🖤𝑓𝑎𝑐𝑒𝑙𝑒𝑠𝑠 𝑠ℎ𝑎𝑑𝑜𝑤🖤

🖤𝑓𝑎𝑐𝑒𝑙𝑒𝑠𝑠 𝑠ℎ𝑎𝑑𝑜𝑤🖤

13 0

الفصل الاول

الليل في ميلانو كان ثقيلًا، كأن المدينة نفسها تحبس أنفاسها. الطرقات خالية إلا من الأضواء الباهتة التي ترسم ظلالًا مرتعشة على الجدران العتيقة. رائحة المطر تملأ الهواء، تمتزج مع رائحة دخان السجائر المتصاعد من الأزقة.

في قلب هذا الظلام، حيث تختبئ الوحوش الحقيقية، وقفت هي.

فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها، طويلة القامة، ممشوقة الجسد كأنها رُسمت بقلم فنان مهووس بالدقة. بشرتها بيضاء كالعاج، وشعرها الأحمر الناري يتطاير بخفة مع نسمات الليل، يضفي على هيئتها لمسة من الجنون الهادئ.

عيناها الرماديتان لا تحملان أي انفعال، كأنها لا تنتمي لهذا العالم. ملامح وجهها مشدودة، ساكنة، لا تعرف الابتسام. وحدها خطواتها الواثقة وصمتها الثقيل كانا كافيين لإثارة القلق.

كعبها العالي يضرب الارض بإيقاع بطيء وثابت، كأنها تعلن وصول الموت نفسه. ترتدي فستانًا أسود طويلًا، من قماشٍ خفيف يتمايل مع كل حركة. الفتحة الجانبية الطويلة على ساقها كانت تنكشف أحيانًا مع هبات الريح، لتكشف عن وشمٍ خفي أعلى فخذها الأيسر… فراشة دقيقة الملامح، تحيط بها أفعى سوداء تتلوى حول جناحيها، كأن بينهما عهدًا صامتًا لا يُفهم.

لم يكن وشمًا عاديًا… كان توقيعًا لا يراه إلا من اقترب أكثر مما ينبغي.

تقدمت بخطوات واثقة نحو مبنى قديم مهترئ، نوافذه محطمة، وأضواؤه خافتة تتراقص بفوضى. خلف الباب المعدني الصدئ، يتعالى صوت موسيقى مشوشة وضحكات خشنة.

دفعت الباب ببطء. دخلت.

الغرفة مليئة بالرجال — اربعة على الأقل، يجلسون حول طاولة مغطاة بأوراق المال وزجاجات الخمر. دخان السجائر يملأ الجو، والحديث يتناثر بينهم بلا اهتمام.

التفتوا إليها.

نظر أحدهم — ضخم الجثة، ذو لحية غير مهذبة ووشم يمتد من عنقه إلى ذراعه — وضحك بسخرية:

"هل ضللتِ الطريق يا عصفورة؟"

لم ترد.

عيناها مرت به ببرود قاتل، ثم تحركت للأمام ببطء، كأنهم لا وجود لهم.

رجل آخر، أنحف لكن عيناه مليئتان بالشر، ابتسم ابتسامة ملتوية:

"أيتها الجميلة، هل تعلمين أين أنتِ؟ هذا ليس مكانًا للفتيات."

توقفت.

رفعت رأسها ببطء، عيناها التقوا بعينيه مباشرة. لحظة واحدة فقط جعلته يتجمد في مكانه. كان هناك شيء ما في تلك النظرة… شيء جعل قلبه يتقلص.

قبل أن يتمكن من النطق بكلمة أخرى، تحركت يدها.

طلقة واحدة.

استقرت الرصاصة بين عينيه.

سقط على الفور، جسده ارتطم بالأرضية بصوت مكتوم. الصمت خيّم على الغرفة.

البقية قفزوا من أماكنهم، أحدهم حاول أن يسحب سلاحه — لكن يدها كانت أسرع.

رصاصة ثانية.

أصابته في صدره، طار إلى الخلف واصطدم بالحائط.

الثالث لم يحاول حتى — حاول الهرب. لم يصل إلى الباب.

رصاصة ثالثة.

سقط وجهه للأرض، يختنق بدمائه.

بقي واحد فقط، كان يصرخ:

"مَن أنتِ؟! مَن تكونين بحق الجحيم؟!"

اقتربت منه ببطء، كعبها العالي يرنّ مع كل خطوة. انحنت قليلًا، اقتربت من وجهه، ثم همست بصوت منخفض كأنها تهمس له بسرٍ مميت:

"… فالكو."

عيونه اتسعت برعب. الاسم وحده كان كافيًا ليمحو الأمل من عينيه.

قبل أن يصرخ، كانت رصاصتها الأخيرة قد أنهت مهمتها.

رفعت رأسها ببرود، مسحت الدماء عن خدها بإصبعها، نظرت حولها. الجثث متناثرة، والدم يغطي الأرضية. ثم استدارت بهدوء، ومشت بخطوات ثابتة نحو الباب.

خرجت إلى الظلام مرة أخرى. المدينة ما زالت نائمة، لا تدري أن الشيطان قد مرّ من هنا.

هدوء قاتل سيطر على المكان... المبنى القديم يقف كأنه شاهد على مجزرة لم يُسمح لأحد بالنجاة منها. الجدران كانت تتحدث بالدماء، والأرضية لم يعد لونها واضحًا من كثرة ما غُمر عليها.

من بين الدخان المتصاعد والظلام الذي احتضن الساحة، ظهرت هي...

خطواتها ثابتة، بطيئة لكنها تحمل ثقة زعيم خرج من معركة حتمية بسلام. كعب حذائها العالي يصدر صوتًا منتظمًا على الأرضية المعدنية، كأنه إيقاع الموت نفسه.

فستانها يتراقص مع كل خطوة، يكشف عن ساقيها الممشوقتين. لم يكن هذا لباس امرأة عادية... بل لباس قاتلة تعرف كيف تقتل دون أن يقترب منها أحد.

شعرها يتوهج مع انعكاس ضوء القمر، يتطاير خلفها كأن النيران تشتعل من رأسها، وعيونها... جليدية، فارغة من كل شعور، كأنها لم تقتل منذ دقائق فحسب.

عندما خرجت من باب المبنى المتهالك، كان الليل في انتظارها. الجو بارد، لكنها لم تشعر به. هي لم تعد تشعر بأي شيء.

انتظرت لحظة... لم يكن هناك سوى الصمت.

سيارة سوداء وقفت على الجانب الآخر من الطريق. أضواءها مغلقة كأنها تختبئ. الباب الخلفي فُتح بصمت، والرجل الذي خرج منها وقف في مكانه ينتظرها.

أندريه كارفالهو...ٌ

في الثانية والثلاثين من عمره، ذو ملامح إسبانية حادة. كان طوله يتجاوز 190، جسده قوي ومناسب تمامًا مع عضلاته التي تظهر بوضوح من خلال البذلة الرسمية الأنيقة التي يرتديها. البذلة السوداء كانت محكمة بشكل يظهر قوامه الرياضي، بينما القميص الأسود الذي يرتديه يعكس مظهرًا أنيقًا ومتكاملًا.

شعره بني داكن، مموج قليلاً، كان طويلًا بشكل بسيط يصل إلى رقبته، ومصفف بدقة، ليعكس مظهره المتقن والمرتب دائمًا. عينيه العسليتين كانتا تلمعان ببريق حاد وثقة، وكان دائمًا ما يرمق الآخرين بنظرات دقيقة وعميقة، وكأن عينيه تراهما وتقرآن كل شيء في الوقت نفسه.

وجهه ذو ملامح قاسية ومحددة، حيث كانت جبهته عريضة، وحاجباه حادّين، مما يزيد من هيبته. كانت ذقنه مشدودة. شفاهه كانت محددة، مشدودة قليلًا، مما يضفي عليه طابعًا غامضًا وقويًا. في كل مرة كان يبتسم، كانت الابتسامة تظهر بشكل قليل، لكنها كافية لتكشف عن شخصية مهيمنة وقيادية.

بقامته الطويلة وابتسامته الخفيفة التي لم تفارق وجهه، تقدم وفتح الباب الخلفي لها. عيونه كانت تلمع بالمرح المعتاد، لكنه يعرف تمامًا أن هذا ليس وقت المزاح.

هي لم تنظر إليه حتى. عبرت من أمامه كأنها لم تراه، جلست داخل السيارة، واستقرت في مقعدها الفاخر بلا كلمة واحدة.

أندريه لم يتكلم أيضًا. أغلق الباب خلفها، وانتقل للمقعد الأمامي، وانطلقت السيارة في الظلام...

لم يكن هناك حديث. فقط أصوات عجلات السيارة وهي تمزق هدوء الشوارع.

---

وعلي الجانب الاخر ...

على قمة إحدى التلال المطلة على البحر، وقف قصر فاخر يشبه القلاع القديمة.

في الطابق العلوي من القصر المهيب، حيث يعجز الهواء عن التحرك دون إذنه، وقف هو...

مارسيانو سلفاتور.

ثلاثة وثلاثون عامًا مرّت عليه، وكل سنة منها تركت بصمتها في ملامحه، سنوات لم تُضعف منه شيئًا، بل زادته صلابة، وقسوة... ورُعبًا.

قامته الطويلة، وكتفاه العريضان، يعطيانه هيئة قائدٍ لا يقف أمامه أحد دون أن ينحني.

عضلاته منحوتة تحت القماش، لا استعراضًا، بل كأنها خُلقت للضرب والقتل، لا للزينة.

شعره الأسود مُسرّح بإتقان، لكن خصلة منه أفلتت وسقطت على جبينه، وكأنها ترفض الانضباط... مثله تمامًا.

بشرته تميل للون البرونزي، وكأن الشمس التي أحرقت غيره، انحنت أمامه فقط لتمنحه وهجًا لا ينطفئ.

أما عيناه...

سوداوين، لامعتين كالفحم المشتعل، لا تقرأ فيهما شيئًا، بل تقرأ منهما كل شيء.

نظراته ثابتة، تخترق الأشياء كأنها لا تراها، بل تُحاكمها.

كان يرتدي بنطالًا أسود مستقيمًا، وقميصًا ضيقًا يُبرز تفاصيل بنيته المتينة، أكمامه مطوية لأعلى، تكشف عن ذراعٍ يروي قصة لا تُقال بالكلمات.

على ساعده الأيسر، وشم ضخم يمتد من الكتف حتى منتصف الساعد...

جمجمة متشققة، تخرج منها أفعى سوداء، تتلوّى حول العظام، وتغرس أنيابها في فراغ العين اليسرى.

الوشم مرسوم بحبر داكن كالفحم، وتفاصيله دقيقة لدرجة تُرعب من يحدّق فيه أكثر من اللازم.

تحت الجمجمة، كُتبت عبارة صغيرة بلغةٍ لاتينية، تكاد تُقرأ وسط الخطوط السوداء:

"Mors venit silentio"

الموت يأتي في صمت.

ليس مجرد وشم...

بل إعلان حرب محفور على جلده، تحذيرٌ أبدي لكل من يظن أن هذا الرجل يمكن مواجهته دون أن يدفع الثمن.

رنّ الباب ثلاث طرقات… هادئة، دقيقة، كأن من خلفه لا يطرق فقط… بل يُعلن حضوره بثقة لا تقبل الرفض.

"ادخل."

انفتح الباب بسلاسة، ودخل الرجل بخطوات ثابتة، وظهره مستقيم كأنه خارج للتو من قلب معركة.

إميليو دي لاكروز..ٌ

في الثانية والثلاثين من عمره، الذراع اليمنى لمارسيانو، وعينه التي لا تغمض. يُهاب دون أن يرفع صوته، ويُطاع دون أن يأمر صراحة.

يرتدي بدلة رسمية سوداء بالكامل، مصمّمة بعناية، تخفي خلفها جسدًا تمرّس على القتل بصمت.

ربطة عنقه مستقيمة كأنه في جنازة لا يخصه فيها شيء سوى الحسم، وسترة بدلته مغلقة بإحكام، تُظهر التزامه وانضباطه.

وجهه حاد، كل زاوية فيه تحكي عن رجل لا يعرف الرحمة.

شعره البني القصير مصفف بإتقان، يظهر انضباطه العسكري،

لكن أكثر ما يُلفت في ملامحه… الندبة العريضة التي تمر أعلى حاجبه الأيسر، قاطعة طريقها بوحشية، وكأن أحدهم حاول أن يسرق منه بصره وفشل.

عيناه خضراء داكنة، صامتة، لا تفضح شيئًا، لكنها تزرع الخوف في من يجرؤ على النظر إليها طويلًا.

انحنى برأسه بخفة، وقال بصوتٍ خفيضٍ وواثق:

"سيد سلفاتور… هناك أخبار."

التفت مارسيانو ببطء، ورفع حاجبه ببرود:

"تحدث."

"عصابة فرانكو... قُضي عليهم بالكامل الليلة."

لم يتغير وجهه، كأنه لم يسمع شيئًا مثيرًا. اكتفى بسؤال آخر:

"من فعلها؟"

"فالكو، يا سيدي... إنه فالكو."

توقفت حركة يده للحظة، ثم نظر إلى إميليو نظرة عميقة.

"فالكو؟" كرر الاسم ببطء كأنه يتذوقه.

أدار وجهه ناحية النافذة من جديد، تطلع إلى أسفل القصر. ابتسم ابتسامة باهتة بالكاد ظهرت وقال بصوت هادئ:

"يبدو أنني سأسمع هذا الاسم كثيرًا قريبًا."

وفي اليوم التالي، انتشرت الأخبار:

"عصابة فرانكو تمت تصفيتها بالكامل. الفاعل مجهول، لكن الجميع يهمس بأسم واحد فقط... فالكو. "

The End

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝑻𝒉𝒆 𝑾𝒐𝒖𝒏𝒅𝒆𝒅 𝑫𝒓𝒂𝒈𝒐𝒏🖤 🖤

المؤلف 𝑉𝑜𝑟𝑡𝑎𝑟𝑦🖤👑
2025/11/04 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة