صَدَى الظِّلَالِ فِي أَرُوقَةِ النَّدَمِ

صَدَى الظِّلَالِ فِي أَرُوقَةِ النَّدَمِ

15 0

كانت ثُرَيَّا قد أَدْرَكَت، مُنذُ ذاكَ اللِّقاءِ الأوَّلِ بِعَيْنَي هُمام، أنَّ في هذا الطَّبيبِ شيئًا يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الغُمُوضِ العَابِرِ، شيئًا يَتَسَلَّلُ إلى الأعماقِ قَبلَ الأذهانِ. كان كائِنًا لا يُشْبِهُ الأطبّاءَ الذين ألفَتِ التَّعامُلَ معهم؛ كأنَّ وَجْهَه صَخْرٌ مَصْقُولٌ لا تَنعَكِسُ عليه سوى وَهَجِ الذَّاتِ. ومَعَ مَرُورِ الأَيَّامِ، لم تَعُد أَرُوقَةُ مُسْتَشْفَى سانت تُوماس بالنِّسْبَةِ لها مُجَرَّدَ مَمَرَّاتٍ لامِعَةٍ من البِلاطِ الأَبيضِ، بَل صَارَت كأمعاءِ أَفعَى مُلْتَفَّةٍ، يَضِيقُ جِدارُها على العابِرِ حَتَّى يَخْتَنِقَ.

كانت الإضاءةُ الفاتِرَةُ للمصابيحِ النَّيونِيَّةِ تَنْحَدِرُ من السَّقْفِ كأشِعَّةِ قَمَرٍ حَديدِيٍّ، تَسْكُبُ نُورَها على الأَرْضِ في خُيُوطٍ مُتَقَطِّعَةٍ، فَتَنْسِجُ ظِلَالًا مُمَدَّدَةً تُشْبِهُ أَصَابِعَ كائِناتٍ غَيْبِيَّةٍ تُلَوِّحُ لِلخَطْوَةِ القَادِمَةِ. أَمَّا الجُدْرَانُ، فَقَد غَدَت في نَظَرِها جُلودًا رَمَادِيَّةً حَيَّةً، تَخْتَزِنُ وَرَاءَهَا أَسْرَارًا تَتَنَفَّسُ في صَمْتٍ مَهِيبٍ.

في تِلْكَ اللَّيلَةِ، ومَع انقِضَاءِ سَاعَاتِ وَرْدِيَّتِها، دَخَلَت ثُرَيَّا غُرْفَةَ التَّمْرِيضِ الَّتِي تَطِلُّ نافِذَتُها الضَّئِيلَةُ على نَهْرِ التَّايْمز. كانَ اللَّيلُ يُلْقِي عَبَاءتَه السَّودَاءِ على المِيَاهِ، بَيْنَمَا يَتَسَلَّلُ الضَّبَابُ من النَّهْر صَاعِدًا نَحْوَ الزُّجَاجِ، يَحْجُبُ عن عَيْنَيْها مَلامِحَ الضَّفَّةِ المُقَابِلَةِ، حَتَّى صَارَت المِرْآةُ غَائِمَةً مِن زَمَنٍ غَابِرٍ. أَمَامَها ثَلاثَةُ مَلَفّاتٍ لِمَرْضَى رَحَلُوا فَجْأَةً، بِلا سَبَبٍ طِبِّيٍّ ظَاهِرٍ، خِلالَ أَسَابِيعَ مَعْدُودَةٍ.

بَدَأَت تُقَلِّبُ الصَّفَحَاتِ بِتُؤَدَّةٍ، تَتَنَقَّلُ بِعَيْنَيْها بَيْنَ الأَسْمَاءِ وَالتَّوَارِيخِ وَالمُلَاحَظَاتِ الطِّبِّيَّةِ. حِينَ بَلَغَتِ المَلَفَّ الثَّالِثَ، تَجَمَّدَت أَنْفَاسُها؛ إِذ وَجَدَت فِي الهَامِشِ، وَعَلَى وَرَقَةِ الفَحْصِ الأَخِيرَةِ، رَمْزًا مَرْسُومًا بِخَطٍّ أَسْوَدِ حَادٍّ: دَائِرَةٌ يَخْتَرِقُها سَهْمٌ أَسْوَدٌ مائِلٌ نَحْوَ الأَسْفَلِ. أَسْفَلَ الرَّمْزِ، كُتِبَ بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ بِخَطٍّ مَائِلٍ، حَادٍّ كَالنَّصْلِ:

> إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ

فَلَا تَقنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ

لَكِنَّ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ مِنَ الشَّطْرِ الثَّانِي شُطِبَت بِخَطٍّ غَلِيظٍ، وَكَأَنَّ الكَاتِبَ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ المَعْنَى مُعَلَّقًا فِي هَاوِيَةِ النَّقْصِ.

أَطْبَقَت ثُرَيَّا المَلَفَّاتِ، وَأَحَسَّت بِبَرْدٍ يَسْرِي فِي أَطْرَافِها، كَأَنَّ الأَفْعَى المَرْسُومَةَ عَلَى الوَرَقَةِ قَد نَفَثَت أَنْفَاسَها فِي جَسَدِها. نَهَضَت لِتُغَادِرَ، فَإِذ بِظَرْفٍ أَبْيَضَ صَغِيرٍ مُنْزَلِقٍ تَحْتَ بَابِ الغُرْفَةِ. التَقَطَتْهُ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَفَتَحَتْهُ، فَإِذ بِدَاخِلِهِ قَصَاصَةُ قَمَاشٍ بَيْضَاءَ، تَتَوَسَّطُهَا نُقْطَةُ حِبْرٍ سَوْدَاءَ دَاكِنَةٍ، وَأَسْفَلَهَا عِبَارَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِخَطٍّ دَقِيقٍ: "حَيْثُ تَبْدَأُ البُقْعَةُ، يَنْتَهِي الضَّوْءُ". لَم تُدْرِك مَغْزَى العِبَارَةِ، لَكِنَّ قَلْبَها أَيْقَنَ أَنَّهَا لَيْسَت مُجَرَّدَ تَهْدِيدٍ، بَل جُزْءٌ مِن لُعْبَةٍ أَعْمَقَ وَأَشَدَّ ظَلَامًا.

---

في صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، كَانَ هُمام يَسِيرُ فِي المَمَرَّاتِ بِخُطُوَاتٍ مُوَزُونَةٍ، كَمَنْ يُدِيرُ سِيمْفُونِيَّةً صَامِتَةً لا يَسْمَعُهَا سِوَاهُ. مِعْطَفُهُ الأَبْيَضُ خَالٍ مِن أَيِّ تَجَعُّدَةٍ، يَنْسَدِلُ عَلَى جِسْمِهِ المَمْشُوقِ كَأَنَّهُ اِمْتِدَادٌ طَبِيعِيٌّ لِشَخْصِيَّتِهِ. عَيْنَاهُ الثَّابِتَتَانِ لا تُفْصِحَانِ عَنْ شُعُورٍ، لَكِنَّ خَلْفَهُمَا كَانَتْ تَتَلألأ نِيرَانٌ هَادِئَةٌ، مُحْتَجَزَةٌ فِي قَبْوٍ دَاخِلِيٍّ لا يَدخُلُهُ أَحَدٌ.

كُلُّ وَجْهٍ يَبْتَسِمُ بِسُخْرِيَةٍ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ تُقَالُ عَنْ مَاضِيهِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ فِي أَرُوقَةِ المُسْتَشْفَى، كَانَتْ وميضًا أَحْمَرَ فِي رَأْسِهِ، إِشَارَةً تُضَافُ إِلَى لَائِحَةِ الأَسْمَاءِ الَّتِي لَنْ تُمْحَى حَتَّى يُطْفِئَهَا المُوتُ.

تَوَقَّفَ ذَلِكَ النَّهَارَ أَمَامَ غُرْفَةِ مَرِيضٍ جَدِيدٍ اسْمُهُ مُؤَيَّد. كَانَ رَجُلًا فِي مُنْتَصَفِ الأَرْبَعِينَ، جِسْمُهُ ضَخْمٌ، وَجْهُهُ مُسْتَدِيرٌ تَتَنَاثَرُ عَلَيْهِ آثَارُ ضَحَكَاتٍ مَضَتْ، وَقَدِ انْهَمَكَ فِي رِوَايَةِ "قِصَّةِ الطَّبِيبِ الَّذِي قَتَلَ زَوْجَتَهُ" لِرِفَاقِهِ، كَأَنَّهُ يُرَوِي طَرْفَةً لِلتَّسْلِيَةِ.

دَخَلَ هُمام بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ، يَرْفَعُ حَاجِبَيْهِ قَلِيلًا فِي إِيمَاءةٍ مُهَذَّبَةٍ، وَيَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً بَاهِتَةً لا تَلَامِسُ عَيْنَيْهِ. فَحَصَهُ بِمَهَارَةِ الطَّبِيبِ المُتَمَرِّسِ، لَكِنَّ عَقْلَهُ كَانَ يَغْزِلُ الخَيْطَ الأَخِيرَ فِي فَخٍّ أَعَدَّهُ مُسْبَقًا.

---

بَعْدَ سَاعَاتٍ، دَوَّت صَرَخَاتُ مُؤَيَّد فِي الطَّابِقِ الرَّابِعِ. جِسْمُهُ يَتَلَوَّى عَلَى السَّرِيرِ، وَعُرُوقُهُ تَنْتَفِخُ بِلَوْنٍ أَرْجُوَانِيٍّ، فَمَا يَعْلُو أَنِينُهُ إِلَى حَدِّ الاخْتِنَاقِ. هَرَعَ الأَطِبَّاءُ وَالمُمَرِّضُونَ، وَثُرَيَّا بَيْنَهُم، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا لَم تُفَارِقَا وَجْهَ هُمام. لَم يَكُن فِي مَلَامِحِهِ أَثَرٌ لِلذَّعْرِ أَوِ الاسْتِعْجَالِ لِإنْقَاذِهِ، بَل وَقَفَ عِنْدَ زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ، يُرَاقِبُ المَشْهَدَ بِعَيْنَيْنِ ثَابِتَتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ سُطُورَ رِوَايَةٍ يَعْرِفُ خَاتِمَتَهَا سَلَفًا. كَانَ صَمْتُهُ يَصْرُخُ: "لَقَد بَدَأَ الضَّوْءُ فِي الانْطِفَاءِ".

---

مَعَ انْحِدَارِ اللَّيلِ، جَلَسَت ثُرَيَّا فِي غُرْفَةِ الأَرْشِيفِ، وَقَدْ عَزَمَتْ عَلَى نَبْشِ المَاضِي. كَانَت أَرْفُفُ الغُرْفَةِ كَجُدْرَانِ مَقْبَرَةٍ صَامِتَةٍ، كُلُّ مَلَفٍّ فِيهَا شَاهِدُ قَبْرٍ يَحْمِلُ اسْمًا لَمْ يَعُد لَهُ جَسَدٌ. أَضَاءَت شَاشَةَ الحَاسُوبِ، وَبَدَأَتِ البَحْثَ فِي السِّجِلَّاتِ القَدِيمَةِ، حَتَّى وَجَدَت نَمَطًا مُرَوِّعًا: كُلُّ مَرِيضٍ مَاتَ تَحْتَ إشْرَافِ هُمام، كَانَ عَلَى صِلَةٍ بِقَضِيَّةِ وَفَاةِ ابْنَتِهِ؛ شُهُود، مُوَظَّفُونَ فِي المُحْكَمَةِ، وَحَتَّى أَصْدِقَاءٌ مُقَرَّبُونَ مِنَ السَّائِقِ الَّذِي دَهَسَ الطِّفْلَةَ.

---

وَفِي الطَّرَفِ الآخَرِ مِن لَنْدَن، كَانَ هُمام وَاقِفًا أَمَامَ قَبْرَيْ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ فِي مَقْبَرَةٍ تُغَطِّيهَا طَبَقَةٌ رَقِيقَةٌ مِنَ الثَّلْجِ. كَانَتِ الرِّيحُ تَعْصِفُ بِأَغْصَانِ الأَشْجَارِ العَارِيَةِ فَتُصْدِرُ أَنِينًا كَأَنَّهُ صَدَى بُكَاءِ بَعِيدٍ. انْحَنَى، وَأَزَاحَ الثَّلْجَ عَن الحُرُوفِ المَنْقُوشَةِ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى مِعْطَفِهِ وَأَخْرَجَ ظَرْفًا صَغِيرًا وَوَضَعَهُ عَلَى القَبْرِ. كَانَ بَدَاخِلِهِ الرَّمْزُ ذَاتُهُ، وَوَرَقَةٌ بَيْضَاءُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِخَطٍّ أَسْوَدٍ: "اِقْتَرَبَ الحَصَادُ".

هَمَسَ بِصَوْتٍ يَكَادُ يَتَلَاشَى:

"سَأَظَلُّ أَقْتَصُّ، حَتَّى يَصِيرَ النَّهْرُ دَمًا، أَو أُدْفَنَ مَعَكُما."

ثُمَّ وَقَفَ مُسْتَدِيرًا نَحْوَ الضَّبَابِ، كَأَنَّهُ يَسِيرُ فِي نَهْرٍ مِنَ الظِّلَالِ، تاركًا وَرَاءَهُ لَنْدَنًا لا يَعْلَمُ أَنَّ المُوتَ صَارَ يَسِيرًا فِي أَرُوقَةِ المُسْتَشْفَى، لا عَلَى قَدَمَيْهِ، بَل عَلَى قَلْبٍ احْتَرَقَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ سِوَى رَمَادِ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

" مُعادلةُ الظِّلال "

المؤلف دُعاء العَليقي .
2025/08/28 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة