Bart

Bart

13 0

.

2025/5/10

.

> "كم من بابٍ لا يُفتح إلا إلى الداخل؟

وكم من عقلٍ يُقيّد وهو يصرخ بالحقيقة؟

هنا، يبدأ التغوُّم...

حيث لا دليل، ولا وجه، ولا مخرج."

.

كان الباب الحديدي صامتا، كأنّه لا يشهد على ما يحدث خلفه.

منذ لحظةٍ غريبة، فقدت شُهْنار كل شيء. لم تعد تتذكر كيف وصلت هنا، ولا ما كان قبل. عيناها تجولان في المكان البارد أمامها، جدران مدهونة بلون شاحب يعكس الضوء الخافت، وكأنها كانت في حلمٍ ثقيلا، لكن الواقع لا يعترف بالأحلام.

"أين أنا؟" همست، لكن لا أحد كان هناك ليفهمها.

كان الرجل الذي رافقها طوال الطريق، طويلًا، ملامحه حادة ولا تعبر عن شيء. عيونه رمادية بشكل غريب، وكأنها عميقة أكثر من اللازم، دون أية مشاعر. كانت خطواته ثقيلة على الأرض الصلبة، ولا شيء في تعبيره يطمئنها. في تلك اللحظات، شعرت بشيء ثقيل في صدرها، وكأنها تمضي في طريقٍ مجهول لا تعرفه.

"لماذا أنا هنا؟" كررت السؤال بأمل أن يجيب أحد.

لكن الرجل لم يُجب، بل كان يواصل المشي أمامها، غير مكترث. فقط عيناه ثابتتان، متجهتان للأمام، كأنما هو لا يراها.

تم إخراجها من السيارة، دون أن تلتفت خلفها. كانت يدها مكبلة، ورأسها منخفض، كما لو أنّه لا يحق لها أن تنظر، أو حتى أن تسأل. صمت المكان كان خانقًا، يخترق الأذن وكأنها مسجونة في زنزانة من الصمت.

دخلت إلى ممر طويل، الجدران مصقولة بالبياض، ما عدا بعض النقاط التي كانت تظهر وكأنها آثار لشيء مفقود. الممر لم يكن يشبه ممرات المستشفيات المعتادة. كان ضيقًا لدرجة أن التنفس يصبح صعبًا، وكأن الهواء أصبح جزءًا من الجدران نفسها.

دخلت الغرفة.

كانت صغيرة، جدرانها عارية، لا نوافذ، فقط سرير معدني وشرشف أبيض ناصع، يبدو وكأنه لم يُستخدم من قبل. في الزاوية، كانت طاولة خشبية عليها أشياء غير واضحة الملامح. كان الظلام يزداد في الغرفة كلما حاولت التكيف مع المكان.

جلس الرجل الذي رافقها على المقعد الخشبي في الزاوية. في تلك اللحظة، اكتشفت شُهْنار أنّه لا يمكنها الهروب. لا شيء حولها يمكن أن يشير إلى الخارج. كل شيء مغلق، مُغلق بقوة. قلبها بدأ ينبض بسرعة، والخوف يملأ أركان نفسها.

ثم دخل شخص آخر، امرأة هذه المرة، ترتدي ثوبًا أبيض، لكن ملامح وجهها كانت مخيفة، كانت مبتسمة بشكل غريب، ولكن الابتسامة لم تكن تحاكي عينيها، كان هناك شيء غير طبيعي في عينيها، كأنها كانت تحمل في داخلها سرًا مظلمًا.

"أنتِ هنا الآن، شُهْنار. اهلا بكِ في... مكانك الجديد."

قالت المرأة بصوتٍ هادئ، وكأنها تقرأ نصًا محفوظًا.

"لكن لماذا؟" سألته، صوتها كان ضعيفًا جدًا، وكانت الكلمات تخرج وكأنها تتعثر على لسانها.

"أنتِ هنا لكي تلتئم. هنا نجد السلام."

أجابت الممرضة، وهي لا تزال مبتسمة ابتسامة جامدة.

لكن شُهْنار كانت تشعر بشيء آخر. كانت هناك حروف غير مرئية في تلك الابتسامة، شيء يختبئ وراءها، لا يطمئن.

لم تصدق ما يحدث.

ألم تكن بخير؟

ألم تكن مجرد حادثة عابرة؟

لماذا كان الجميع ينظر إليها وكأنها مجنونة؟

كانت أسئلتها تتزايد، لكنها بدأت تفقد الأمل في الحصول على إجابات.

هكذا، كانت الغرفة تتحول أمام عينيها، تصغر شيئًا فشيئًا، كما لو أنها تغلق على نفسها. نظرت إلى السقف، وصرخت بصمت. "لماذا؟"

في تلك اللحظة، فتحت الباب فجأة، ودخل رجل آخر، طويل جدًا، وعيناه غريبة، زرقاء كبحيرة عميقة. كان يبتسم، لكن ابتسامته لم تكن تطمئن.

"أهلاً بها هنا." قال بصوتٍ عميق، وكأنه يردد كلمات محفوظة.

"لا أحد هنا يفهم، أليس كذلك؟" همست شُهْنار، وعينيها تراقب كل شيء بذهول.

جلس الرجل في الزاوية المقابلة، وحدق فيها للحظة. ثم همس: "هنا لا يوجد تفسير، فقط الوجود."

كانت لحظة صمت طويل، والجميع يراقبونها.

"لماذا كل هذا؟" كررت السؤال، وكأنها تمسك بخيط الأمل الوحيد في هذا المكان المظلم.

لكن الرجل لم يُجب، نظر إليها لبضع لحظات، ثم تراجع. "أنتِ هنا فقط لأنكِ يجب أن تكوني هنا."

والغرفة ضاقت أكثر، وكأنها تختنق.

وكان الصوت الوحيد هو خفقان قلبها، ثم بدأت الأرض تدور بها.

لا شيء آخر كان موجودًا في تلك اللحظة.

المكان، الوجوه، الكلمات... كلها بدت بعيدة جدًا، وكأنها لا تهم الآن. كانت شُهْنار وحيدة في هذا العتمة، وكل شيء حولها كان مجرد وهم.

دخلت ممرات المصحة، لا هي كانت تلاحظ الخطوات التي تخطوها، ولا هي كانت تشعر بتلك النبضات السريعة التي تملأ صدرها. كل شيء حولها أصبح ضبابًا، كأنها تغرق شيئًا فشيئًا في بحر من الهلوسة التي لا تجد لها تفسيرًا. عيناها كانت تلاحقان كل شيء، حتى الأشياء التي لا تتغير. الغرف الصامتة، الجدران الباردة، الممرات الطويلة المظلمة، ولكن لم يكن هناك شيء يتحرك. لم تكن تستطيع حتى سماع صوت تنفسها. كان الصوت الوحيد في المكان هو دقات قلبها، ولكن حتى دقات قلبها كانت تختفي مع الوقت.

جلست على الحافة الباردة للسرير المعدني، ملامحها متصلبة، عيونها زائغة. كل شيء بدا وكأنه لا يتماشى مع الواقع، وكان شيء غريب يسكن داخلها، شيء يجعل عقلها يصرخ: "اهربِ! اهربي الآن!" لكن جسدها كان غير قادر على الحركة.

مرّ وقتٌ طويل قبل أن يدخل شخص آخر، وكان هذه المرة رجلاً ذا شعر أسود طويل وعينين غريبتين، بلون أزرق لامع، كما لو كانت عينيه ليست بشريتين. لم يتحدث في البداية، بل وقف على بُعد خطوات منها، يراقبها بصمت، وكأنما يدرسها.

"أنتِ هنا لأنكِ بحاجة إلى ذلك." قال أخيرًا، صوته هادئ، لكن كلماتُه كانت حادة وكأنها سكين يقطع الصمت.

لم تجب شُهْنار، بل فقط نظرت إليه بترقب، وعينيها لا تزال تتنقل بين أرجاء الغرفة التي بدأت تبدو أكثر ضبابية مع مرور الوقت.

"لماذا؟" أخيرًا، استطاعت أن تخرج السؤال، ولكنّ صوتها كان ضعيفًا جدًا. "لماذا أنا هنا؟"

ابتسم الرجل، لكنه لم يُجب. مشى إلى الجدار المقابل لها ووقف هناك، كما لو كان يراقبها عن كثب.

في تلك اللحظة، فُتِح الباب فجأة، ودخلت امرأة أخرى. كانت ترتدي زيًّا شبيهًا بالذي كانت ترتديه الممرضة، لكن هذه المرة كانت عيناها غامضتين أكثر، وكلما اقتربت، كان الهواء يزداد كثافة حول شُهْنار.

"هل تظنين أن هناك سببًا لما يحدث هنا؟" قالت المرأة، وهي تتجه نحو السرير. "هنا لا توجد أسباب. هنا فقط... نحن موجودون."

ثم توقفت فجأة، ورفعت يدها، وكأنها تشير إلى شيء بعيد. "كل شخص هنا يعتقد أنه يعرف. لكن لا أحد يعرف."

كانت شُهْنار تشعر بشيء غريب يتسلل إلى عقلها. هل هم يتلاعبون بها؟ هل هذا حلم؟ أو هل هي مجنونة فعلاً كما قالوا؟

بدأت الأشياء تتداخل مع بعضها البعض في ذهنها، وبدأت تتساءل: هل هذا هو القدر؟ هل هي هنا بسبب خطأ ما؟ أو هل هناك شيء آخر، شيء أكثر قتامة، يختبئ وراء هذه الوجوه الباردة؟

كان الرجل ذو العينين الزرقاوين لا يزال يقف في الزاوية، ينظر إليها، وعيناه كما لو كانت تحمل سرًا لا يُفهم. "أنتِ لا تزالين تفكرين، أليس كذلك؟"

لم تجب شُهْنار، فقط نظرت إليه، ولكن قلبها كان ينبض بشكل أسر

ولكنها كانت تعرف شيئاً واحداً، أنها في مكانٍ غريب، ليس فقط فيزيائياً، بل أيضاً نفسيًا. كل شيء حولها كان غير متوقع، وكلما حاولت التفكير في الهروب، كانت أبعاد المكان تضيق أكثر. كان هناك شيء في الهواء، شيء ثقيل يجعلها لا تستطيع التنفس بعمق. تلمس أنفاسها، وتحاول إعادة الهدوء إلى قلبها، ولكن لا شيء يساعد.

المرأة التي دخلت الآن، توقفت أمامها ووضعت يدها على كتف شُهْنار، في لمسة باردة، لكنها عميقة كأنها تلامس روحها. "أنتِ هنا لأنكِ بحاجة إلى الحقيقة، لكنكِ لن تجدينها بسهولة." قالت بصوتها الهادئ، ولكن تلك الكلمات كانت تحمل في طياتها تهديدًا غير مرئي.

كانت شُهْنار لا تزال غير قادرة على فهم شيء. هل كانوا يعاملونها كطفلة؟ أم أنهم يريدون منها شيئًا آخر؟ أفكارها كانت تتطاير مثل أوراق الخريف في رياح عاصفة. وكأنها لا تجد مكانًا لها في هذا المكان الغريب، المظلم، والمخيف.

"أنتِ لا تفهمين، أليس كذلك؟" سأل الرجل ذو العينين الزرقاوين وهو يقترب منها بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة تجرها نحو المستقبل المجهول.

شُهْنار كانت تشعر كما لو أن الجدران تحيط بها، وأن كل خطوة تبتعد بها عنهم تقربها أكثر إلى شيء آخر. شعرت بشيء يكاد يراودها، شعورًا غير مريح بأن المكان ليس مجرد مصحة عقلية، بل أنه كيان آخر بالكامل. شيء مظلم. شيء خطير.

"هل ترى؟ هل ترى الآن؟" قال الرجل بصوت منخفض، وكأن الكلمات تطير بين الجدران وتختفي في الهواء.

"ماذا ترى؟" ردت شُهْنار بصوت متردد، وهي تنظر إليه في حيرة، وكأنها كانت تبحث عن إجابة في تلك العيون الزرقاء العميقة.

"أنتِ لا تفقهين بعد." قال بصوتٍ غامض، ثم أضاف: "لن تفهمي شيئًا هنا حتى تختبريه. ستفهمين بعد وقت، ولكن هل سيكون ذلك في الوقت المناسب؟"

لم يعد الأمر مجرد خوف، بل بدأ يتسلل إليها إحساس بالقلق، شعور يشبه التهديد الغامض. عقلها بدأ يتشابك أكثر فأكثر مع الواقع الذي كان يتغير من حولها.

في تلك اللحظة، دخل شخص آخر، كان يبدو أنه يختلف عن الآخرين. كانت خطواته سريعة، وحركته غير عادية، كان كأنه يعرف ما يجري هنا بالفعل، وأنه لا أحد يستطيع إيقافه. كان يرتدي معطفًا داكن اللون، ولكن الأهم من ذلك كان نظراته. كانت كالحفر العميقة، كمن يرى ما لا يمكن للآخرين رؤيته.

توجه نحوهم بثبات، وفي لحظة خاطفة، لمحت شُهْنار شيئًا في عينيه لم تكن قد رأته من قبل. كانت هناك لحظة من التوتر الثقيل، لحظة حيث كل شيء في المكان توقف.

"أريد أن أتكلم معها." قال الرجل الذي دخل، وكأن كلامه هو الأمر الوحيد المهم الآن.

ابتسم الرجل ذو العينين الزرقاوين، وابتعد دون أن يرد. وقف في الزاوية الأخرى، وبدا أنه يراقبها عن كثب. أما المرأة، فقد تراجعت إلى الخلف، وكأنها تسحب ظلها بعيدًا عن الأنظار.

أصبح الجو أكثر كثافة، وكأن أشياء غير مرئية بدأت تتجمع حولها، وتدور معها، وأصبح الوقت بطيئًا جدًا. كانت شُهْنار لا تزال جالسة على السرير، عيناها تتنقل بين الرجال والنساء الذين يحومون حولها، وكأنها كانت في حلقة مغلقة لا سبيل للخروج منها.

"من أنت؟" همست، ولكن صوتها كان بالكاد يسمع.

الرجل الذي دخل أخيرًا اقترب منها، وجلس على المقعد أمامها. كانت عيناه تتسللان إلى أعماقها وكأنها تبحث في شيء مفقود منذ زمن طويل.

"أنتِ هنا لأنكِ بحاجة لأن تكتشفي الحقيقة، لكن لا تظني أن الطريق سهل." قال، ثم وقف فجأة وابتسم ابتسامة عميقة كأنها اختفت وراءها الكلمات.

شُهْنار كانت متشابكة في أفكارها، ولكن شيئًا ما في داخلها بدأ يتحرك. كانت هناك إجابات، لكنها كانت غير واضحة، وكأنها على وشك اكتشاف سر كبير. شيء يتدفق في داخلها، شيء خفي، لكن هل ستتمكن من فهمه؟

تراجعت قليلاً عن السرير، محاولة التخلص من المشاعر التي اجتاحت عقليها، ثم شعرت بشيء ثقيل يدخل في قلبها. كان العالم كله حولها يضيق أكثر فأكثر، وكأنها محاصرة في تلك الغرف الباردة، في هذا المكان المظلم.

"أنتِ الآن جزء من هذا المكان، ولن تخرجي منه حتى تنفذي ما يطلب منك." قال الرجل في النهاية، وصوته مليء بالتهديد الذي لا يمكن تجاهله.

ابتسمت شُهْنار، رغم أنها لم تكن تعرف إذا كان هذا ابتسامة خوف أو ابتسامة فهمت أخيرًا. شيئًا ما كان بدأ يتحرك داخلها، وشيئًا ما أيضًا كان ينمو بشكل مظلم في هذا المكان الغريب، الذي أصبح جزءًا منها الآن.

في الليلة الثانية، لم تستطع شُهْنار النوم. لم يكن السبب الأصوات العالية خلف الجدران، ولا العيون التي شعرت أنها تراقبها حتى في عتمة الغرفة، بل ذلك الصمت المتربّص... صمت كأنه يهمس في أذنها بأسرار المكان، لكنه لا يفصح عن شيء.

عند منتصف الليل، فُتِح الباب فجأة دون صوت. لم يتحرك مقبضه، ولم تطرقه يد. فقط... انفتح. تجمّدت نظراتها نحوه، وابتلع قلبها نبضاته دفعة واحدة.

وقف في الباب شخص طويل، رأسه مائل، ونصف وجهه مغطى بقناع جلدي داكن. لم ينطق. لم يقترب. فقط أشار لها بإصبعه.

تردّدت. نظرت خلفها، ثم للأمام، ثم نهضت. كان هنالك شيء في داخله يدفعها لتتبعه، رغم أن كل ما تعرفه عن الحياة كان يصرخ فيها: لا تذهبي.

مشت خلفه في ممر طويل، جدرانه كأنها تُراقب، والإضاءة خافتة تهتزّ كنبض قلب خائف. الجوّ بارد، لكن جبينها يتصبّب عرقاً.

"لماذا أنا هنا؟" همست لنفسها، لكن الشخص أمامها توقّف فجأة، وكأنه سمع أفكارها.

استدار، وقال بصوت خافت:

"لأنكِ أكثر من مجرد مريضة... أنتِ المفتاح."

المفتاح؟ لأيّ شيء؟

لم يجب، بل أكمل السير حتى وصلا لباب حديدي صغير، بلا أي علامات. فتحه ببطء، وأشار لها بالدخول. ترددت لثوانٍ، ثم دخلت.

الغرفة كانت مظلمة، فقط ضوء واحد يسقط على كرسي وسطها، وعلى الجدران... كانت هناك رسومات، ليست مكتوبة، بل محفورة بالأظافر أو أداة حادة. وجوه. عيون. كلمات متكررة:

"هي تعرف."

"هي ليست مثلهم."

"لا تسمعي صوته."

ارتعشت، شعرت أن المكان يلفظها. لكنها اقتربت من الكرسي وجلست. الباب أغلق فجأة خلفها، ولم ترَ الرجل مجددًا.

وبينما كانت تحاول استيعاب أين هي، انفتح جدار صغير خلفها فجأة، وكأن المصحة تتحرك من تلقاء نفسها. خرج منه صوت فتاة... ضحكة قصيرة... ثم بكاء مكتوم.

تقدّمت شُهْنار نحو الفتحة، ووجدت ممرًا صغيرًا من خلف الجدار، يكاد يتّسع لشخص واحد فقط. لم يكن هناك وقت للتفكير، سارت فيه، وكل خطوة كانت تبدو كأنها تسحبها نحو شيءٍ أعمق من مجرد مصحّة عقلية... نحو سرٍ مظلم دُفن منذ زمن.

وفي نهاية الممر، وجدت بابًا صغيرًا نصف مفتوح. دفعته ببطء... لتجد نفسها في غرفة ثانية... فيها مرايا كثيرة... وكل مرآة تعكس وجهها... لكن في واحدة منها، كانت ترى وجهها يبتسم، بينما هي في الواقع لم تكن تبتسم.

تراجعت خطوة. المرآة لم تتغير.

ثم خرج صوت خلفها:

"أحيانًا... ما تراه في نفسك، ليس إلا ظلًا مما زرعه فيك الآخرون."

استدارت بسرعة، لكنها لم ترَ أحدًا. فقط المرآة تضحك الآن... وكل الوجوه فيها بدأت تتغيّر.

شُهْنار بدأت تفقد توازنها. هذا المكان... ليس مصحّة... ليس مستشفى... هو شيء آخر.

هو فخ.

لكن لمن؟

وهنا... انطفأ الضوء.

الظلام كان كثيفاً، أشبه بحبرٍ سكِب فوق عينيها. لم ترَ شيئاً، حتى نفسها لم تعد تحس بها. كل شيء اختفى... سوى نبض قلبها، يُدوّي كطبول في خلوةٍ غامضة.

فجأة، صوت خافت تقطّع في سكون المكان، يشبه أنيناً بعيداً... ثم ضحكة قصيرة... لا تُشبه ضحك البشر. كان الصوت يأتي من كل الجهات، لا من مكانٍ واحد، كأن الجدران تتنفسه وتعيده لها.

مدّت يديها تتحسّس، كانت تبحث عن الحائط، عن الباب، عن شيء يمسكها من هذا السقوط اللامرئي. لكن يدها لم تلمس سوى هواءٍ بارد، كأن الفراغ يمتد للأبد.

ثم... ضوء خافت ظهر من تحت قدميها. دائرة صغيرة، بدأت تتّسع ببطء. الأرض كانت من زجاج... وتحتها، رأت أجساداً. عشرات... ربما أكثر. لا تتحرّك، لا تتنفس... لكن أعينهم مفتوحة وتنظر للأعلى... تنظر إليها.

شهقت، وتراجعت، لكن الأرضية أغلقت الدائرة سريعاً كأنها لم تكن، ووجدت نفسها تقف الآن في غرفة مختلفة. لا تعرف كيف وصلت، ولا متى.

الغرفة هذه المرة كانت بيضاء تماماً. ملساء، بلا شبابيك، ولا باب، ولا حتى ظل. فقط هي، وتخت أبيض في الزاوية. على التخت، كانت هناك ورقة.

اقتربت. الورقة لم تكن مكتوبة، بل محفورة. بخطّ غريب، كأن حيواناً نبش بها. حروف مقلوبة، لكنها استطاعت أن تقرأ:

"إذا فتحتِ الباب... لن تعودي كما كنتِ."

شهقت، لكنها لم تكن وحدها. صوت تنفّس خلفها.

استدارت بسرعة، وكانت هناك امرأة، طويلة جداً، تلبس رداءً رماديًا، ووجهها مغطى بشعرها الطويل.

قالت بنبرة باردة: "أنتِ تأخّرتِ. الباب فُتح منذ زمن."

شُهْنار لم تفهم. شعرت أن عقلها بدأ يتفكّك. كل شيء غير منطقي. رفعت يدها لتسأل، لتصرخ، لتفعل أي شيء... لكن المرأة اختفت فجأة.

وانفتحت الأرض تحتها.

سقطت.

سقطت كثيراً.

ثم استيقظت.

لكن... لم تكن في غرفتها.

كانت مربوطة على سرير، ووجوه كثيرة تُحدّق بها. أطباء؟ لا... ليسوا كذلك. عيونهم باردة، وابتساماتهم مُنمّقة، كأنهم يرتدون وجوهاً لا تخصهم.

أحدهم قال:

"بدأ التأثير. إنها ترى ما نُريدها أن تراه."

وآخر أضاف: "لكنها أخطر مما ظننّا... لقد وصلت إلى غرفة الانعكاس دون أن نوجّهها."

همس ثالث خلفه:

"يجب أن نُعيد اختبار السيطرة... أو نُغلقها قبل أن تتجاوز الحاجز."

عادت عينا شُهْنار للانغلاق ببطء. صوت ضجيج حاد يعلو في أذنها، كأن شيئاً يُعاد برمجته في عقلها.

وفي آخر لحظة قبل أن تُغمض عينيها، رأت في زاوية الغرفة... مرآة صغيرة.

وفيها... رأت نفسها تضحك.

لكنها لم تكن تضحك.

استفاقت مرّة أخرى. هذه المرة لم يكن هناك ضوء، لا مرآة، لا أصوات... فقط جدران بلونٍ رمادي باهت، وسقف ينقط ماءً على فترات، كأنّ الزمن نفسه ينزف. كان في الغرفة كرسيّ مائل، بابٌ حديديٌ غليظ، وطاولة صغيرة تحته ظرف أبيض.

شُهْنار لم تعد تصرخ، لم تعد تسأل، بل كانت تُراقب بصمت... تنتظر أن تفهم، أن تمسك بالخيط الأول من هذا الكابوس المنسوج بإتقان.

نهضت بتثاقل، وكل خطوةٍ منها كانت تُشبه خيانة جديدة للواقع. فتحت الظرف، وجدت بداخله ورقة، كُتب عليها بلونٍ أحمر:

"استرجعي تسلسلك... وإلا اختُزلت."

ما معنى هذا؟ من الذي يكتب لها؟ ومن هؤلاء الذين يتحكمون بمحيطها؟ هل هي وحدها فعلاً؟ أم هناك من يراقب كل نبض، كل تفكير؟

قبل أن تُكمل، الباب انفتح فجأة، ودخل منه رجلٌ نحيف، طويل بشكل غير مألوف، بشرته شاحبة كالموتى، وعيناه فارغتان من الحياة، كأنهما محجوزتان لعالمٍ آخر.

قال لها بنبرةٍ بلا عاطفة:

"الجلسة الأولى بدأت."

سُحبت دون أن تُقاوم. لم يكن لها خيار.

الممر كان طويلاً جداً، بلا نهايات. على جانبيه أبواب كثيرة، وكل باب كان محفورًا عليه رمز مختلف: أعين... أرقام... طيور... وأحيانًا وجوه باكية.

وصلوا أخيرًا إلى قاعة دائرية. فيها كراسي موزعة كأنها مسرح، وفي منتصفها مقعد وحيد. أُجلست عليه، وربطوا يديها به.

واحدة من الحضور - كانت تلبس سترة تشبه تلك التي يرتديها العلماء - سألتها: "متى بدأتِ تسمعين الأصوات؟"

شُهْنار لم تُجب. كانت تنظر إلى وجوههم. كل وجه منهم يشبه الآخر، كأنهم استُنسخوا من أصلٍ مشوّه.

سألها آخر: "هل تذكرين الحادث؟"

أي حادث؟ هل يتكلّمون عن شيء تعرفه؟ شيء نُزع من ذاكرتها؟

قال ثالثٌ بصوتٍ أكثر رقة:

"هل تتذكّرين اسمك الحقيقي؟"

تجمّدت. هذا السؤال رجّ جسدها كلّه. لحظة... هل شُهْنار هو اسمها حقاً؟ لم تشكّك بذلك من قبل. لكن الآن... بدأت تتساءل.

صرخت:

"أنتم مَن زرعتم هذا الاسم في ذهني! أنتم مَن اختلق كل هذا!"

لكن أحداً لم يرد. فقط كتبوا ملاحظات.

قال رجل منهم: "الموجات بدأت تنحرف. لن تستمر طويلاً قبل الانكسار."

وعندها... سُمع صوت انفجار خفيف.

أُنيرت الجدران بلونٍ أحمر، وسُمِع صوت إنذار ناعم، ثم صوت فتاةٍ تقول عبر مكبّر الصوت:

"الغرفة الثالثة تسربت. الكائن استيقظ."

ارتبك الجميع.

بعضهم خرج بسرعة. البعض الآخر ضغطوا أزرارًا على أجهزتهم. أما شُهْنار، فبدأت تشعر بحرارةٍ شديدة في جسدها... كأن شيئاً في دمها يغلي.

قالت المرأة التي كانت تُسألها سابقًا: "إنها تتفاعل مع نداءات الغرفة الثالثة... لا يُمكن السيطرة عليها بعد الآن."

صرخ رجل من الخلف: "أوقفوها! اقطعوا الاتصال الآن!"

لكن قبل أن يصل أحدهم إليها... انفجر الضوء من عينيها.

الغرفة كلها تحوّلت بيضاء.

ثم... اختفى كل شيء.

حين خمد الضوء، بدا كل شيء وكأنّه انقلب... الصالة الدائرية كانت فارغة، لا وجوه، لا أصوات، لا أسئلة. فقط شُهْنار، وحدها، يداها قد فُكّتا، والمقعد تحتها مهشَّم كأنه لم يتحمّل ذلك الانفجار اللامرئي.

نهضت، جسدها لا زال يرتجف، لكنّ هناك شيء ما تغيّر... إحساس داخلي لم يكن موجودًا من قبل، شعور كأن عقلها تشرّب شيئًا آخر، شيئًا غريبًا.

نظرت حولها. الأرض كانت مغطاة بنقاط سوداء صغيرة، كأنها آثار أقدام، لكنها تتحرك ببطء... تتلاشى... ثم تعود للظهور.

سارت خلفها.

خطوة بعد أخرى، كانت تقترب من بابٍ معدني مهجور في زاوية القاعة، غير بارز، كأنّه لا يُفترض أن يُفتح. لكنّه كان... مفتوحًا.

دخلت.

ممرٌ ضيق، الجدران عليه مليئة بكتابات محجوبة بلغةٍ لم تفهمها، ولكن قلبها فهم. رموز... أرقام... شيفرات، وكلها كانت تُخبرها بشيء: أنتِ هنا لسبب.

وصلت إلى غرفة أخرى، هذه المرة مظلمة، ما عدا ضوءًا أزرقًا ينبض من جدارها. اقتربت، ولمّا وضعت يدها عليه، اشتعلت شاشة ضبابية، وظهرت صورة فتاة... وجهها مألوف بشكل مخيف.

هي نفسها.

لكن الفتاة التي على الشاشة لم تكن هادئة. كانت تصرخ، تمزق شعرها، خلفها جدران مغطاة بالدم، والظلال تتحرك بسرعة.

ثم ظهرت جملة:

"النسخة الأصلية لم تنجُ."

ارتجف جسد شُهْنار.

ماذا تعني هذه الجملة؟ مَن التي على الشاشة؟ ومَن أنا؟

قبل أن تكمل التفكير، ظهر خلفها صوت رجولي مكسور، خافت، وكأنّه قادم من أعماق الأرض: "أنتِ البدل الثالث... وهم لا يعلمون أنكِ تذكّرتِ."

استدارت ببطء.

رجل نحيف، حافي القدمين، شعره طويل ومتشابك، عيناه محمرّتان من السهر والخوف، وكان يقف عند الزاوية، يراقبها.

قالت له بصوت مرتعش: "ما الذي يجري هنا؟"

اقترب ببطء: "لا وقت للشرح الكامل. كل نسخة تُخلق من الأصل، تُحبس هنا لتُراقب... أنتِ الثالثة، والأولى فقط كانت حقيقية."

قالت بعناد: "أنا لا أفهم... أنا... أنا لست نسخة! أنا إنسانة حقيقية!"

ابتسم ابتسامة حزينة: "كلّهن يقلن هذا في البداية... حتى الأولى."

قلبها انكمش، فكرها توزّع بين صدمة ورفض. بدأت تُدرك أن كل ما مرّت به، كل الذكريات التي تملأ رأسها، قد لا تكون سوى "محاكاة"... مجرد صور زُرعت لتحكم سلوكها.

قالت له: "ولِماذا أنا هنا؟ ما الهدف؟"

أجاب: "لأنكِ الوحيدة التي أظهرت استجابة للموجة الخامسة... الشيء الذي يستفيق في الغرفة الثالثة، لا يتفاعل إلا مع واحدة."

رفعت حاجبها: "وأين ذهب الآخرون؟ من في الجلسة؟ الذين قيدوني؟"

أجاب بنبرة مُخيفة: "هؤلاء ليسوا بشرًا... ليسوا كما تظنين. الكيان الذي في الغرفة الثالثة... نسخَهم، استبدلهم منذ أسابيع. أنتِ لم تعودي في مصحة... بل في قوقعة اختبار، تُجرى على العقل البشري في لحظات انهياره."

شُهْنار لم تحتمل أكثر.

ركضت. ركضت وكأن الموت خلفها.

الأبواب تتكرر، الجدران تنكمش، الإضاءة تنطفئ، تتبدل، تلمع بعشوائية. صوت خطواتها أعلى من دقات قلبها. حتى وصلت إلى نهايةٍ مسدودة.

وهنالك... فتحت الباب ببطء، ووجدت غرفة صغيرة، فيها مرآة مستديرة، كتب عليها بخطٍ قديم:

"النجاة لا تعني الخروج، بل التذكّر."

اقتربت، نظرت إلى انعكاسها...

وما رأته، لم يكن وجهها. بل فتاة أخرى... بعينين دامعتين، وشَعرٍ محروق الأطراف، تهمس من داخل المرآة:

"ساعديني... أنا الأصل."

شهقت شُهْنار وتراجعت خطوتين، عيناها لا تصدّقان ما تراه. وجه الفتاة خلف الزجاج ليس غريبًا تمامًا، ليس غريبًا أبدًا. كانت تعرفه... بل تحسّه. الألم الذي في عينيها... هو نفسه الذي يسكن أعماقها.

رفعت يدها المرتجفة نحو الزجاج، ولمّا لامسته، شعرت بحرارة، كأن الزجاج حي. ثم تلاشى الانعكاس، وصوت الفتاة تردّد من الجدران:

"لا تصدّقي ما قيل لك. لا هو... ولا أنتِ... منكما الأصل. كلاكما ظلّ."

تراجعت شُهْنار، تتنفس بصعوبة، تبحث عن مخرج. لكنّ الغرفة بدأت تدور، الأرضية مائلة، السقف يضيق، الهواء أثقل.

ظهر فجأة صوت آخر... أكثر عمقًا، وكأنّه من داخل رأسها:

"المرحلة الأولى اكتملت. الإدراك الجزئي تحقق. بدء الانتقال إلى التغوُّم الثاني."

صرخت: "مَن أنتم؟ ماذا تريدون منّي؟!"

لكن لا جواب... فقط صوت صفير طويل بدأ يعلو، حتى انقطع كأنّ قلب الزمن نفسه توقف.

وإذا بها تجد نفسها مرمية على سرير معدني، في غرفة بيضاء، مشدودة الأطراف، محقنة من الرقبة. فوقها جهازٌ يعرض صورًا تتبدّل كل ثانيتين: فتاة تبكي، أخرى تحترق، وجه مقطّب، صحراء، جسد على الأرض، أرقام تتحرّك، جهاز نبضٍ ينخفض... ثم تظهر جملة واحدة تومض باللون الأحمر:

"هل تذكّرتِ الآن؟"

فتحت فمها لتصرخ، لكن صوتها لم يخرج.

وبينما كانت تغرق في الصمت، دخل الغرفة رجل ببدلة طبية داكنة، وجهه غير واضح، ملامحه وكأنّها تتبدّل مع كل رمشة.

قال بنبرة غريبة: "نحن آسفون، النسخة رقم 3 تُظهر مقاومة غير معتادة. يبدو أننا سنضطر لإعادة التغوُّم من البداية."

فتحت شُهْنار عينيها على اتساعهما، تقاتل، تصرخ داخليًا، لكنها مشلولة تمامًا.

ابتسم الطبيب وقال: "اهدئي... هذه ليست أول مرة تموتين فيها."

ثم ضغط على زر.

الضوء أطفئ.

كل شيء انقلب إلى سواد...

ضوءٌ خافت بدأ ينمو في العتمة... لم يكن ضوءًا مألوفًا، بل كأنّه نبض، ينبض من داخلها. شُهْنار لم تكن مستيقظة بعد، لكن وعيها كان يطفو كقطعة خشب وسط محيط رمادي، لا قاع له.

همسات... كثيرة... متقاطعة...

"هذه ليست هلوَسة... إنها استعادة."

"أي نسخة هذه؟"

"رقم 3. لكنها تجاوزت الحدّ المسموح به."

"متى نبدأ الفصل الثاني؟"

ثم فجأة، صمت تام، ثم صوت حادّ يخترق كل شيء:

"افصلوها."

شهقت شُهْنار، وكأنها وُلدت من جديد. لم تكن في المستشفى، لم تكن في أي مكان تعرفه. كانت داخل غرفة دائرية، لا أبواب، لا نوافذ، فقط مرايا... المئات منها، تدور حولها ببطء.

كل مرآة تُظهر نسخة مختلفة منها: واحدة حزينة، أخرى مبتسمة، ثالثة دامية الوجه، ورابعة بثياب لا تعرفها... وخامسة، بلا وجه.

قال صوت في رأسها، دون فم:

"اختاري... فقط واحدة."

شهقت:

"ماذا؟ مَن أنتم؟ لماذا أنا هنا؟"

"كل سؤال تؤجلينه... يعود لكِ لاحقًا بشكل أكثر وجعًا. اختاري."

خطت نحو المرآة التي تظهرها مبتسمة. لمجرد لمسة، انفجرت شظايا من الذكريات في رأسها: ضحكات، فتاة تمسك بيدها، جدار مليء بالكتب، رجل يكتب اسمها على ورقة، ثم... نار. لهب. ظلام.

سقطت على الأرض، تتنفس بصعوبة. الدمعة التي نزلت من عينيها كانت ساخنة، حارقة.

عادت المرايا للدوران.

ظهر باب.

باب صغير، من خشب غامق، عليه قفل نحاسي، وعبارة منقوشة بخطٍ غير مفهوم، لكن عقلها فهمه:

"إن دخلتِ، لن تعودي كما كنتِ."

ترددت... لكن شيئًا ما، شيء أعمق من الخوف، دفعها لتدوير المقبض.

دخلت.

---

ممرّ طويل. لا صوت، لا نفس، حتى خطواتها كانت بلا صدى. على الجدران: صور. كل صورة فيها وجهٌ بلا ملامح، ومكتوب تحتها تواريخ... تواريخ متباعدة، متقطّعة، لكن بينها شيء واحد مشترك: كلها تبدأ بالرقم 3.

ثم رأت صورتها.

شُهْنار، لكن أعينها سوداء بالكامل، وتحتها مكتوب:

"النسخة الأخيرة. بداية الانقلاب."

شهقت، والتفتت.

وراءها... امرأة.

مخلوق... يشبهها، لكن ليس تمامًا.

قالت المرأة: "أنتِ وصلتِ أبكر مما توقعنا... لكننا نحتاجكِ."

سألت شُهْنار، ودموعها تنزف دون إذن:

"لماذا أنا؟ ما هذا المكان؟"

ابتسمت المرأة ابتسامة مشقوقة:

"لأنكِ ظلّ، ولأن الأصل... فشل."

كان المكان ساكنًا، لكن الهواء ثقيل، كأنّه مشبع بصوتٍ مكتوم. المرأة اللي وقفت قبال شُهْنار، ما كانت تُشبهها فقط بالشكل... بل كأنها تُعيد لها أحاسيس قديمة دفنتها من زمان.

قالت بصوتٍ أجوف، عميق، كأنّه يخرج من جدار:

"مرحبًا بكِ... في الداخل."

سألت شُهْنار، بعينين يملؤهما الذهول والتردد:

"الداخل؟ من أنتِ؟ لماذا أشعر وكأنني أعرفك؟"

اقتربت المرأة، وكان ظلّها يتكاثر كلما خطت خطوة.

"أنا ما تبقّى منكِ... حين تمّ فصلك عن ذاتكِ الحقيقية، حين أجبروكِ على النسيان، وسمّوه علاجًا... حينها ولدتُ أنا."

تراجعت شُهْنار خطوة إلى الوراء، تتنفس بصعوبة:

"هذا مستشفى، قالوا إنني مريضة، فقدت الذاكرة... هناك حادثة، انفجار، ثم..."

قاطعتها المرأة، وعيونها تشع بالأسود الداكن:

"ذاك الانفجار لم يكن بداية، بل نهاية. كل ما مضى حُذِف، وأُعيدت كتابتكِ... والآن حان وقت استعادته."

رفعت يدها، وظهرت من الحائط شاشة طافية، دون إطار. عليها، كانت تُعرض صور متلاحقة: شُهْنار تركض في طرقات مظلمة، تصرخ، تصطدم بوجوه لا تعرفها... تُقيد... تُحقن... ثم تُنقل إلى مكان لا يحمل أي علامة.

همست المرأة:

"هل ترين؟ لم يكن هناك علاج... كان هناك مسح."

انكمشت شُهْنار على نفسها، تبكي، ترتجف:

"لماذا؟ لماذا أنا؟"

اقتربت المرأة أكثر، ولمست جبهتها بإصبع بارد:

"لأنكِ الوحيدة التي لم تنكسر تمامًا. والأكثر خطورة من الجنون... هو من يُقاومه."

---

في تلك اللحظة، انطفأت الشاشة. اختفت المرأة. وعادت الغرفة إلى الفراغ.

ثم صوت غليظ ارتجّت له الجدران:

"المراقبة توقفت. انتقلت للمرحلة التالية."

انفتح باب جديد، خلفه ممر من طراز مختلف تمامًا: حديث، أضواء زرقاء، بلاط رمادي لامع... كأنها خرجت من سجن قرون إلى مختبرٍ مخيف.

بدأت تمشي، تتلفت، وكلما خطت خطوة، شعرت بثقل في صدرها، كأن الهواء يُقاوم دخولها.

حتى ظهر هو...

رجُل طويل، واقف في نهاية الممر، لا يُحرك ساكنًا.

كلّه سواد. ملابس، شعر، عيون... حتى ظله كان أثقل من الجدران.

لم يتكلم... فقط راقبها.

ولأول مرة، شعرت شُهْنار أن الخوف الذي بها، لم يكن منها وحدها...

تمشي شُهْنار في الممر، وقد بدت خطواتها وكأنها تُثقلها الدنيا. الجدران التي حولها عكست ملامحها في صور مشوهة، وجعلت كل لحظة تمر وكأنها تتسلل إلى عمق مكان مجهول، لا بداية له ولا نهاية.

كانت ترى وجوهًا تتداخل، تتغير مع كل خطوة تخطوها. من بعيد، ترى لمحات لصور بشرية ممزقة، كلمات غير مفهومة، واهتزازات في الهواء تذكّرها بكوابيس.

أطراف أصابعها بدأت تشعر بالبرد. كان ذلك المكان أكثر برودة من أي مكانٍ مرّت به في حياتها. كان البرد ينفذ عبر عظامها، يطوّق قلبها، وكأن كل شيء فيها يرفض الاعتراف بهذا الواقع الجديد.

وفجأة... وقف الممر. اختفى، كأن الأرض ابتلعت آخر خطوة لها. تحولت كل الأضواء إلى خفوت تدريجي، ثم فُتِحت أمامها غرفة أخرى. ولكن، كانت هذه الغرفة مختلفة.

الجدران كانت مغطاة بطبقات من أشياء غريبة، مربعات معقّدة، خطوط متشابكة، وأدوات غريبة معلّقة في أرجاء المكان. كان لا يوجد سوى مقعد واحد في الوسط، مشرق بنورٍ بارد.

ابتسمت شُهْنار ابتسامة مليئة بالتشاؤم:

"ما هذا؟ هل أصبح المكان يلهو معي الآن؟"

خطت نحو المقعد، وجلست عليه... ثم شعرت بشيء يلامس قدميها، شيء دافئ، لكن بطيء الحركة، يشبه نبض قلبٍ غريب.

في اللحظة التالية، شعرت بأشياء تدور حولها، تشدّها من كل جانب. كان الهواء الثقيل يلتف حولها مثل خيوط عنكبوتٍ لا نهاية لها.

لكن ما كاد يمرّ وقت طويل، حتى بدأ صوتٌ خافت يأتي من الحائط.

"نحن هنا. لكنك لا تستطيعين رؤيتنا."

توقف قلبها عن الخفقان للحظة. كان الصوت يذكرها بشيء قد نسيته، وكان الغموض يزداد حولها.

"الكلُّ تحت المراقبة."

كانت الكلمات تتردد في رأسها وكأنها ليست مجرد كلمات، بل شفرات مشفرة، تتسلل في وعيها.

اقتربت من الحائط، لامست يدها الجدار البارد. ثم عاد الصوت، ليس من بعيد هذه المرة، بل بدا وكأنه يخرج مباشرة من داخل جمجمتها.

"أنتِ جزءٌ من خطة أكبر. لا مفر."

سحب قلبها إلى أعماق جسدها، شعرت بأن العالم يختفي من حولها... فجأة، تحول كل شيء إلى ضباب أبيض كثيف.

أغمضت عينيها، حاولت التنفس... لكن الهواء كان أقل كثافة من أن يمتلئ به صدرها.

ثم، على عجل، انتفضت وكأن شيئًا غير مرئي دفعها للقيام. فتحت عينيها، فوجدت نفسها في غرفة جديدة، مع شيء غريب على الأرض.

شُهْنار نظرت للأرض، كأنها تراها لأول مرة. كان هنالك صندوق معدني، مظلم، بابه محكم. وبينما هي تقترب منه، شعرت بشيء ثقيل في صدرها، كما لو أن عبئًا جديدًا أضيف إلى أكتافها.

وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء غير مريح في الجو. شعور بأن هناك عيونًا تراقبها، شيء لم تراه، لكن حسّها كان يشير إليه. كان هناك مَن في المكان... شيء مختلف عن كل ما عرفته.

ثم، فجأة، بدأت الأضواء تومض، والشاشة التي كانت على الجدار بدأت تظهر، نفس الصورة، نفس الجمل المموهة التي كانت على الشاشة في الغرفة السابقة.

"أنتِ لم تعدِ تحت المراقبة... أصبحتِ جزءًا من الشيء نفسه."

كانت آخر الكلمات التي سمعتها قبل أن يغمرها الظلام تمامًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

متاهة العقل

المؤلف 𝑝𝑟𝑖𝑛𝑐𝑒𝑠𝑠
2025/08/03 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة