في ليلة حالكة السواد في أحد أزقة مدينة لندن - إنجلترا، يعمها السكون ولا يُسمع فيها إلا صوت قطرات المطر تتساقط على نوافذ الأبنية الزجاجية، كل الشوارع خالية؛ فالجميع يدثر نفسه في بيته..
كانت تركض بكل سرعتها وهي تلهث بشدة محاولة التقاط أنفاسها وجسدها يرتعش من البرد والخوف، التفتت وراءها وما زالت تركض بذعر خشية أن يكون هناك من يلاحقها منهم، لكنها لم تجد أحداً فأكملت ركضها حتى وجدت نفسها تقف أسفل جسر تمر السيارات من فوقه، جلست تحته لتحتمي من المطر وهي تستند بظهرها عليه ووضعت يمناها على قلبها لتحاول تنظيم دقاته التي تسارعت إثر خوفها ..
"حسناً، صرت بمأمن الآن .. لا أحد سيلحقني حتى هنا."
هكذا حدثت نفسها ثم سحبت نفساً عميقاً بعدما هدأت بعض الشيء ثم قامت تلتفت حولها بخوف وما زالت تطمئن نفسها بداخلها، زفرت بقوة ثم أدارت رأسها وهي تبحث في جيب معطفها الأيمن عن شيء ما، لكنها تيبست مكانها فور أن رفعت رأسها ورأتها تقترب منها.
اتسعت عيناها بذعر وبدأت تتراجع إلى الوراء بخطوات ثقيلة وكأن جسدها من شدة خوفه يأبى التحرك!
تسارعت أنفاسها مرة أخرى ونطقت من بين شفتيها المرتعشتين بخوف وترقب:
_ "ڤينوس" ..!
اقتربت الأخرى منها بخطوات ثابتة واثقة دون أن تنبس ببنت شفة، وظلت الأولى تتراجع بجسدها المرتعش الذي تيبس من الخوف حتى التصقت بعامود الجسر من خلفها، ازدردت لعابها وهي تراقب التي دعتها "ڤينوس" وهي تقف أمامها مباشرة ولا يفصل بينهما إلا بضع سنتيمترات قليلة.
اندفعت الفتاة تجثو على ركبتيها لتمسك ساق "ڤينوس" وهي تقول بتوسل بنبرة مهتزة مختلطة بدموعها:
_ "ڤينوس"! أرجوكِ دعيني وشأني! .. أنا لا أريد أن أؤذيكم أو أسلمكم، كل ما أريده هو أن أعيش برفقة أختي لأحميها وأعتني بها .. هي تحتاجني!
رفعت رأسها ببطء وهي تنظر في عيني "ڤينوس" الزرقاوتين علها تجد بداخلها رأفة أو شفقة تجاهها، لكن كل ما استشعرته منها كان مجرد البرود التام، وكأن صاحبة هاتين المقلتين ميتة وليست حية!ازداد خوفها أكثر عندما وجدت "ڤينوس" تجلس على إحدى ركبتيها مقابلاً لها ولا زالت صامتة تماماً، فتكلمت الأخرى مسرعة بلهفة ممتزجة بالخوف والترقب:
_ أنتِ تفهمينني، أليس كذلك؟ أنتِ أيضاً لديك أخ أصغر على استعداد لفعل أي شيء لأجله ولحمايته! صدقيني أنا كل ما أريده فقط هو أن أعيش حياة طبيعية برفقة أختي الصغرى!
ابتسمت "ڤينوس" من خلف قناعها بزاوية فمها وهي تهز رأسها مؤكدة على حديث الأخرى بتروٍ، فابتسمت باطمئنان على الرغم من خوفها الذي ما زال ظاهراً من خلال عينيها المتسعتين ومقلتيها اللتين تهتزان بعشوائية، فإذ بـ "ڤينوس" تضع نصل مِديتها على عنق الأخرى بخفة وسرعة جعلت عينيها تفتحان على وسعيهما، وقبل أن تدرك الأخرى شيئاً مررت "ڤينوس" مديتها على عنق الأخرى لتنحرها وما تزال عيناها مفتوحتان ومثبتتان على مقلتي "ڤينوس" منعدمة الحياة، اقتربت "ڤينوس" منها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة لتهمس في أذنها بنبرة هادئة خالية من المشاعر:
_ صحيح، أنا أيضاً لدي أخ صغير أحارب العالم لأجله؛ ولعلمك بهذا كان عليكِ أن تموتي!
ابتعدت "ڤينوس" إلى الوراء واعتدلت وهي تخرج منديلها لتمسح أثر دماء الأخرى عن مديتها ثم أعادتها إلى جيب معطفها الداخلي والتفتت لترحل تاركة تلك المسكينة التي سقطت أرضاً وأخفت الدماء المختلطة بالثرى معالم وجهها، لكنها توقفت فور أن وصلتها ضحكات خشنة رنانة تعرف صاحبها جيداً!
حركت جسدها جهة اليسار لتجده واقفاً مستنداً على العامود المقابل لهما بظهره ثانياً إحدى رجليه والأخرى على الأرض وهو يضع كلتا يديه مربعاً إياهما على صدره ولا زالت قهقهاته مرتفعة، حتى اقتربت منه "ڤينوس" بخطواتها المتريثة كعادتها ووقفت أمامه ترمقه بسهامها الزرقاء فتوقف الآخر عن الضحك وابتسم بزاوية فمه بسخرية ثم تحدث بنبرة لا زال بها أثر ضحكه وهو يصفق بيديه:
_ عظيم، رائع، هائل، مذهل! .. أثبتِّ أنكِ ابنة الحادي عشر فعلاً يا "ريم"!
قاطعته بنبرة جامدة معدلة حديثه:
_"ڤينوس" .. "ڤينوس" ثلاثة عشر!
اتسعت ابتسامته أكثر وظلت عيناه تتبعانها وهي ترحل حتى اختفى أثرها من مرمى بصره فالتفت مغادراً هو الآخر.
______________________________________
في صباح اليوم التالي ...
كان يقف في مطار "هيثرو" بالعاصمة لندن منتظراً دوره في الصف، بيده اليمنى يحمل جواز سفره والأوراق الازمة لمروره والأخرى يمسك بها حقيبة سفره.
كهل في السادسة والثلاثين من عمره، يرتدي معطفاً جملياً طويلاً يصل حتى ركبتيه، ومن تحته قميص من الصوف طويل العنق (هاي كول) باللون الأسود، وبنطاله من خامة الجينز باللون ذاته، ملامحه حادة ذو عينين رماديتين وشعر أسود قصير مموج وناعم، بشرته حنطية اللون وطويل القامة ذو جسد رياضي وبنية قوية.
زفر بملل وهو يراقب ساعة معصمه ليسمع موظفة المطار تنطق باللغة الإنجليزية:
_ التالي.
تقدم نحو مكتبها وقدم لها الأوراق لتفحصها، وما إن وقع نظرها على اسمه رفعت رأسها تنظر إليه بغموض ثم التفتت إلى زميلها تهمس له في أذنه بشيء فأخذ منها جواز سفره ليفتحه ويحدق ببياناته هو الآخر لبضع ثوان تحت نظرات الواقف أمامه متعجباً، رفع موظف المطار سماعته وتحدث فيها بصوت منخفض لا يكاد يُسمع، فأدرك صاحب الجواز أن الأمور لا تسير على ما يرام، لذا سأل الموظف بحذر:
_ هل هناك مشكلة؟
نظر إليه الموظف بلا رد ما زاد من تعجب الآخر، وما هي إلا دقائق معدودة على أصابع اليد الواحدة حتى وجد أمن المطار يقف أمامه ومد أحدهم يده بالأصفاد الحديدية قائلاً بنبرة جامدة بالإنجليزية:
_ "أنس مراد العربي"، مطلوب القبض عليك!
رفع "أنس" حاجبه باستغراب فتقدم ذو الأصفاد نحوه مما جعله يمد يده باستسلام تام وبرود أظهره على ملامحه ببراعة على عكس ما بداخله من قلق وتساؤل عن سبب هذه الجلبة.
قاده رجال الأمن بعدها إلى سيارة الشرطة وسط نظرات الآخرين المسلطة نحوه وهو يقاد ويعتقل كما المجرمين، وعندما لاحظ نظراتهم نحوه ظهر الضيق عليه لكنه ظل كما هو في السيارة حتى تحركت إلى وجهتها.
ظل يراقب الطريق بهدوء من النافذة وبدون أن يسأل حتى عن سبب اعتقاله، مما أثار تعجب رجال الشرطة لكنهم آثروا السكوت كما هو حاله، حتى توقفت السيارة أمام مركز الشرطة.
ترجلوا من السيارة فاقترب رجلان من "أنس" ليمسك كل منهما أحد ذراعيه ويسير به إلى داخل المركز، وبعد دقائق أخرى وجد رجال الشرطة يدلفون به إلى مكتب أحد الضباط وقاموا بفك الأصفاد عن يديه ثم ألقوا التحية العسكرية على الضابط الجالس على مكتبه بهيبة ووقار وانصرفوا إلى الخارج.
وقع بصر "أنس" على الجالس على أحد الكرسيين المقابلين لمكتب الضابط الذي ابتسم للضابط وهو يقول بلغتهم:
_ شكراً "هينري"، ممتنٌ لمساعدتك.
رد عليه "هينري" بابتسامة ودودة:
_لا شكر على واجب.
حينها استشاط "أنس" غضباً وخرج عن صمته ليصرخ بوجه الأول قائلاً:
_ أأنت مجنون يا "أويس"؟! أترى حقاً أن إحضاري من المطار بهذه الطريقة كما المجرمين أمر طبيعي؟!!
التفت "أويس" إليه قائلاً بابتسامة مستفزة وهو يتجاهل غضب "أنس":
_ مرحباً "أنس"، اشتقت إليك حقاً فقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة تلاقينا فيها!
تقدم "أنس" يضرب الأرض بغضب أسفل قدميه ليمسك ذلك المستفز من تلابيبه وهو يهدر من بين أسنانه:
_ من الواضح أنك اشتقت إلى دروسي كذلك، ولا مانع من أن ألقنك إياها الآن!
تحرك "هينري" ووقف بينهما يحاول فصلهما عن بعضهما، بينما ظل "أويس" بارداً وهو يفسر سبب فعلته _المنطقي من جهته_:
_ لو لم آتِ بك بهذه الطريقة لذهبت إلى الفندق ونمت به عشر ساعات أو أيام حتى تمتثل لطلبي وتأتي لتراني!
صرخ به "أنس" وهو في قرارة نفسه يعلم أن "أويس" قد صدق في كلامه:
_ذلك ليس مبرراً لأساق كالمجرمين أمام آلاف الناس من كل دول العالم!
وبعد الكثير من الوقت في محاولة لتهدئة غضب "أنس" من قِبل "أويس" و"هينري" جلس كل منهم مكانه، حيث "هينري" على كرسي مكتبه، والآخرين مقابل بعضهما على الكرسيين المقابلين لمكتب الضابط.
حينها أشار "أويس" على "هينري" وهو يقول معرفاً إياه:
_ "أنس"، هذا "هينري جاكوب" ضابط شرطة إنجليزي والمسؤول عن هذا المركز، وأحد أصدقائي القدامى الذين تعرفت عليهم خلال إحدى مهماتي هنا في السابق.
ابتسم له "أنس" فيما أشار "أويس" على الآخر معرفاً إياه كذلك قائلاً:
_ "هينري"، هذا المقدم "أنس العربي" من الشرطة المصرية، وصديق طفولتي.
مد "هينري" يده ليصافح "أنس" بوجه مبتسم وهو يقول أنه تشرف بمعرفته، وبعد التعارف بينهما صمت كلاهما موجهان نظراتهما إلى الثالث ليتكلم "أويس" بجدية وملامح حادة لا تتناسب مع استفزازه قبل دقائق:
_ دعونا الآن نتكلم في سبب إحضارك إلى هنا، نحتاجك في مهمة غاية في الأهمية..!
______________________________________
في أحد المدارس الثانوية ...
وقف يرتب حاجاته في حقيبته بعد انتهاء دوامه الدراسي؛ ليعود إلى منزله، أنهى ما يفعله ثم التفت إلى صديقه بجواره وهو يقول:
_ هل انتهيت يا "چو"؟
وقف "چو" وهو يرتدي حقيبة ظهره وهز رأسه موافقاً، فتحرك كلاهما إلى الخارج ليسيرا معاً إلى منزل كل منهما كعادتهما، وأثناء سيرهما مرا أسفل جسر فتعثر "چو" في غطاء إحدى بالوعات الصرف الصحي الذي لم يكن موضوعاً كما ينبغي بل كان مزحزحاً قليلاً، كما كانت تنبعث منه رائحة كريهة، فتوقف "چو" وهو يتأوه بصوت خافت إثر اصطدامه بالغطاء وكاد الآخر أن يسقط بها وهو يسير منشغلاً بهاتفه فأوقفه "چو" بسرعة قائلاً:
_ انتبه يا "نوح"!
توقف "نوح" وأبعد هاتفه من أمامه وهو ينظر إلى البالوعة باستغراب ثم قال:
_ من الذي أزاح غطاء هذه؟!
رفع "چو" حاجبه وهو يحرك كتفيه بمعنى "لا أعلم"، وسرعان ما لاحظ كلاهما الرائحة الكريهة المنبعثة منه فأسرعا في سد أنفيهما بعدما امتعض وجهيهما، تحدث "نوح" بصوت مختنق يسأل "چو":
_ ما هذه الرائحة؟! لقد آلمت معدتي!
_ وما أدراني؟! ثم من الطبيعي أن تنبعث من البالوعة رائـ ...
توقف "چو" فجأة عن الكلام حينما لاحظ خصلات شعر طويلة خارجة من فتحة البالوعة، فأشار إلى "نوح" قائلاً:
_ انظر! أي شعر هذا؟!
تعجب "نوح" هو الآخر، ولم يستطع تحجيم فضوله الذي دفعه إلى تشغيل مصباح هاتفه ثم اقترب بعدما جثى على ركبتيه وسلط الضوء على داخلها، ليشحب وجهه وينتفض مبتعداً وهو يصرخ بهلع مما رآه!اقترب "جو" منه وهو يسأله بقلق من صراخه:
_ ما بك يا "نوح"؟!
أجابه "نوح" وما زال نظره معلقاً على البالوعة بصوت مهتز متلعثم ومذعور:
_ جـ .. جثة! رأيت .. جثة في البالوعة!
تجمد "چو" محاولاً استيعاب كلمات صديقه، ثم أخذ هاتف "نوح" وسلط ضوء مصباحه على البالوعة بيده التي اهتزت من خوفه، وقد رأى ما رآه رفيقه وجعله في هذه الحالة، فانفلت الهاتف من يده وسقط أرضاً وتراجع "چو" إلى الوراء بخطوات مهتزة وعيناه متسعتان وبؤبؤاه يهتزان بخوف، تجمد الوقت بهما لثوانٍ ليدرك "چو" أنها جريمة قتل ويجب عليه إبلاغ الشرطة، فأمسك هاتفه بيد مرتعشة وطلب رقم الشرطة ثم ضغط على زر الاتصال ..
بعد نحو 10 دقائق كانت الشرطة في المكان وتفحصه بعدما أخرجوا جثة الفتاة ورأوها مذبوحة فباتوا متأكدين من كونها جريمة قتل، كان "نوح" و"چو" يقفان بعيداً قليلاً عن مسرح الجريمة وهما ينظران إلى رجال الشرطة بذعر، حتى اقترب شرطي منهما وهو يقول بنبرة هادئة نسبياً مراعاة لحال المراهقَين:
_ أخبراني كيف وجدتم الجثة؟ وهل وجدتما شيئاً آخر غيرها؟
ازدرد "چو" لعابه ثم قص على الشرطي ما حدث بنبرة مهتزة فيما ظل وجه "نوح" شاحباً والدموع متحجرة في عينيه، وأخبر الشرطي أنهما لم يعثرا على شيء آخر وأن هذا كل ما رأياه ويعرفانه، حينها هز الشرطي رأسه موافقاً ثم قال بنبرة رغم هدوئها إلا أنها كانت آمرة:
_ حسناً فهمت، لكن سيتعين عليكما الذهاب معنا إلى قسم الشرطة لتدليا بشهادتكما هناك، لا تخافا إنه مجرد إجراء اعتيادي ثم ستعودان إلى منزليكما.
نظر "چو" إلى رفيقه فوجده على تلك الحال وبصره معلق على مكان الجثة ولا ينطق بحرف وكأنه في عالم آخر، أمسك "چو" ذراعه يهزه وهو يذكر اسمه لينتبه لكنه لم يجب وظل على حاله، انتبه الشرطي لحالته فأعطاه زجاجة مياه لكن "نوح" لم يتغير فأثار قلق "چو" الذي أخذ يهزه بعنف حتى جثى "نوح" على ركبتيه وانهار صارخاً بهستيريا:
_ "آدم"!
جلس "چو" إلى جانبه على ركبتيه وهو يحاول فهم حالته وإخراجه منها وكذلك الشرطي، بينما "نوح" ظل كما هو يصرخ باسم "آدم" وكأنه فقد عقله!
______________________________________
في مركز الشرطة ...
أمعن كلاهما نظرهما وأرهفا سمعهما لـ "أويس" الذي سكت عندما استمعوا لطرق على الباب، فرفع "هينري" صوته يسمح للطارق بالدخول، وفور دخوله وقف "أويس" احتراماً له ويرحب به بابتسامة ودودة، فيما وقف "أنس" كذلك لكن بسبب تفاجئه من رؤية هذا الشخص هنا!
رجل في الستينيات من عمره، طويل القامة وطوله مقارب لطول "أنس"، ذو شعر قصير يكسوه البياض وملامح حادة وبشرة أفتح قليلاً من بشرة "أنس"، وله العينين الرماديتين نفسها.
كان يرتدي حِلة رسمية سوداء برابطة عنق حمراء، فنطق "أنس" مذهولاً:
_ عمي !
ابتسم الرجل بهدوء وهو يلقي التحية عليهم، فرد عليه "أويس" التحية ببشاشة ثم أشار له على كرسي آخر قربه منهم قائلاً:
_ أهلاً سيادة اللواء "سامر"، تفضل بالجلوس.
جلس "سامر" حيث أشار "أويس" إليه تحت نظرات "أنس" المتعجبة، فأشار "أويس" إليه هو الآخر بالجلوس فامتثل لطلبه.
لاحظ "أويس" نظرات الجميع التي حوت الكثير من الأسئلة المختلفة، فنطق معرفاً "هينري" أولاً:
_ هذا اللواء "سامر العربي"، لواء متقاعد من الشرطة المصرية، وهو عم "أنس العربي" كذلك.
صافح "هينري" الآخر وهو يبتسم له ويرحب به بعدما عرفه "أويس" لـ "سامر" كذلك، ثم تنحنح يلفت انتباه الحاضرين ليتكلم مفسراً:
_ طبعاً لا "أنس" ولا سيادة اللواء يعلمون سبب طلبنا لقدومهم إلى هنا، وهذا ما سأفسره الآن ..
تنهد ثم أردف بنبرة جادة وعملية:
_ وصلتنا معلومات بالمخابرات العامة المصرية أن أحد المنظمات الفاسدة والخارجة عن القانون تكيد لمصر، هذا طبعاً إذا كانت منظمة واحدة وليست أكثر متعاونون معاً..
تكلم "أنس" باستفسار:
_ معنى أنكم لا تعرفون عددهم أي أنكم لا تعرفون هوية تلك المنظمة كذلك، صحيح؟
حرك "أويس" رأسه موافقاً ثم تابع بذات النبرة:
_ لا نعلم من هم، لكننا نعلم خطتهم، فهم يخططون إلى إيقاف حركة الاستيراد والتصدير وشلها تماماً لمدة تصل إلى شهر وأكثر بمصر، وهذه المدة بالطبع كفيلة بتدمير الاقتصاد المصري أكثر من كونه مدمراً!
بدأ القلق جلياً على ملامح كلٍ من "سامر" و"أنس"، فيما سأل "سامر" بترقب:
_ وكيف يمكن لمنظمة أن تضرب الاقتصاد لدولة كمصر في مقتل بهذه الطريقة؟!
التفت "أويس" إليه وهو يجيب على سؤاله بشرح خطة أولئك الخارجين عن القانون:
_ يخططون لوضع الممنوعات والمواد المخدرة في جميع الصادرات والواردات بلا استثناء، وسيورطون كل الشركات معهم، فإما أن يتمكنوا من تهريب هذا الكم الكبير من الممنوعات وإما أن نحاول نحن اعتراض هذه الواردات جميعها مما سيؤدي إلى أخذ وقت طويل حتى نتأكد من كون الحاوية خالية من أي ممنوعات فنسمح لها بالولوج، وخلال ذلك الوقت سيتوقف تدفق السلع بشكل شبه كامل لمدة أسابيع وربما أشهر وسيتعطل الاستيراد، أما بالنسبة إلى التصدير فكما قلت سيضعون بكل الحاويات التي سيتم تصديرها إلى خارج البلاد الممنوعات كذلك، مما سيسيء لسمعة مصر وغالباً سترفض كل الدول استقبال أي واردات من مصر حتى يتحسن الوضع مما سيضعنا بمأزق كبير.
اتسعت عيون "أنس" و"سامر" ونظر كلاهما للآخر بذهول جراء ما سمعاه من خطة لم تخطر حتى على بال إبليس!
لكن السؤال الأهم الآن هو "هل يمكن تطبيق شيء كهذا فعلاً؟!"
تكلم "أنس" بتساؤل:
_ فهمت، لكن ما الهدف من إحضاري وإخباري أنا وعمي بشيء كهذا؟!
_ لا زال أمامنا نحو شهر حتى تتم هذه الخطة، وخلال هذا الشهر إذا لم نمسك بالمسؤولين عن هذه الكارثة فلن نتمكن من تجنبها وسنقع بها؛ لذا فالحل الوحيد هو القبض عليهم قبل أن يشرعوا في تنفيذ مخططهم، وهذا ما ستقومان به..!
ازداد تعجب كليهما أكثر، فأردف "أويس" مفسراً وظيفتهما:
_ لا بد أنهم سيستخدمون الشركات والمؤسسات الكبرى ليقوموا بهذا، ولا بد أيضاً أن لهم مؤسسات تقع تحت طوعهم بشكل مباشر، لذا علينا أن نراقب كل تلك المؤسسات والشركات لنخرج من بينهم رأس الأفعى ونقطعها، وبما أنكما مالكان وتديران واحدة من كبرى شركات الشرق الأوسط في الاستيراد والتصدير، وكذلك لكما خلفية عسكرية وقيادية ولكما ولاء لمصر فقد رأينا أنكما مثاليان لتلقي هذه المهمة..
أمعن "سامر" النظر إلى "أويس" ثم حرك رأسه موافقاً ليؤكد على فهمه لكلامه، ثم سأل بتعجب:
_ المعلومات التي قلتها حساسة جداً ولا ينبغي أن يعرفها أحد غير المعنيين، ومع ذلك قلتها أمام ضابط أجنبي ومن الواضح أنه يعلم هذا مسبقاً بالفعل، كما أنني لم أفهم بعد لم أحضرتنا إلى إنجلترا؟! ألم يكن الأولى أن نظل داخل مصر؟!
هنا تدخل "هينري" ليجيب على سؤال "سامر" الذي بدا مستنكراً أكتر من كونه استفساراً هادئاً:
_ في الواقع نحن في إنجلترا معنيين بذلك أيضاً؛ لأن المنظمات المشتبه بها في تنفيذ هذا المخطط ترجع في الأصل إلينا، ومعظمهم مقرهم هنا ويتمركزون في لندن.
نظر "أنس" بترقب إلى عمه الذي زال استنكاره ورفضه ثم التفت إلى "هينري" قائلاً:
_ وما هي أسماء تلك المنظمات؟
مد "هينري" يده بملف إلى "أنس" وهو يجيب عليه:
_ ستجدها بكل المعلومات التي تحتاجونها هنا في هذا الملف.
التقط "أنس" الملف الورقي من يده وفتحه وهو يمعن النظر في قائمة أسماء تلك المنظمات حتى وقع بصره على اسم إحداها فتوسعت عيناه بصدمة ورفع رأسه ينظر إلى "أويس" قائلاً:
_ "بلانتيا"!!
______________________________________
في منزل "نوح" ...
كانت تقف في المطبخ وهي ترتدي مريولاً وردياً وتقلب ما في الطنجرة على الموقد، رفعت الملعقة التي على حوافها بعض من الطعام الذي تطهوه لتتذوقها، وابتسمت حينما استشعرت مذاقه اللذيذ الذي أثبت مهارتها في الطبخ، ثم أطفأتِ الموقد ووضعت الغطاء على الطنجرة والملعقة جانباً.
خرجت إلى الصالة ونظرت إلى الساعة وما أن لمحت الوقت بدأ القلق يتسلل إلى قلبها، فصغيرها لم يعد حتى الآن من مدرسته!
صحيح أنه صار في الثانوية، إلا أنها حتى الآن تخشى عليه كما لو كان طفلاً!
توجهت إلى غرفتها والتقطت هاتفها لتتصل به لكن الرنين كان ينتهي قبل أن يرد عليها، فزاد قلقها أكثر وظلت تدعو الله في بالها ألا يكون قد أصابه مكروه.
حينما يئست من رده عليها قامت بطلب رقم صديقه "چو" الذي رد بعدما كادت المكالمة أن تغلق فتكلمت بلهفة وقلق:
_ "چوزيف" هل "نوح" معك؟؟
أجاب عليها محاولاً التحكم بأعصابه لكيلا يقلقها:
_ نعم "آية"، "نوح" في المشفى..!
______________________________________
#يُتبع ...
#فاطمة_البصيلي
#رواية_ العميل_Venus_13