على حسابي.

رفع عليّ حاجبيه بدهشة وقال مازحًا:

– يعني لو روحنا بعد الامتحانات مش هدفع ولا جنيه؟

ضحك زين وهو ينظر في ساعة يده الجلدية وقال بهدوء جادّ:

– يلا يا شباب، خلاص، الظهر هيأذّن... يلا بينا على المسجد.

قال عليّ بتكاسل:

– روحوا صلّوا انتوا، أنا تعبان وهروح أُصلّي في البيت.

لكن زين جذبه من ذراعه كأنه طفل يُسحب من اللعب، وكذلك فعل مع شادي. لم يكن يتهاون في الصلاة أبدًا. الغريب أن زين رغم استهتاره في بعض الأمور، إلا أنه قريب جدًا من ربّه، لا يؤخّر صلاة ولا وردًا مهما كان السبب، حتى بدا الأمر للناس متناقضًا، لكنه في الحقيقة صدقٌ خالص بينه وبين الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡

وفي القاهرة، في أحد الأحياء الراقية، كان المشهد مختلفًا تمامًا...

في قاعة واسعة تعلوها أنوار خافتة وموسيقى صاخبة، كانت فتاة ذات بشرة قمحية وعيون بنية واسعة تتمايل بخفةٍ وأناقة، كأنها "صافيناز" في عزّ مجدها. كان وجهها المستدير بخدّيه الممتلئين يفيض حيوية، وشعرها البني ينسدل على ظهرها حتى منتصفه.

توقفت فجأة عن الرقص وهي تلهث من التعب، ثم جلست بجوار رفيقاتها. ضحكت إحداهن قائلة بخفة ظل:

– هييييح! ما تيجوا يا بنات نفتح كباريه للستات بس؟ وطبعًا هنلبس بديهات تحت بدلة الرقص!

صرخت "أمنية" باعتراض وهي تمسح العرق عن جبينها:

– يااااي! بدي تحت بدلة رقص؟ وبعدين أنا لولا أهلي مشددين كنت قلعت الطرحة من بدري، بجد بتخنقني.

ردت "خديجة" برزانة وهي تشرب رشفة ماء وكأنها ليست من كانت ترقص منذ لحظات:

– يا منمون يا حبيبتي، الحجاب فرض، وقلتك كده كتير. وبعدين والله يا بنتي إنتي قمر بالحجاب، بجد.

أومأت "علياء" تأييدًا وهي تضحك:

– خديجة بتتكلم بجد يا أمنية. وبعدين يا ستي إحنا شرحنالك نظرية البطيخة المفتوحة والبرتقانة المقشّرة والبنبوني اللي من غير ورقة، والماس... وكل ده مش عاجبك!

تنهدت أمنية بضيق وقالت بصدق:

– يا بنات، إنتوا مش فاهميني... أنا مش بكره الحجاب، بس بحسّه بيخنقني، نفسي أسيب شعري حر، أعمله كيرلي كده هيبقى شكلي أجمل بكتير.

ابتسمت خديجة وقالت برفق:

– اعمليه كيرلي يا ستي، محدش ماسكك... بس برضو، متقلعيش الحجاب.

ضحكت علياء لتكسر الجو المشحون وقالت بمرح:

– يلا يا رقّاصة منك ليها، قبل ما حد ييجي يطخنا عيارين!

وفجأة دلفت "جنى"، أخت خديجة الصغرى، وقالت بصوت غليظ متصنّع:

– اتحشمي يا حرمة منك ليها!

قفزت أمنية من مكانها برعب وهي تصرخ:

– يخرب بيتك يا جني، خوّفتيني!

ضحكت خديجة قائلة:

– يا بنتي بطلي تقولي الكلمة دي، الفقر مجلناش غير من ورا جملتك دي!

هزّت جنى كتفيها بلامبالاة وقالت:

– بلا بنتك بلا أمك، أنا داخلة أقولك متتأخروش!

ردت علياء بمكر وهي تضحك:

– إيه دا يا جنجون؟ عرفتي لوحدك ولا إيه؟

تأففت خديجة بغيظ وهي تجمع أدواتها قائلة:

– كل مرة نتقابل لازم تعملوا دوشة!

ضحكوا جميعًا، فعمّ المكان جو من الألفة والفوضى الجميلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡

وفي أحد بلدان الخليج، تحديدًا في "دبي"، كان صوت رجل يتحدث في الهاتف بنبرة هادئة دافئة:

– نِيجِي فين يا ابني؟ ما تيجوا إنتوا تقضوا معانا شوية في القاهرة؟ أنا أصلًا هنزل بعد أسبوع، واهي بالمرّة نشوف بعض.

جاءه صوت أخيه من الطرف الآخر:

– طالما هتنزل، هات البنات وتعالى. أنا كنت عايز أجيبهم يقعدوا معانا بدل ما هم لوحدهم كده.

تنهد الرجل قائلًا:

– والله لو عليّا كنت جبتهم، بس هما مش راضيين.

ردّ أخوه برجاء:

– خليهم يجوا، البلد هتعجبهم. وبعدين الورث بتاعك في البيت الكبير لسه قاعد، ولو مش هتكونوا مرتاحين هناك، أخلّي العمال يجهزوا بيتك التاني بسرعة.

ابتسم الرجل من خلف سماعة الهاتف وقال بودّ:

– طيب، هكلم البنات وأشوف رأيهم، ولو وافقوا هننزل إن شاء الله.

أنهى المكالمة وهو يفكر في بناته بشوق، بينما أخوه في الشرقية كان يشعر بارتياح غريب، كأن جزءًا من قلبه سيعود إليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡

في مسجد صغير بالشرقية، كان زين يتلو القرآن بصوته العذب المميز. كانت نبراته تهزّ القلوب بهدوء، يقرأ بترتيل لا يُطيل فيه مراعاةً للمسنين ومن لهم أشغال. وبعد الصلاة، خرج مع صديقيه عليّ وشادي، يسيرون في طرقات القرية الطينية.

قال عليّ وهو يعبث بحجر في الأرض:

– المفروض يا جماعة نلاقي شغل جديد بدل الشغل في المحلات.

ردّ زين بهدوء وهو ينظر للأفق:

– وانت فاكر يعني لو قلنا "يلا يا شغل" هيجينا؟ وبعدين احنا لسه متخرجناش، لما نتخرج كل واحد فينا هيشتغل بوظيفته إن شاء الله.

ابتسم عليّ بخبث وقال:

– طيب ما عمك وأبوك عندهم شركة، لو قلتلهم تشتغل معاهم مش هيقولوا لا.

هزّ زين رأسه نافيًا وقال بعدم اقتناع:

– مش حابب أكون مقيد بحاجة. أنا أصلاً مش بثبت في شغل شهر! وبعدين أبويا لو عرف إني اشتغلت معاه، هيحملني كل الهموم لوحدي.

تفهم عليّ كلامه وصمت قليلًا، بينما تحدث شادي بابتسامة حالمة:

– أنا مستني أخلص وهسافر أشتغل في الخليج.

قهقه عليّ قائلًا:

– وأنا هخلص وأدور على بنت الحلال، الواحد حاسس عنده جفاف عاطفي!

نظر له زين بدهشة وضحك ساخرًا:

– يا بني، اشحال ما كل يوم مرتبِط بواحدة شكل، وفي الآخر بتاخد زحلوقة جامدة!

قال عليّ ببلاهة بريئة:

– بتزحلق والله، ومش عارف ليه، ده أنا حتى بهتم بيهم!

تنهّد زين وهو يهز رأسه:

– راعي ربنا يا عليّ، وفكّك من حكاية الارتباط دي. انت مش عيل عندك 17 سنة، ركّز في حياتك الأول، وبعدها شوف بنت الحلال اللي تستاهلك.

أومأ شادي موافقًا، بينما سرح زين للحظات، عادت لذاكرته تلك الفتاة التي أحبها في الثانوية... كانت طاهرة القلب، نقية النظرة، تركته يومًا وقالت إنها لا تريد أن تُغضِب ربها. أخبرته أن إن كان فيها نصيبه، فالله سيجمع بينهما.

تذكر انكساره، ومرارة العجز، يوم علم أنها أغلقت كل حساباتها وغيرت رقمها... كأنها اختفت من العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡

في اليوم التالي، جلس زين مع عائلته على المائدة.

سأل الأب بابتسامة هادئة:

– أخبار المذاكرة يا ولاد؟

قالت ندى، شقيقته الصغرى، وهي تعدّل نظارتها بجدية:

– والله يا بابا الكلية صعبة ومتعبة بجد، بس بحاول، وإن شاء الله خير.

ضحك زين بسخرية:

– مش دي اللي قطعتي نفسك عشانها؟ قال يعني هتعرفي سر الأهرامات!

نظرت له ندى بتزمر وقالت:

– ما تقللش مني يا أخويا، وبعدين بكرة هتشوف، هعمل كرير لنفسي وهبهركم كلكم!

تبادلت الأم نظرة مع الأب ثم قالت بتهكم لطيف:

– آه، واضح يا ست ندى، واضح.

ضحك الأب وهو يربت على يدها بحنان:

– بس يا أم زين، محدش يزعلها، سيبوا البنت تحقق حلمها.

علّق زين بنبرة ساخرة:

– والله الوكيل، ما حد هيضيعها غير دلعك ليها يا بابا.

نظر له الأب بنفور بسيط لكنه آثر الصمت، بينما تبادلت الأم ونَدى نظرات حادة، ثم انفجر الجميع في ضحكة صغيرة كسرت التوتر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♡

نهاية الفصل الأول

لنا لقاءٌ آخر يا رفاق

والسلام لِقلوبِكم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مُلتزم ولكنه باد بوي

المؤلف ذكرى مهران
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة