لم يكن أحد يتخيّل أن لوسيا، تلك الفتاة التي اعتادت أن تُعامل العالم كأنه تحت قدميها، ستنتهي الصيف بين الطين والدجاج وصوت الريح وهي تصفر بين سنابل القمح.
لكن الحقيقة، يا صديقي، تبدأ من تلك الليلة...
كانت حفلة عيد ميلادها الثامن عشر، في إحدى الحدائق الفخمة ببرشلونة. الأنوار كانت تتلألأ، والموسيقى تعلو، وابتسامتها لا تفارق شفتيها الممتلئتين بالغرور. الجميع جاء ليحتفل بها، لكنها لم تكن تحتفل إلا بنفسها.
في لحظة ما، رأتها والدتها وهي تصرخ على نادلة شابة، فقط لأنها سكبت بعض العصير على فستانها الأبيض. لم يكن صراخًا عاديًا، بل نوع الصراخ الذي يُشعرك بأن قلبك ضئيل، كأنك لا تستحق الهواء.
تلك النظرة في عيني النادلة مزيج من الذل والغضب لم تُغادر ذهن السيدة إلينا، والدة لوسيا، طوال الليل.
وفي صباح اليوم التالي، بدون مقدمات أو نقاش، جلست لوسيا في المقعد الأمامي للسيارة، تقلب عينيها وهي تسمع العبارة التي لم تفهم عمقها إلا بعد ساعات من الصمت
"ستقضين الصيف عند مارينا، صديقتي القديمة، في ريف فالنسيا. ستعيشين مع ابنها، خاڤيير، وتساعدينهم في المزرعة. انتهى الحديث."
كانت الشمس في منتصف السماء، حارّة، عنيدة، وكأنها تتآمر على المدينة لتُذكّرها بأنها صيف إسبانيا، لا ربيع باريس.
السيارة السوداء الصغيرة توقفت على جانب طريق ترابي ضيق، تحيط به أشجار الزيتون، وبعض الشجيرات التي فقدت صبرها من الجفاف.
لوسيا كانت تضع نظارتها الشمسية، ترتدي بلوزة بيضاء قصيرة، وسروال جينز أنيق لا يليق أبدًا بمكان كهذا. نظرت من نافذتها بانزعاج وهي تتمتم
"أين أنا بحق الجحيم؟"
والدتها أطفأت المحرك وتنهدت بعمق، ثم نظرت إلى ابنتها بنظرة حاولت أن تكون حنونة، لكنها كانت متعبة أكثر منها حنونة.
"عشر دقائق فقط، لوسيا. أُلقي التحية على مارينا، ثم أعود. أنتِ... تبقين."
لم ترد الفتاة، فقط أزاحت النظارات عن عينيها قليلاً لتنظر نحو البوابة الصدئة. كانت مفتوحة، ويقف خلفها شخصان.
مارينا، المرأة ذات الشعر المجعّد والوجه الذي أنهكته الشمس لكن لم يُطفئ دفئه، لوّحت بيدها وابتسامتها تصل حتى قلبك.
وبجانبها... كان هو.
خافيير.
وقف وذراعيه مشدودتان، قميصه مفتوح الأزرار حتى منتصف صدره، يداه متسختان بالتراب، وعيناه تضيّقان حين نظر إلى الفتاة التي خرجت من السيارة. لم يبتسم. لم يرحّب. فقط نظر إليها كمن يعرف جيدًا نوع الكارثة التي ستسكن بيته لأسابيع.
اقتربت إلينا من مارينا واحتضنتها بحرارة
"كم مضى من الوقت! يا إلهي، لم تتغيري..."
أما لوسيا، فبقيت واقفة قرب السيارة، تحاول ألا تلمس الأرض بحذائها الأبيض الجديد. كانت تنظر إلى خافيير كما ينظر أحدهم إلى علبة قديمة من الطماطم في متجر فخم.
قالت له ببرود، دون أن تمد يدها
"مرحبًا."
رفع حاجبه قليلًا، ثم أدار وجهه دون كلمة.
في تلك اللحظة، أدركت لوسيا شيئًا بسيطًا: الصيف سيكون طويلًا جدًا...
مرت العشر دقائق كما تمر الدقائق الثقيلة... ببطء على قلب الأم، وبسرعة على فمها الذي يحاول أن يبتسم.
تبادلت إلينا ومارينا كلمات قصيرة، ضحكًا خفيفًا، ذكريات عن مراهقة مضت، ثم نظرت إلى ساعتها وكأنها تحاول إقناع نفسها أن الوقت قد حان، رغم أنها كانت تودّ لو أن الوقت يتعطل.
عادت إلى السيارة، فتحت الباب الخلفي، أخرجت حقيبة لوسيا، ووضعتها بجانب الباب الخشبي للمزرعة.
ثم اقتربت من ابنتها، التي كانت واقفة تُقلب عينيها، تارة نحو الأفق، وتارة نحو خافيير الذي ما زال يرقب الموقف من بعيد، كمن يستعد لمعركة لم يختر خوضها.
وضعت إلينا يديها على كتفي لوسيا.
"ستكرهينني ، أعلم. ستظنين أنني قاسية، غير عادلة، وربما حتى شريرة."
صمتت، ثم ابتسمت، ودمعة صغيرة تسللت من زاوية عينها، رغم كل ما حاولت أن تُخفيه.
"لكن هناك أشياء لا يُمكن أن نتعلّمها في حفلات العشاء والمولات. هناك دروس لا يعطيها أحد... سوى الحياة. وأنا... أردتُ أن تعيشيها، لا أن أشرحها لك."
شدّت على كتفيها مرة أخيرة، همست
"أنتِ لستِ سيئة، لوسيا. فقط... نسيتِ كيف تكونين حقيقية."
ثم التفتت سريعًا، قبل أن تقول شيئًا قد يُفسد ما حافظت عليه طيلة الطريق.
ركبت السيارة، أغلقت الباب بلطف، وأدارت المحرك.
أما لوسيا، فوقفت مدهوشة في مكانها، تحدّق في الغبار الذي خلفته سيارة والدتها وهي تختفي بين أشجار الطريق الريفي. شعرت بشيء يتكسر بداخلها... ليس حزنًا، بل شيء أشبه بالإهانة.
حدّقت في المنزل البسيط أمامها، وكأنها لم ترَ مثله من قبل، رفعت حاجبها في تذمر، ثم نظرت حولها ببطء، وكأن الريف بأكمله إساءة شخصية.
كانت تظن أن أمها تمزح، أو على الأقل ستعود بعد دقائق معتذرة، لكن لا... هذه المرة كانت جادة. تركتها هنا... وحدها.
لفّها صمت غريب، ليس لأنه هدوء ريفي بل لأن عقلها نفسه رفض تقبّل ما حدث.
هي، لوسيا دي لا فيغا ، في الريف؟ شهران كاملان؟ مع من؟ أغنام وجرارات؟
ابتلعت غصة لم تعترف بها، وعدّلت ياقة قميصها وكأنها تحاول إثبات شيء ما، حتى على التراب.
خطت لوسيا أولى خطواتها داخل البيت، وكأنها تدخل متحفًا ريفيًا نسيه الزمن.
الهواء بارد قليلًا، فيه رائحة تراب رطب وخبز طازج، ممزوجة برائحة الأعشاب المجففة المعلقة على الجدران. الأرض من الحجارة القديمة، والجدران مطلية بلون أبيض داكن تخلله بعض التشققات.
رفعت قدمها بحذر، تنظر إلى نعليها الأبيضين كأنها تخاف عليهما من الإصابة بعدوى الفقر.
من خلفها، دخل خافيير وهو يحمل الحقيبة، رماها قرب الدرج بخشونة متعمدة، ثم قال دون أن ينظر إليها:
"الغرفة فوق. ثاني باب على اليمين. الحمّام مشترك. لا يوجد خدم، هذا ليس فندق."
ثم ابتسم، نصف ابتسامة، كأنها سخرية من نفسها أكثر من كونها تهكّمًا عليها.
رفعت لوسيا حاجبها ونظرت إليه كما تنظر ملكة إلى فلاح.
"لا تقلق، لن أطلب كثيرًا. فقط إنترنت، مكيف، وربما باب يُغلق."
توقف خافيير لحظة، نظر إليها نظرة طويلة، ثم أشار بيده نحو الباب
"الإنترنت هنا هو أن تسمعي صوت العصافير... والمكيف؟ اسمه نافذة. افتحيها."
صعدت السلم الخشبي وهو يصدر صريرًا تحت قدميها الرقيقتين، وكأن البيت نفسه يشتكي من قدومها.
دفعت الباب، فصدر صرير آخر. الغرفة بسيطة سرير حديدي صغير، خزانة خشب، نافذة تُطل على المزرعة... وجدار واحد مائل قليلًا.
كانت الغرفة ساكنة. هادئة لدرجة جعلت لوسيا تسمع صوت أفكارها لأول مرة منذ شهور.
جلست على السرير، ثم تمددت، تُحدّق في السقف. لا زخارف. لا ضوء نيون. لا صوت إشعارات.
فقط مروحة سقف تتأرجح ببطء، تصدر صوتًا مملًا كأنه يواسي صمتها.
أخرجت هاتفها من الحقيبة. لا إشارة.
رفعت حاجبها بسخرية، وكأنها تقول لنفسها
هذا ليس مزاحًا إذن.
فتحت الكاميرا، حاولت أن تلتقط صورة للغرفة لتشاركها مع صديقاتها، ثم توقفت. نظرت للصورة... بدت باهتة، قبيحة.
ما الذي سأكتبه؟ "صيفي في سجن الريف؟" من سيُعجب بهذه الفوضى؟
حذفت الصورة.
ولأول مرة، شعرت بشيء صغير يضغط صدرها.
ليس خوفًا، بل فراغ. فراغ لم تكن تلاحظه، لأن الأضواء والحفلات والضحك السريع كانت تملأه وقتها.
فجأة، شعرت بالوحدة. لكنها لم تعترف بها، بل قفزت فورًا للغضب، كعادتها.
فتحت النافذة بقوة. الهواء دخل بعنف، يحمل معه رائحة الأرض.
وبينما كانت تحدّق في الأفق، حيث يحرث خافيير الأرض دون أن ينظر للأعلى، قالت في نفسها
"هذا حلم سخيف. سأصمد. وسأجعل أمي تندم."
بعد أن أغلقت النافذة بقوة، جلست لوسيا على السرير، عاقدة ذراعيها، وجهها ممتقع من الغضب، وأنفاسها متوترة كأنها على وشك أن تصرخ... لكنها لا تعرف على من.
فتحت حقيبتها وبدأت تقلب فيها بقلق. أين أدوات العناية؟ أين مرآتها الصغيرة؟ علبة المكياج؟ زجاجة العطر؟
وجدت كل شيء، لكنها لم تجد نفسها. كأن ما كانت تحمله لم يعد له أي معنى هنا.
"ما هذا الجنون؟!" قالت بصوتٍ خافت لكنه مليء بالغضب.
"لا أحد يفعل هذا بابنته. لا أحد ينفيكِ إلى الريف فقط لأنك قلتِ رأيك."
قامت فجأة، وبدأت تسير في الغرفة جيئةً وذهابًا، صوت كعبها يضرب الأرضية الحجرية كما لو أنها تتحدّى هذا المكان بصوتها.
فتحت باب الخزانة... لا شيء. لا عطور، لا ملاءات حريرية، فقط بطانية خشنة مطوية بدقة.
أغلقت الباب بعنف.
نزلت إلى الأسفل بخطوات سريعة، لم تنتبه إن كان أحدهم موجودًا. توجهت مباشرة إلى الباب الخارجي، فتحته ونادت
"أين أمي؟!"
صوت خافت من مارينا أتاها من المطبخ
"غادرت، عزيزتي. قالت إنك قوية، وستتأقلمين."
كأن جدارًا من الزجاج انكسر خلف عيني لوسيا، لكنها لم تبكِ. لم تفعل ذلك منذ سنين، ولن تبدأ الآن.
استدارت نحو المطبخ، رمقت مارينا بنظرة مختلطة بين الاتهام والارتباك، ثم قالت بجفاف
"هل يوجد ماء ساخن هنا؟"
ضحكت مارينا بخفة، وكأنها تعرف هذا النوع من البنات جيدًا. اقتربت منها وقالت بلطف حذر
"في هذا البيت، نغلي الماء على الغاز، فقط إذا احتجناها... لا كل عشر دقائق."
كانت ضربة خفيفة، لكنها أصابت لوسيا في كبريائها. لم ترد. صعدت الدرج مجددًا، وأغلقت الباب خلفها دون كلمة.
جلست على السرير، بملامح متحجرة.
هي لا تكره المكان فقط... بل تشعر أن العالم كلّه تآمر عليها.
في العشاء كانت الطاولة خشبية، مربعة، عليها ثلاث أطباق من الفخار، وكأس ماء لكل شخص.
طبق العدس الساخن تصاعد منه بخارٌ عبق برائحة الزعتر وزيت الزيتون.
مارينا وضعت الملاعق أمام الجميع، ثم جلست وهي تمسح يديها بمنديل قطني.
"لا نأكل كثيرًا ليلًا هنا، فقط ما يملأ البطن."
لوسيا نظرت إلى الطبق أمامها، ملامحها مشدودة، ولم تحاول إخفاء انزعاجها
"هل يوجد شيء آخر؟ أو هل يُمكنني طلب توصيل؟"
خافيير ضحك ضحكة خفيفة من طرف فمه، لم ينظر إليها حتى وهو يرد
"أكيد، سيأتي السكوتر بعد أن يعبر ثلاث جبال وأربع بقرات نائمة."
مارينا رمقته بنظرة تحذيرية، لكنه استمر بتناوله للطعام بهدوء.
أما لوسيا، فقد شبكت يديها، وقالت بصوت ساخر
"أنا لا آكل طعامًا بنيًا. هذه قاعدة."
قالت الجملة كأنها تتحدث في مقابلة تلفزيونية، بصوت واضح، ونبرة مزهوّة.
خافيير رفع نظره أخيرًا، نظر إليها مباشرة للمرة الأولى، وابتسامته شبه ساخرة
"غريب... الناس هنا يأكلونه كل يوم. ولا أحد مات حتى الآن."
لوسيا "هذا لأنكم لا تعرفون الفرق بين الطعام والغذاء."
ضحك بخفة، لكن عينيه لم تضحكا، بل ضاقتا وكأنها أثارت فيه شيئًا ما.
"أوه، فهمت... فلسفة على معدة خاوية؟ هذا أخطر من الطعام البني نفسه."
صمت مفاجئ.
مارينا قطعت التوتر بلطف متعمد، كأنها اعتادت تهدئة الأجواء حين تتكهرب
"لوسيا، جربي فقط لقمة واحدة. العدس مليء بالحديد... مفيد للبشرة."
قالتها بدهاء، كما لو أنها تعرف الزر الذي يجب الضغط عليه.
لوسيا تنهدت، رفعت الملعقة بتثاقل، ترددت لثوانٍ... ثم أخذت لقمة صغيرة جدًا، كأنها تؤدي طقس تضحية نبيلة.
طعم العدس كان دافئًا، بسيطًا، وغير متوقع. لكنه لم يُعجبها أو هكذا قررت أن تُقنع نفسها.
"هل ستستمرون بالتحديق في وجهي كلما وضعت شيئًا في فمي؟" قالت بحدة وهي تُسقط الملعقة في الطبق.
خافيير نهض بهدوء، حمل طبقه، وقال دون أن ينظر إليها
"لا تقلقي... بعد يومين، لن يلاحظ أحد وجودك أصلًا."
ومضى مبتعدًا، تاركًا إيّاها بين صمتٍ ثقيل، ورائحة العدس... وشيء يشبه الإهانة.
خرجت من الغرفة، تجنبًا لأي شخص، لكنها لم تستطع إلا أن ترى ذلك المكان بأعين مختلفة الآن. رأته كما هو: أرض جافة، تراب، أشجار يابسة، وأكواخ صغيرة لا تتناسب مع حياة المدينة. لا شيء يشبه ما اعتادت عليه.
أخذت قنينة ماء وخرجت نحو الخارج، متعجلة، بغضب مكبوت. كان خافيير، كما تتوقع، يعمل في الحقل، يحمل المجرفة وكأنما لا يوجد شيء آخر في الحياة غير هذا العمل المتعب. كانت يده تتعرق وهو يواصل الحفر في الأرض، بينما كانت لوسيا تراقبه من بعيد.
لم تُطق أن تراه هكذا، هادئًا، وكأن كل شيء طبيعي. كل شيء هنا طبيعي بالنسبة له.
"هل تظن أن هذا المكان يليق بي؟!" قالت فجأة، دون أن تفكر في تأثير كلماتها.
خافيير توقف للحظة، نظر إليها بنظرة غريبة، ثم عاد إلى عمله.
"لا يهم إذا كان يليق بكِ أو لا. هذا ما لدينا هنا."
استفاقت لوسيا في صباح اليوم التالي على أصوات لم تعتدها: زقزقة عصافير، صياح ديوك، وخرير مياه خافت في الخلفية. لكن الذي أيقظها حقًا لم يكن الصوت... بل الصمت الذي يليه. الصمت العميق الذي يُربكك، ويجعلك تتساءل إن كنتِ ما زلتِ في هذا العالم.
نظرت حولها، للحظة نسيت أين هي. الغرفة الصغيرة، السرير الخشبي، السقف المنحدر... كل شيء بدا ضيقًا، متواضعًا، غريبًا.
" ما هذا المكان؟" تمتمت، تمد يدها لهاتفها بسرعة، كأنها تستجدي العالم الذي تركته خلفها.
ولا شيء. لا رسائل. لا مكالمات. لا حياة.
نهضت بتأفف، صعدت إلى الحمام، وحدّقت في المرآة. الوجه الذي رأته لم يكن مألوفًا. لا كريم أساس، لا لمعة شفاه، لا فلتر. فقط هي... كما لم ترَ نفسها من قبل.
"هذا لا يشبهني... ولا يُشبه حياتي."
غسلت وجهها، لكنها لم تُطفئ شيئًا. الغضب ما زال في عينيها.
وفي المطبخ، رأته. خافيير، يعمل وكأن وجودها لا يعني شيئًا
في المطبخ، كانت رائحة الخبز تملأ المكان، وأصوات الصحون تتصادم برتابة صباحية.
خافيير كان هناك، يقطع الخضار بهدوء، كأنه لا يشعر بوجودها.
لوسيا وقفت عند المدخل، ذراعاها معقودتان، عيناها نصف نائمتين ونصف غاضبتين.
"هل من الطبيعي أن أستيقظ على صوت ديوك؟" قالت بنبرة حادة، كأنها تشتكي من جريمة.
خافيير لم يرفع نظره، فقط قال
"هم يستيقظون قبلنا. نحن المتأخرون."
زفرت، تقدّمت خطوة، نظرت حولها إلى المطبخ البسيط، ثم إليه.
"لا أعرف كيف تتنفسون هنا... كل شيء خانق. صامت أكثر من اللازم، وصاخب أكثر من اللازم في نفس الوقت."
أخيرًا، نظر إليها. بعينين هادئتين، لا تسألان ولا تعتذران.
"أنتِ فقط لم تتعودي على أن تسمعي نفسك."
صمتت. كأن شيئًا ما التصق بكلماتها ولم يعد يخرج.
ثم قال، دون أن ينظر إليها، بينما يواصل تقطيع الخضار بنفس الرتابة
"تعرفين؟ الهشّ أحيانًا يصرخ كثير... حتى لا يسمع أحد كم هو فارغ."