كان كريم جالسًا بين الوثائق والملفات، يكتب ويدوّن ما يطلبه منه الموظفون الآخرون. موظف الأرشيف هذا كان منضبطًا، منظّمًا، هادئًا جدًا وجديًّا. لكنه كان منعزلًا، لا يخاطب أحدًا إلا عند الضرورة. عاش حياته بين الرفوف الضخمة، ورائحة الورق القديم، والعناوين المتفرقة.
كان يستيقظ كل يوم عند السادسة والنصف صباحًا. يذهب ليستحم في حمام قديم نوعًا ما، لكنه يفي بالغرض لشخص يسكن وحيدًا بلا عائلة. بعد أن انتهى من استحمامه، جفّف جسده جيدًا، ثم اتجه إلى المطبخ، أعدّ بيضتين وأكلهما بينما كان يستمع إلى موسيقاه المفضلة. وما إن أكمل طعامه حتى أشعل سيجارة ودخّنها، وهو يفكر بما سيفعله خلال يومه، وكيف سيتجنب مخالطة الآخرين قدر الإمكان. لم يُعطِ التفكير مساحة كبيرة، بل ذهب إلى غرفته، أخذ قميصه وبنطاله المعتادين، وكانا دائمًا نظيفين ومكويين كما اعتاد أن يفعل.
في طريقه إلى عمله، صادف جاره، فألقى عليه تحية سريعة كعادته وأكمل طريقه. وصل إلى محطة الباص، فرأى المرأة ذاتها التي كان معجبًا بها. حيّاها فردّت عليه بأخرى، وبقي صامتًا لوهلة، ثم سألها عن أحوالها وعملها. أجابته بأنها بخير وكل شيء على ما يرام. في تلك الأثناء وصل الباص، فصعدا معًا، وجلس بجانبها. لم يقل شيئًا ولم يفعل شيئًا، ليس لأنه خجول، بل لأنه ببساطة لا يريد ذلك.
كان الطريق، ككل مرة، مملًا وتافهًا: ذات الوجوه، ذات الأماكن، فلا يُعيره اهتمامًا. ظلّ يفكر بما ينتظره في العمل، حتى قطعَت عليه شروده حين سألته:
ـ “أراك مشغولًا اليوم.”
ردّ بهدوء:
ـ “نوعًا ما.”
سكتت، ولم تكمل الحديث. في تلك اللحظة وصل الباص إلى محطتهما، فترجلا كلٌّ إلى وجهته.
دخل إلى الأرشيف. كان المكان خاليًا إلا منه. حضّر قهوة سوداء قاتمة كحياته، وأخذ يرشفها بينما يدخن سيجارة ويطالع المكان بصمت. بعدها بدأ يستلم الطلبات من الموظفين، يخرج لهم الوثائق والملفات المطلوبة. كان المكان أكثر هدوءًا من المعتاد.
احس في هذه الفترة بتوعك شعور غير طبيعي دوار جعل منه لا يستطيع اكمال عمله كأن الأرشيف كله قد بدأ يدور. اقترب من الكرسي محاولاً الجلوس وأذ به يسقط على وجهه فجأة. دخل بعد وهلة احد الموظفين فوجده مدداً ارضاً. اقترب منه بهدوء وحاول ايقاضه وأذ به لا يستيقظ. اتصل بالأسعاف وابلغ المدير وزميله المقرب نوعاً ما. كانوا هرعين نوعاً ما كأنهم خافوا خسارته. او أنهم تهيؤا ان نهايته حانت.
في المستشفى
كان متمدداً على السرير الأبيض الممزوج باللون الأزرق كان المكان مليئاً برائحة المعقمات. زميلاه احمد وتقى كانا عنده تحمدوا له على سلامته. شكرهما
نظر اليهما ثم الى يده التي كانت بها ابره المغذيات عندها تكلم:
لقد تغيبت عن العمل. قالها بأسى
ردت عليه تقى قائلة: الا ترى حالك؟ وتقول انك تغيبت؟ لقد منحك المدير اجازة.
التفت اليها بنظرة منزعجة: انا لم اقل إني اريد إجازة.
نظر اليه احمد وأسكته بسرعة. فهم الموقف. لم يتوجب عليه الكلام. وربما نعم. في كلتا الحالتين لا يهم. فقد تكلم بعد انهاء جرعته وهو ينظر الى السقط الأبيض الساطع. الذي يكاد يدمر العين لشدة ازعاجه. كان يشيح بنظره عنه وبأحيانٍ اخرى يعيدها. كأن شيئاً داخله يدفعه لهذا الفعل. لكنه لم يكترث بما حدث له.
بعد خروجه من المشفى وفحصه حصل على اجازة لثلاث ايام ينال فيها الراحة. لم يفرح ولم يحزن لم يحس بشيء بقي في مسكنه. جلس قرب النافذة يدخن كان مكانه هادئاً فتح كتاباً كما اعتاد دائماً ان يقرأ فهو يحب القراءة جداً او هذا ما يظنه. بقي نصف ساعة، ساعة، ساعتين حتى انهى كتابه الذي في يده. نهض من الكرسي الذي ازعج ظهره قليلاً واستلقي على سريره البارد وقد لف نفسه بالغطاء حتى اخذه النوم.
اليوم الثاني
افاق عند التاسعة صباحاً. كعادته اليومية نهض، استحم، اكل، دخن، لا شيء يدعوا للاستمرار سوى العادة. والعادة هي ما تقتلنا. خرج يتجول هذه المرة ارتدى قميصه الأبيض وبنطاله الأسوء مع حذائه الجلدي الأنيق. كان مرتباً جداً رائحة عطره البارد قد امتزجت بقليلٍ من رائحة السجائر. اخذ يتجول ويتجول في المدينة من دون هدف.
حتى وصل مركز التسوق. رآى انه يحتاج بعض الأشياء للمنزل. دخل الى هنالك وبدأ يتجول بين رفوف المواد الغذائية والمنزلية. ذكره ذلك بالأرشيف وفي قسم المشروبات وجدها كانت تقى تختار علبه عصير برتقال باردة لكنها بدت محتارة اقترب منها ثم القى التحية ردت عليه بالمثل ثم سألته:
—كريم ايهما افضل؟
—اختار الثانية.
عبوة عصير راني. كان يحب هذا النوع جداً ويشربه دائماً لا سيما طعم الرمان. سألها ان احبت ان تكمل التسوق معه. فأجابت بابتسامة خفيفةً بأنها موافقة ذهبا معاً اخذ معكرونة، صدور دجاج جاهزة، وأطعمة مجمدة، وبعض انواع البهارات، وجبات خفيفة، قهوة تركية، وتبغ. عندما انتهيا من ما احتاجوه وقفا في الصف لدفع ثمن ما اخذوه عند انتهائهما. نظرت اليه تقى قبل ان تذهب وأخرجت له قلم حبر جميل بلون اسود وذهبي وأعطته له وقالت:
—أردت اعطائه لك في العمل لكن بما اني وجدتك هنا فتفضل.
فرح بالهدية واخذها ثم شكرها وانصرف بهدوء كأن شيئاً لم يكن كان الغروب قد بدأ يحل لم يعرف كم قضى من الوقت معها او في التجول. لكنه شعر بسعادة بعد حصوله على هذا القلم الجميل. عاد الى المنزل وبعد ان رتب الأشياء في اماكنها وحضر بعضاً من المعكرونة وصدور الدجاج وبدأ يأكل. في وسط طعامه فتح القلم وملأه بالحبر الأسود وبدأ يكتب. كلمات مبعثرة ليس لها معنى. قرر انه سيعتمد هذا القلم الى جانب القلم الذي اهدته له امه قبل وفاتها. كان يحبها كذلك لكن فراقها زرع فراغاً في داخله. او ربما شيئاً اخر اكبر
اليوم الثالث
كان اخر يوم عطلة له. لم يكن يحن للأرشيف ولم يأبه لأنتهاء عطلته. اكمل روتينه المعتاد على اتم وجه. استحم وشغل موسيقاه المفضلة. هذه المرة كان يجلس اسفل الماء. وينظر الى الأعلى ويفكر في ما سيفعله اليوم. كان شعره قصيراً اسود اللون عيناه بنيتان داكنتان وبشره حنطية وأنفه كان متوسط الحجم صغير المنخار نوعاً ما ذقنه اشبه بالحادة لحيته كثيفة ومتناثرة على وجهه نسي حلاقتها ربما لأنه ليس جندياً. وصل لفكرة الا وهي ان يغلق بابه اليوم وان يجلس يطالع روايته الجديدة التي بدأ بها اكمل استحمامه. سجب المنشفة جفف نفسه جيداً ارتدى ملابسه كانت تيشيرتاً رمادي اللون وسروالاً اسود وشعره مشطه كعادته الى الأعلى كان شكله مقبولاً حضر أفطاره وهو يسمع زقزقة العصافير على غير عادته ان يتجاهلها ربما اراد ان يستمتع هذه المرة لكن لا لوم عليه احياناً المرء يحتاج مساحة للراحة والسعادة حتى يكون انساناً. بقي على هذه الوتيرة خمس قطع بان كيك مع شوكولاته بالبندق اخذها على الطاولة وهو فرح لأنه لم يحضرها منذ فترة. فكان يحبها جداً اكلها بشغف هادئ.
كما هو في عادته. لم يتغير وربما هذا هو تغيره الجوهري ما جعل منه هادئاً هكذا فقد مر بوقت عصيب احياناً. اكمل طعامه بعد ان استمتع بكل لقمة وتمنى لو انه لم ينتهي اخذ الصحون الى المغسلة ثم صب الماء عليها لتتبلل في هذه الأثناء ذهب لكرسيه جلس اشعل سيجارة، دخنها وهو ينظر من النافذة في هذه الأثناء تغيرت الأغنية لأغنية تافهة لا يحبها ولا يطيق سماعها. لم يتجاهلها ولم يغيرها ليس لأنه متكاسل بل لأنه مقتنع. بقي يستمع للأغنية وهو يدخن سيجارة وبعد كل نفس منها يرمي الرماد في المطفئة جتى انها سيجارته ونهض ليغسل اطباقه غسلها وهو يفكر في يوم غد وكيف سيكمل عمله ولم يكمل تفكيره حتى قطع بأتصال من زميله احمد. جفف يده وأخذ الهاتف وحياه رد احمد التحيه ثم سأله ان كان يحب الخروج معه للمقهى القريب. كان بيت احمد يبعد قليلاً عن كريم والمفاجئ هذه المرة انه اتصل عليه رد كريم عليه بأنه يريد قراءة روايته اصر احمد على حضوره فلم يبق له غير الموافقه اغلق الخط. اكمل غسل صحونه ثم اخذ يتصفح في التطبيقات بلا هدف. كان اغلب المشاهير تافهين جداً بالمعنى الحرفي لم يضحك عليهم لم يحزن ولا حتى تعاطف فقط ترك منشوراتهم ومر مرور الكرام دخل اقتراحات الصداقة في احد التطبيقات واذ به وجد "تقى" كأقتراح للصداقة نظر قليلاً ثم دخل صفحتها صورتها بالملف الشخصي كانت جميلة وجهها المدور الصغير وعينيها وفمها وشعرها كان اجمل ما رآه. نزل اكثر فوجد صورتها مع عائلتها. وزميلات العمل لم ير ان لديها صديقات وبقى على هذا الحال يتصفح بلا هدف واضح دخن سيجارتين عندما نظر الى احد ابيات المتنبي:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
ثم رمى هاتفه بقي ينظر الى السقف بعدها الى المصباح ويشيح بنظره عنه قاصداً المروحة التي تدور ببطئ كحياته ثم فجأة رن منبهه عند الساعة الرابعة كان موعده مع احمد عند الخامسة مسائاً لم يعرف كيف مضى الوقت هكذا لكنه مضى نهض ليجهز ملابسه اخرج قميصاً نيلي اللون وبنطالاً اسود فحمي وحذائه الأسود. ثم اخذ سجهز غدائه بسرعة كام عبارة عن معكرونة مسلوقة مع القليل من الخضار المقلي كان يطبخها ويفكر ماذا سيفعل في المقهى مع احمد وعن ماذا سيتكلمون. العمل؟ السياسة؟ ام المجتمع؟ لم يكن يدري مع العلم ان الموضوع شغل بالع قليلاً وما ان اكمل طبخ طعامه وتناوله بسرعة من دون اي شيء اضافي حمل الصحون ووضعها في المغسلة وفتح صنبور الماء لتتبلل. ثم اغلقه. شرب كوباً من الماء كانت تشير الى الرابعة وخمس واربعون دقيقة بعدها انطلق للمقهى للقاء زميله او ربما صديقه الجديد احمد.
عند الطريق
خرج مرفوع الرأس كالعادة ينظر امامه فقط واحياناً يلتفت. رآى جاره جالساً على كرسي في باب بيته رفع يده ورد جاره التحية. مثل العادة التي لا تتغير. بقي في الطريق يفكر. هل ان زميله لم يجد احد اصدقائه متفرغاً فطلب منه اللقاء. لان احمد كان اجتماعياً ومختلطاً بالاخرين وله روح خاصة في كل مجلس وحديث.استمر في دوامه التفكير داخل رأسه.
هل ان العادة هي من تجعلنا نفعل هذا؟ هل العادة تحكمنا؟ هل نحن عبيد هذه الأيام والصفات العابرة؟ كان يسأل هذه الاسألة لنفسه بصوت خافت وهو حزين نوعاً ما لسبب قد جهله بقي يمشي يركل الحجارة في الطريق. رآى اطفالاً يلعبون في المنتزه. مع ابائهم الذين قد جلسوا على الكراسي او جلبوا فراشاً بسيطاً معهم ووضعوا بعضاً من العصائر او الطعام. تحسر. اشاح بناظره وبقي يفكر لماذا ليس هو مثلهم. الا يحق له حتى هذا العيش البسيط بدأ يتمتم بصمت خانق "لماذا رحلتي"
ثم اكمل طريقه وشيء في داخل صدره يؤذيه حتى انه تذكر ماضيه مع عائلته وكم هو يحن اليهم ولكن زالت هذه الأفكار من رأسه لمجرد وصوله المقهى. فأن العادة هي ما تجعله يفعل ذلك.
داخل المقهى
كان مقهى شعبي اصوات الأراگيل تفرقع فيها المياه وضرب احجار الدومينو. رفع احمد يده له فذهب صوبه
جلس قبالته بعد ان صافحه بأبتسامه خفيفة كأنما هو لم يكن يفكر بأسى قبل قليل. طلب شاياً بدون سكر لم يكن مريضاً بالسكري او شيء من هذا القبيل لكنه يقبل بمرارة الأمور بدون اضافات زائدة. كان يعتقد في صميم نفسه ان الأمور يكمن جمالها احياناً في مرارتها ويال مرارة الحياة التي عاشها هو. تكلم مع احمد عن العمل وكم هو مرتاح بعمل الأرشيف بين الملفات القديمة والورق الأسمر او الأبيض الذي اصفر من مرور الزمن. اما احمد فكان يعمل محاسباً كان يتذمر قليلاً من عمله لكنه يحبه. كأن التناقض هذا زرع فيه روحه الخاص. جائهم الشاب الذي يعمل في المقهى وقدم لهم ما طلبوه كان شاياً مراً لكريم وعصير ليمون لأحمد. ناول احمد سيجارة لكريم لكنه رفضها لأنها ليست من ذات النوع الذي يدخنه فأشعل كل منهم سيجارة من علبته دخن كريم واحتسى شايه بهدوء. حل صمت بينهم. ثم سأل احمد كريم عن رغبته بالزواج لأن سنه كبر قليلاً رد كريم بأنه لا يعرف وأن حياته مستقرة الآن لذلك هو لا يفكر بهذا الأمر حالياً. بقي احمد ينصحه بشأن هذه المسألة وانه من الممكن ان يتغير ويخرج من عزلته من خلال الزواج بينما كريم كان يصغي اليه بدون تعليق.
اما بالنسبة لاحمد كان متزوجاً ولديه ولدان كان اكبر من كريم بثلاث سنوات. كان محباً لعائلته منسجماً معهم في كل شيء كانه نوعاً ما نموذج للمثالية. لكن مثالية كريم مختلفة لم يفكر مثل احمد قط. عندما انتهى حديثهم بنفس الرد الا وهو ان كريم لم يعط جواب ثابتاً بمسألة الزواج مع ان احمد عرض عليه امرأة عرفها بالعمل ليتزوجها لكنه كان عازماً على. أيه خرج كلاهما ودع احمد كريم وانصرف كل في طريقه.
عند العودة.
لم يشغل كريم نفسه في هذه المسألة. لم يفكر في الزواج ولا في المرأة التي ذكرت كان اسمها اسراء وهي إمرأة جيدة ومخلصة في كل شيء حتى في عملها كانت عزباء وبقرب سن كريم تقريباً. في وسط الطريق بدأ يفكر في تقى وأمكانية ان يتقدم لخطبتها فأن لديه كمية جيدة من المال تكفي لخطبتها وهذه الأمور كما انها ايضاً قد كانت عزباء اضافة الى شعور اعجاب كريم البسيط بها لكنه كان يفكر في ان المسألة تحتاج الى جلسة طويلة للتفكير بها حتى يتوصل لنتيجة نهائية حتى لا يخرب حياته كالسابق. وصل للبيت كان يمشي سريعاً والظلام قد حل جلس مع احمد قرابة الثلاثة ساعات. دخل مسكنه بدل ملابسه ورمى الملابس التي ارتداها في سلة الغسيل بدأ يحظر طعامه الذي تمثل بكيسين من حساء الفطر فتح الكيسان ووضعهما بقدر وفتح النار ثم اخذ سيجارة ودخنها قرب النافذة كان يدخن كثيراً. كأن السجائر هي الشيء الوحيد المتاح له. بقي الى ان نضج حسائه بسرعة اكله مع كمية من خبز التوست الأبيض. ثم نهض ليكوي قميصه الأبيض وبنطاله الأسود كواهما بسرعة بدون ان يفكر في أي شيء شغل اغنية وهو يعمل ثم نهض وعلقهما بعد كويهما جيداً غسل قدر الحساء والطبق ثم وضعهما حيث مكانهما. كنس البيت وبقي يعيد ذات الاغنية بدون تغيير بعدها دخل ونظف حمامه بسرعة لانه كان نظيفاً اساساً ثم اغلق انواره ونام