"المنشور السابع والثلاثون، مدونة وَرد:
مرحباً، اليوم سأشارككم موقفاً مخيباً للآمال. فكما كنت قد أطلعتكم سابقاً، فإنني أطمح لأن أفتتح مشروعي الخاص.
وصلني الرفض من المؤسسة تمويل المشاريع الصغيرة، وأصبت بالحزن والحيرة.."
ابتسم أُفُق يمرر الشاشة بإصبعه يقرأ ما كتبته الفتاة.
عينيه الضيقتين اتسعتا قليلاً يشده الحماس، هو يعرف، فهو أحد المساهمين، و وله دور المؤسسة المسؤولة عن رفض المشروع، ولم يكن هذا كل شيء.
أخفت وَرد عن قرائها المخلصين الخمسة - أو السبعة على الأكثر المتعصبين لمصابها في التعليقات التي أساءت إليه أيضاً - أنها شتمت مالك المؤسسة وموظف الاستقبال، والبواب والحراس كلهم في لحظة جنون، لأن مقترحها رُفض.
تساءل أفق كيف ينفجر شخص هكذا دون سبب مقنع؟
أُسيئ إليه شخصياً بأكثر من شتيمة في تلك الواقعة - وإن لم تكن الشابة تعرف أنه في زيارة نادرة إلى المكان وظل مختبئاً خلف الفاصل الزجاجي حتى غادرت -.
سمع كل الشتائم واحدة تلو الأخرى، ومن ضمنها الأكثر تداولاً في الدولة، تلك التي يعرفها الجميع، حتى فتاة قروية من منطقة بعيدة مثل وَرد.
نُعت مجدداً أنه ابن الغجرية.
مجدداً.
لم يكن أُفُق ابن غجرية، كانت جدته هي الغجرية، لم يكن هذا يشكل فارقاً على أية حال.
وصل أُفُق إلى نهاية المنشور، لم يكن يعرف عن هذه الفتاة شيئاً قبل يومين، ولكن الفضول قتله حين شتمته، وجال في رأسه سؤالين اثنين:
1. لماذا رٌفض مشروعها؟
2. ولِم يبدو شعرها كمكنسة مصنع البشائر؟
يذكر أفق مكانس مصنع البشائر جيداً، كانت جدته تهوي على مؤخرته بهن حتى استصعب الجلوس في أحد أيامه السوداء وظل واقفاً في الزاوية لعدة ساعات يبكي بعد أن التصقت شظية خشبية في منطقة لا يجب أن تُصاب.
(تحدثت نوران مع آكيلا لاحقاً وقالت أنها أحبت هذا الجزء)
عموماً، لم يكن هناك أحد ليدافع عنه وهو في السادسة، أهل والده لم يرغبوا بوجوده لأنه من زوجة ثانية - وشككوا في شرعية وجوده رغم أن المحكمة حصلت على قسيمة الزواج - ووالدته اضطرت العودة إلى دولتها والتي صادف - يا سبحان الله - أنها أكثر دولة معادية لإينِيَّةْ..، نعم، إينِيَّةْ هو اسم الدولة، وكانت والدته من ألبا.
قل ورائي:
أي ني ياه
إينِيَّةْ.
لا تنون لأنها ممنوعة من الصرف، والتاء المربوطة تنطق كالهاء في اسم أسامة.
والجميع يكره أسامة.
على الرغم من أن إينِيَّةْ وألبا كانتا دولة واحدة، فلقد انفصلتا، وحال بينها القانون الدولي، وقررتا أن تكونا عدوتين لأن البشر أقل ذكاءً من أن يعيشوا معاً، ويرغبون في جعل إبليس فخوراً بين الحينة الأخرى.
لستُ محبة للبشر كما ترى، هذا من حسن حظك أن أبقى كراوية على الحياد.
صفق لي لأنني صريحة.
على كل حال، ظل مصنع البشائر أحد استثناءات العالم، وقام بتصدير المكانس إلى الجميع لا يهم ما انتماءاتهم، الجميع ضمن الخمس والستين سنة الماضية، يذكر كيف أن عصي تلك المكانس كانت سيئة الصنفرة، لدرجة أن واحداً من كل اثنين من سكان الاقليم كان قد أصيب بشوكة خشبية أو اثنتين بسبب عصا مقبض المكنسة ولم يتوقف التصنيع حتى أقفل المصنع.
هل ابتعدتُ عن القصة أتكلم عن مكنسة؟ نعم، ولكن من أنت لتحكم علي؟ أنا الراوية..؟!
cool?
كول.
لنتحدث أكثر عن تلك المكنسة، بما أنها من ذكريات أفق.
شَعر المكنسة غريب الأطوار الحلزوني الناعم - والذي حصل أيمن بشائر على براءة اختراع للإتيان بفكرته - كان رائعاً لا يكنس الغبار والقمامة فحسب، بل يجمع الشعر والأجزاء الصغيرة للرجاج ويقاوم الصراصير بزيت البشائر - الذي تضيفه إلى شعر المكنسة قبل الاستخدام - فيقتل الحشرات بالمرة.
مكنسة كاملة الأوصاف والكمال لله،
مكنسة أفضل من ثلاثة أرباع البشر في حياتك.
لطالما رغب أُفُق بشراء مصنع البشائر، ولكنه في اليوم الذي استلم فيه ورثه كبالغ في الثامنة عشر من عمره، كان قد مر على إغلاق مصنع البشائر عام ونصف.
راح أُفُق يومها وجلس أمام المبنى ليلاً لعدة ساعات ينفث دخانه، يحدق في بناء المصنع المهجور ويفكر، تمنى أن يكون أيمن بشائر خاله ليتعلم منه سِر الصنعة، ولكن أهله كانوا مرتزقة لا يُرجى منهم - ولو عُصر أغلبهم - قطرة منطق.
الغريب أن ذكريات ألم مؤخرته منذ الطفولة المبكرة لم تمنعه من أن يرغب في الاستيلاء على البشائر.
"سآخذك لاحقاً"
تمتم بينما يعبث بالحصى أمام مبنى الأشباح.
حُب غير صحي مثلما اعتاد في حياته، فكل ما شعر به كان من طرف واحد.
عاد إلى الواقع يتذكر شعر الشابة الغاضبة.
هل كانت من النوع الذي أحبه؟ لا، وليس أن هذا مهم، فالجميع يرحلون عنه ويتركونه في الخلفية سواء كانوا يلبون معاييره أم لا.
لِم يفكر بهذه الطريقة الآن؟
"عندي جفاف عاطفي لا شك"
أخبر نفسه لا تغادره الابتسامة،
لم ير أُفُق من وَرد التي ظلت تشتمه لعشر دقائق إلا شعرها، ورغم أنها في الثالثة والعشرين - عرف هذا من بياناتها لاحقاً - ، وهو في الثانية والثلاثين، فلقد تكور على نفسه حين سمع لهجتها القروية تقدح في كل خلية من خلاياه بحقد ساذج وهي لا تعرفه، وقف وراءها يركز في تلك الكلمات محللاً كل حركة أعلى حرفها، كانت تشكك في كل امتياز امتلكه على مر أعوامه العجاف، فأصابته القشعريرة للمرة الأولى منذ سنوات وابيضت أطراف أصابعه يقبض على حافة الباب الزجاجي، يتوارى خلفه بهدوء يحدق في نهاية الممر المظلمة بانهزام لم يدرك إلى الآن سببه.
حين نظر مجدداً ناحية الفتاة، كان شعرها المنفوش منتشراً حولها، أشعث كأشعة نجم منفجر، تحرك معها حين كانت تصيح، وكان لونه البني المائل إلى الأحمر قليلاً مثيراً للاستغراب، كان يشبه تلك المكنسة لدرجة أن أُفُق أصابه الكوابيس مرتين قبل أن يطلب - في حادثة غير اعتيادية - من المؤسسة أن ترسل له ملف تقديم المنحة المالية الخاص بها.
شعرها - النجم المنفجر الذي لو رآه أمير عيد لغير أغنيته وصار يقول أنا نجم بس مفيش مكان من شدة شعثه- أعجب أفق الذي لم كنت أترك أمير عيد يبكي بصوته الأجش في مكتبي طوال الوقت حين زار لاحقاً الوكالة.
قرأ أفق مجدداً في المدونة، كان منشورها التالي ضمنياً تشكو به الأثرياء فتصفهم بتحجر المشاعر والظلم.
"صورة نمطية"
فكر بصوتٍ عالٍ دون أن يشعر.
لمس أُفُق الشاشة بسبابته بلطف، يضع لها على مدوناتها علامات الإعجاب ثم رمى الهاتف بجانبه يتنهد.
ما إن استلقى على السرير حتى سمع الخطوات الثقيلة لصاحبه.
"ما مشكلتك اليوم؟"
جاء الصوت الحاد مع دخوله إلى الغرفة، صوت سِر أفين، أحد عبيد المال المخلصين ورجله المفضل، مساعده والشخص المكلف من العائلة الحبيبة لمنعه من الانتحار لأن هذا سيشكل إحراجاً أمام الحزب الأول للعائلة الثانية عشر المهيبة.
يعني، لا يهم إن مات بحادث، المهم ألا ينتحر وهو من هذه العائلة الرائعة: المريعة.
وقف سِر يعلك اللبان الذي يحبه بطعم الموز في منتصف الحجرة ذات الأثاث الريفي النظيف، - من يحب لبان الموز؟- ثم جلس على الأريكة العتيقة في غرفة نوم أُفُق، فانتشر عطره المقلد من الدرجة الأولى في المجال يترك بصمة على الستائر والسجاد الأحمر الذي غطى كل مكان، عطس أُفُق الذي كان يملك أسوأ جيوب أنفية في إينِيَّةْ كلها، وتنحنح يغطي وجهه بذراعه كي لا يختنق.
تيار الرياح يتسلل من أسفل النافذة يلسع رأس أفق من الخلف، الجو بارداً قليلاً فيما قبل دخول الربيع، ورغب أفق أن يبدأ في حملة تخفيف الأثاث، تنظيفه وتخزينه بأمان إلى الشتاء القادم ولكن ليس بعد فصفير الرياح يزال في الصباح يغني. من ناحيته، سِر لم يكن يؤمن بانخفاض درجة الحرارة ولا الطقس ولا البراكين: ارتدى قميصاً أبيضاً خفيفاً لا شيء أسفله وترك صدره عارياً ليواجه الحياة أو ما شابه، كون أكثر شيء في الحياة هو فخور به الثلاث رصاصات الاتي تلاقهن عن أُفُق قبل اثنتي عشرة سنة - بالإضافة إلى وشم الحية التي تلتف على اسم غادة.
حين سأله أُفُق عن هوية غادة في أول لقاء لهما، اكتشف أنها علامة تجارية لمحل غزل بنات كان يحب سرقة الحلويات منه حين كان في السابعة، بل أنه في أول زيارة لأُفُق في مدينة (أود) - محلة سِر، اشترى له مهلبية الشوكولاتة من العم العجوز صاحب محل غادة، وتلذذا بدفئها في أول الخريف.
كانا في فورة الشباب وانفجار معاني الرجولة الغبية في رأسيهما، إلا أن سِر اشترى له غزل البنات أيضاً، وأخبره أن كل ما يؤمنان به كرجلين غير مهم حين يصل الأمر إلى غزل بنات غادة العتيد.
مر على هذا فوق الثلاثة عشر عاماً، على الأغلب.
ثلاثة عشر عاماً كنت حينها أقرأ كتاباً وأهيم في كآبتي، ولا أهتم بأقساط العربة التي فرضت علي العمل مع إياد في رواية هذه المسودة.
إياد الزفت.
إن رأيت اسمه على مسودة فاهرب، لأنه ليس راوياً بل كتلة من المرض النفسي.
ما شأني به الآن؟
حك أُفُق حاجبه الأيسر، كان قد بدأ يؤلمه منذ عدة أيام، وهذه إشارة لعينة تدل على أن موجة مرض حادة ستضرب جهازه المناعي قريباً.
التقط سِر زجاجة مياه من على المنضدة، وبلل ريقه بالماء المعطر بالياسمين المخصص لسيده يشرب بسرعة.
كان سِر أبيض البشرة بشعر بني خشن ولحية خفيفة، أطول من أُفُق بقليل، كتلته العضلية أمتن، وسامته سيئة، تعطي رغبة للشخص في الهروب. عيناه الخضراوين كانتا جميلتين ولكن صغرهما كان حاداً كعيني ثعلب جائع، فتظن أنك إن نظرت إليه بالخطأ معرض لأن ينتزع كبدك.
سِر يكبر أُفُق بعامين فقط، ولكنه أكثر شراسة في المعتاد بثلاثة أشواط.
"هل أبدأ بالتقرير المسائي يا رئيس؟" أخرج سِر من بنطاله مفكرة مغلفة بالجلد الأحمر، حٌفر على غلافها كلمة: أسد، كانت ذات أوراق يعاد استبدالها ويحتفظ بها سِر في خزنة في المصرف، منذ كان في التاسعة حينها كان سِر يجمع الديون مع والده السكير من أسفل مدينة أود.
فتح سِر المفكرة، وقلب الأوراق الصغيرة حتى وصل إلى تاريخ اليوم، ثم أخرج قلماً حبر أزرق ذهبي يعاد ملأه، وبدأ يتتبع العناوين التي دونها
دلك أُفُق عنقه، ألم لوزته كان يزيد.
"قل ما لديك.."
"تحفظت المحكمة على أموالك من طرف والدك، تحاول عمتك أن تكسب قضية الحجر بتقديم أوراق اعتلالك النفسي إلى النائب العام"
"شمطاء، تجاهلها حالياً. التالي.."
"إدارة مصنع الزجاج تطلبك في اجتماع يوم الاثنين"
"اذهب إلى الدولية للاستشارات وعين أحد الاستشاريين ليحل محلي، لن أذهب"
"أياز، أنت تتجنب الإدارة منذ ثلاثة أعوام، ألا تهتم بمالك؟"
نعم، لديه ما يقارب الستة أسماء لأن كل عائلة كانت تناديه بشيء ما، لا تستغرب فلم تنتهي أسماؤه هنا.
أياز هو اسمه الرسمي في أوراق إينِيَّةْ.
تثاءب أفق،
"لا طاقة لي بهم، يرزقنا الله بالمال لكي نريح ظهورنا لا لأن نحضر الاجتماعات، التالي.."
تململ سِر وعدل جلسته يتذمر لنفسه من برود صديقه الثري "اتصل بي السيد (دارز أكوا)"
مدد أُفُق جسده على السرير يحاول ألا يستبق أعراض المرض بقلق، ولكنه حين استوعب الاسم هدأ قليلاً، "حقاً؟ ما الأمر؟"
"يقول إن (كوليم أكوا) يريد الاتصال بك، على الأغلب يريد أن يفتتح معرضاً فنياً برفقتك مثل ما فعل قبل عدة سنوات"
صمت أُفُق قليلاً يحدق في السقف، كان هناك شبح ابتسامة على شفتيه يتخيل شعوره، قال بصوت مسموع بالكاد "ولكنني لم أرسم منذ مدة..، ما فكرته عن المعرض؟"
نظر سِر إلى مفكرته مجدداً وعبس مثلما يفعل عندما يفكر، ولكنه لم يجد التفاصيل فعاتب نفسه "لا أعرف، هل أعطيه رقم هاتفك الخاص أم أتصل به أنا؟"
"اعطه هاتفي..، التالي"
حاول سِر ألا يبتسم، كان أُفُق يتجنب الجميع منذ ثلاثة أعوام - عامين وثمانية أشهر وأسبوع حسب حسابات سِر - ، ولكنه لا يستطيع مقاومة الأجواء الفنية رغم أنه لن يشارك على الأغلب. أحب سِر بارقة الحماس الصغيرة التي لمعت في صوته المتعب.
أخذ سِر نفساً يكمل القراءة،
"التالي يا أخي هو..، .. أوه.. هذا كل شيء."
"يع.. ألا شيء جيد يحصل؟"
"لا تحصل الأشياء وأنت نائم في المنزل"
"لا أزال أجد الحياة مقرفة"
زفر سِر، يعلم أن أُفُق كان قد أنفق ثروة لكيلا يتدخل أحد في فقاعته، تجاهل عائلته تماماً وتركهم يهذون بما أرادوا دون أدنى ردة فعل فلا يمكن التعامل مع النساء والرجال والمكائد والدلافين والهراء طويلاً، ثم ترك العاصمة بالمجمل ومنزل العائلة الذي له حق فيه وراح ليسكن في كوخ جبلي في منطقة أدانيت من طابقين كان لوالدته.
أكبر منطقة جبلية في البلاد، ذات مدرجات زراعية داكنة الخضرة.
حسناً.
بالنسبة إلى والدته - التي تركته هنا بعد وفاة والده وعادت إلى عائلتها وتزوجت رجلاً من رجال الدولة هناك - فقد كان يتصل فيها هاتفياَ وقت المناسبات ولكنه لم يشعر بأي عاطفة تجاهها، وكلما سأله سِر إن كان يظن أنها ظلمته أجاب: فعلَت ما بوسعها، أنا لا أحكم على الناس.
كان يعلم أن له أخوة من أمه ولكن لم يسبق أن تواصل معهم، أما عن أخوته من والده، فقد كانوا أكثر من يتمنى تحييده عن المشهد فلم يعد يغامر بفتح أي باب علاقات معهم، كان أُفُق أصغرهم وقد أخذ أحد أرقى الألقاب التقليدية في عُرف إينِيَّةْ لهذا السبب شنوا عليه حرباً ضمنية، خصوصاً شقيقه الذي يكبره بعامين: الرجل الذي ضاعت الغلة من بين يديه بسبب انبثاق أخيه الصغير العفريت إلى العالم كأبواغ الفطر دون سابق إنذار.
وإن كنت تتساءل عن تكتل شركات الزجاج التي تركها له جده من أمه ومزارعه الخاصة، فالأجانب كانوا قد وفروا مدراء واستشاريين على قدر عالٍ من الكفاءة، كل ما كان عليه فعله هو تحويل المال لتوظيف المديرين.
في الأساس هو لم يبق على تشغيل شيء عدا مصنع 4 - ج، لأن مبيعات أواني المطبخ هي الشيء الوحيد الذي لم يتأثر خلال السنوات الطويلة وظلت النسوة يحببن جودتها، واكتفى بذا.
استحسن أفق مزرعة الطماطم خلف الكوخ وجهّز قسماً لدفيئات الفراولة، ثم لا شيء آخر.
كان روتين أُفُق معروف: يستيقظ ويدعو، يهتم بمزرعته خلف المنزل وهو يدندن بصوته الحلو، يطعم القطتين الضالتين الساكنتين في الاسطبل المهجور، يأكل أي شيء للغداء، يقرأ لكاتبه السوداوي المفضل ويطيل حتى العصر، يحاول مذاكرة افتتاحيات الشطرنج مع نفسه، ثم يتأكد من غلق الأبواب وينام.
لم يلمس أدوات الرسم منذ ستة أشهر.
خمسة أشهر وثلاثة أسابيع ويوم - صرح سِر بهذا.
أما عما استجد، فقد وجد سِر قبل يومين علبة زبادي عفِنة التهما أُفُق دون أن يدرك أنها فسدت أو يشعر بأي خطأ، فزّ سِر مما حصل فراقبه أكثر: قلّت مرات ذهاب أُفُق إلى التسوق الذي يحبه أسفل الجبل في القرية، ولم يعد يخرج من المنزل إلا لماماً.
مرت سبع سنوات على آخر محاولة انتحار لأُفُق، كان يفرفر من الألم كصرصور رُش عليه مقدار قليل من المبيد بما لا يكفي لقتله حينها، في ذاك الوقت، جُن وصاح وتململ وصرخ في وجه الجميع وقاتل وحاول أن يموت، أما الآن..، فهو لا يقول نصف جملة مفيدة..، يتلاشى بهدوء كصورة قديمة تنتظر الانكسار.
أفصح سِر عم يجول في خاطره بحذر، يميل بجسده قليلاً إلى الأمام.
"أظنك تعاني من أعراض اكتئاب.."
التفت أُفُق وعلى وجهه استغراب جاد: و..؟ ليس أن ما في هذا الأمر ما يمكن إصلاحه.
رد سِر بابتسامة زائفة، كان قد رأى صديقه المكتئب في ظلام غرفته التي خصصها للرسم في الأسفل يحدق برعب في اللوحة القماشية البيضاء، كان جزء من شعره الأسود المسدل على طول ظهره قد شاب قليلاً وظلت الدوائر البنفسجية حول عيناه تكبر وتصير أكثر سواداً يوماً بعد يوم لمدة عام حتى صار يتجنب دخول الغرفة.
كان أفق يكتب أيضاً، ولكن سِر ولم يجد شيئاً مفيداً على حاسبه النقال، لم يكتب منذ مدة طويلة وأبقى حاسوبه مقفلاً، فاضطر سِر قبل تشغيله إلى مسح سطحه الفضي بمنديل مبلل بعطر الأطفال اللطيف، فأصبح الحاسوب لا ينقصه إلا حفاض وقليل من البكاء.
فز سِر من مكانه حين رن هاتفه يقذفه الجرس خارج جمهرة أفكاره، ثم استأذنه ليرد خارج الغرفة.
حدق أُفُق فيه يبتعد، كان لا يخرج من المكان إلا إن كان الاتصال عائلياً، خاصة من زوجته.
تزوج سِر لأنه أخطأ في إحدى علاقاته وحصل على ابنة بشكل عرضي قبل أربع سنوات، فأقسم عليه أُفُق ألا يشغله عنده مالم يتزوج الفتاة ففعل، ولكنه استقر بعدها كون سِر لا يتنصل من مسؤولياته ما إن يقع بها.
شخص عملي في نطاق الضرورة.
لا يفهم أُفُق إلى الآن كيف لشخص محافظ مثله أن يتماهى مع سِر الذي من الواضح أنه كان صعلوكاً من درجة مزعجة، لم ينهي تعليمه النظامي، لا يعرف من هي والدته، وحين تعرف عليه كان يجمع الجبايات من الأماكن المشبوهة في مدينة "أود" مقابل ألا يضر الناس بذراعيه القويتين وجمجمته الصلدة، كما أنه كان يوزع الأفيون على محلات القمار، ويعرف ثلاثة أرباع النساء الـ سيئات الاتي في الضواحي.
على كل حال،
لم يؤمن أُفُق أن أحداً يمكنه أن يتغير بسبب أحد آخر، كانت له تجربة ضحلة مع الناس وقرر الابتعاد والكف عن المساهمة في حياته هو شخصياً أو حياة من حوله فحسب، ولكن إيلين الصغيرة ذات الأربع سنوات قد أعادت تربية صديقه المنحل من الألف إلى الياء ثلاث مرات جيئة وذهاباً، فصار أكثر هدوءً وأقل اندفاعاً. فعلت كتلة العصبية الصغيرة – التي لا يعرف أحد كيف تسخر هكذا من الكبار- ما لم تستطع أمها أو أُفُق فعله، وجعلت الرجل ضخم الجثة ذو وشم الحية التي تلتف على اسم: غادة، مستقيماً يخاف الخطأ كي لا تسخر منه بؤرة التنمر التي أنجبها بنفسه.
"أخي.." دخل سِر مضطرباً إلى الغرفة.
"ها؟" أجابه وقد قطع حبل أفكاره
"الصغيرة..، حرارتها لا تنخفض يجب أن آخذها إلى مستشفى آخر، علي الذهاب إلى (أود) هل ستكون بخير لوحدك؟ أرى عليك أعراض الوهن.."
"أعطني محفظتي..، في السترة الزرقاء.."
اضطرب سِر من الطلب المفاجئ ولكنه لم يجادله.
أخرج سترة أُفُق الزرقاء من الخزانة وأعطاه محفظته، فتحها أُفُق وناوله إحدى بطاقاته البنكية السوداء ورقم السر دونه في ورقة "هاك..، "
تراجع سِر خطوتين محرجاً "لا حاجة.."
"أتردني؟"
تردد سِر.." أملك المال.."
أصر عليه أُفُق يحشرها في يده "مستشفى خاص..، لا تتأخر"
كان سِر يعلم أن أُفُق يحب الطفلة أكثر منه شخصياً، بل أنه من أصر على تسميتها.
أخذ سِر نفساً وهرول خارج الغرفة يخرج مفاتيح سيارته من جيبه، ولكنه عاد،
"أياز، هلاّ أقسمت أنك لن تفعل شيئاً غبياً؟"
" بالله عليك..، أتتركني للمرة الأولى؟"
ولكنها المرة الأولى التي تتدهور فيها حالتك هكذا..، أراد أن يقول له، ولكنه لم يجرؤ
"هل تأتي معي إلى أود؟"
" متعب أنا، لعلي مصاب بالتهاب ما، بالكاد أقو على الحديث"
"أقسم هيا! قل إنك لن تفعل شيئاً غبياً حتى أصل"
"أقسم لك يا أخي، سأطفئ الأضواء وأنام"
"ستذهب إلى جهنم إن حنثت بهذا، وسأجدك هناك!"
قال متوعداً وصوته يعلو بقليل من التهديد،
هرول سِر خارجاً من المكان، سمع أُفُق الباب يصفع الباب وراءه كالعادة.
عم الصمت بعدها وامتلأ بأصوات الصراصير من الغابة، تاركاً الأفكار تأكل داخل أُفُق ببطء مثل عصابة نمل أحمر جائعة، حاول ألا يلقي لها بالاً:
"وأنا لأتناول خافض حرارة وآتي لأستلقي.."
تمتم لنفسه يتوجه إلى الحمام، بينما يغني أغنية تتر إعلان مكنسة البشائر ويضحك مواسياً نفسه، وصوته يبدأ بالحشرجة بسبب ألم الالتهاب المجهول.
"البشائر، جودة البشائر ~"
أخذ الأمر عدة دقائق ليغسل أسنانه أمام المرآة ويتأكد أنه لم ينس شكل وجهه أمام المرآة، ثم بعدها دلف إلى المكان، تفحص المحيط حوله، ثم أسدل الستائر يلقي نظرة أخيرة على الغابة الخضراء القاتمة الممتدة خارج نافذته تحيط المنزل من جهتين.. "لا زال الوقت مبكراً على هجوم الدببة، صحيح؟" سأل نفسه يسحب مقبض النافذة ليتأكد أنه أغلقه.
"كيف يصعد الدب إلى الدور الثاني؟" ابتسم يظن أنه صار أغبى قليلاً، ولكنه لم يمانع، كان تساؤلاً منطقياً لأن الدببة تجيد التسلق حسب ما هو واضح في سيرتها الذاتية.
توجه (النيّر أياز الأُفُق - آتون مستكفى) مقبص الطاقة.
هل سمعت اسماً مثل هذا؟
كلهم في هذه البلاد هكذا، فاعتد لا هنت،
حمداً لله على اسمي البسيط.
أطفأ أُفُق الأضواء ثم التحف غطاءه وعاد ليتصفح هاتفه..، تساءل أكثر عن وَرد، فكر في أنه يحسدها، أراد أن يشتم مثلها كل من أزعجه، ولكنه حمد الله على شعره الأسود الناعم.
"علي الذهاب إلى الحلاق في الغد.."
قال لنفسه يعيد قراءة إحدى المدونات التي أعجبته، كان أسلوبها بسيطاً للغاية واستخدمت نفس المصطلح ست مرات في فقرة واحدة، لا مجال للتنميق في حياتها، لأنها أكثر وضوحاً من أن تفعل.
"ابن الغجرية.."
رنت العبارة في رأسه كجرس الحصة الأولى، بينما فكر في كل السنوات السابقة. ليست شتيمة حتى، قال لنفسه، لِم يظنون أنها تزعجني؟
فكر النيّر في والدته (فِرزات)، لم تكن امرأة سيئة بل ذات ظروف حياة تنتمي إلى بند الـ معمعة، أما عن جدته فهي من سبب له الإشكال، لولاها - رحمها الله وغفر لها ما كانت تفعله بالمكانس - لما كان لكل عين من عينيه لون مختلف ولما انتبه أحد أنه لا يشبههم.
قِط (آتون) المشاغب، سمته والدته تنسبه إلى عائلتها، بينما أطلق عليه أهل والده وصف عفريت مٌستكفى، لأنه ومع عينيه الملونتين ظل يتكحل كعادة الغجر.
تحت الضغط المجتمعي الذي مر به في مراهقته، اعتاد كي يهرب أن يرتدي العدسات اللاصقة الغامقة في بداية عشريناته، اضطر أن يطلبها مخصصة لكي تناسب العينين معاً مستقراً على لون بيداء الليل، فبدى مع كحله وحلة عائلة آتون السوداء شيطاناً ينتظر الفرصة كي ينقض، ولا يهم على من.
في الحقيقة كان أياز، أو أُفُق، أو الرجل الذي حصل على لقب النيّر، مجرد رجل عادي يعاني من تعقيدات هوية ومشاكل في التنفس، وهذا ما كنت ستشعر به حين تسمعه يشخر نائماً بفتحة أنف مسدودة هنا.
هل ظن بهروبه من كل شيء أن يعيش بسلام؟
لا أحد يحب التصورات اللطيفة عن العيش، كلانا عزيزي نعلم أن هذا الافتراض - الكيوت – لا يطابق الحياة.
أنا الكيوت.
اللعنة لا يجب أن أعمل في هذه الوظيفة المقرفة.
قبلت عرض القسم لكتابة هذه المسودة لأنهم سيعطونني قسائم أستخدمها في شراء مقشرات الجلد والعناية بالبشرة.
▒▒▒نهاية الفصل الأول▒▒▒
لا تنسوا الفوت والتعليقات ★♥

(\_/)
(. . )
(")(")
لعبة
أين تختبئ الصيصان المختلفة؟
4 صيصان 👇
▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐥🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐥🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐥🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐥🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤🐤▒
▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒▒
(。♡‿♡。)
writnour|نوران™